الصين.. مصنع العالم عند العرب

الصين.. مصنع العالم عند العرب


عود الحزم

كم كبير من الغرائبية وعلامات الاستفهام الحائرة يحيط بمعظمنا بمجرد أن يذكر اسم الصين، ولعلنا لن نتفق بالضبط على إجابة واحدة حولها، وربما لا يعرف معظمنا …

emaratyah

كم كبير من الغرائبية وعلامات الاستفهام الحائرة يحيط بمعظمنا بمجرد أن يذكر اسم الصين، ولعلنا لن نتفق بالضبط على إجابة واحدة حولها، وربما لا يعرف معظمنا أن العلاقات الثقافية معها قديمة ومنذ عصور النهضة العربية الإسلامية الأولى.
لقد اهتم المسلمون بالصين منذ بدايات انتشار حركة التجارة بينهم وبين دول القارة الآسيوية الأخرى كالهند والسند وغيرهما، وتزخر كتب التاريخ العربي الإسلامي بحكايات عديدة لرواد سبقوا الجميع في رحلة الاقتراب من الصين والتعرف إليها والتبادل الثقافي معها، وكان لدخول الإسلام في بعض المناطق الصينية دور كبير في تشجيع الرحلات الاستكشافية إليها، وفي تعزيز وتعميق الفهم لطبيعة وأسس ومميزات الحضارة الصينية الضاربة في القدم.
ليست الصين إذاً مجرد كلمات مفتاحية، مثل صناعة الورق، ومثل طريق الحرير، لكنها كانت في التراث الثقافي العربي تحمل دلالات أخرى تكشف الوجه الإنساني في طبيعة الشعب هناك، وتصف أحواله، وطرق معيشته، وكيف يتعامل مع الآخر وكيف يستقبله.
ولعل المفاجأة هنا تكمن في أن البحث عن علاقة العرب والمسلمين بالصين، يقود تلقائياً إلى اكتشاف أنها مذكورة عند كثير من المؤرخين والمستكشفين والرحالة العرب ومن بينهم الجاحظ، والفقيه المعروف سعد الخير الأندلسي، والمؤرخ القزويني، والرحالة الأشهر ابن بطوطة، هذا فضلا عن ذكرها من قبل ياقوت الحموي والراغب الأصفهاني، وابن الوردي والإمام السيوطي وابن عساكر وغيرهم.
اهتم الجاحظ كما هو معروف بالكتابة عن العديد من الأشياء التي لم يسبقه إليها أحد في الثقافة العربية، فكانت كتاباته الفريدة عن عالم الحيوان وممالكه، محاولة جادة رغم طرافة أسلوبه في تقديم واستكشاف ما لم يكن مطروقاً من قبل في حياة الناس رغم أهميته فيها، واهتم الجاحظ كثيراً بأخبار وصفات الشعوب التي تتواجد في الممالك والدول المجاورة للدولة الإسلامية، فكتب عن الهند وعن اليونان، ثم حاول استكشاف وتحديد مميزات الشخصية الصينية التي كانت مجهولة كلياً آنذاك، فكتب عنها في رسالة أسماها «رسالة التبصر بالتجارة»، ومن الواضح أنه لم يكن يقصد كما هو واضح في العنوان مجرد الاستغراق في التجارة ودروبها، بل اهتم بمعرفة طبائع عدة شعوب كاليونان والهند والعرب والصين، ووصف الصينيين بالمهرة في الصناعة، والمتمكنين منها، وقال فيهم «إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين امتازوا في الصناعات»، ويورد الباحث المهتم باللغة الصينية والعلاقة الثقافية مع الصين بلال عبد الهادي أن الجاحظ لم يكن بدعا في ذلك التصنيف للصين والصينيين، فما قاله يتفق فيه معه أبوحيان التوحيدي حين يقول: «أما سكّان الصين فإنّهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنجر والتصاوير، والنسج والخطّ، ورفق الكفّ في كلّ شيء يتولّونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه».
غير أن الفقيه الأندلسي سعد الخير يبدو كما لو أنه وجد في الصين حياة ثقافية مختلفة، وصفات أكبر وأهم من مجرد البراعة في الصناعة، فهو يقرر أن يرتحل إلى الصين ويسكن فيها، بل ويسمي نفسه بسعد الأندلسي الصيني، وقد سبقت رحلة سعد الأندلسي إلى الصين، عدة رحلات مهمة يؤرخ بها خطأ كأولى الرحلات إلى الصين، مثل رحلة ابن بطوطة ورحلة ماركو بولو.
وسعد الأندلسي كما يُورد في تعريفه هو الشيخ الامام، المحدث المتقن، الجوال الرحال، أبو الحسن، سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي البلنسي التاجر، وقد سار من الأندلس إلى إقليم الصين، وركب البحار وقاسى المشاق، وسافر بتجارته إلى الصين، برغم المسافة البعيدة جداً بين الأندلس و الصين، وهذه الرحلة تدل على مدى العلاقات الطيبة بين دول العالم في ذاك الزمان وسهولة التنقل بين شعوبها.
وكان سعد الأندلسي الصيني صاحب ثروة ومال طائل، وقد أطال الغيبة فيها، ما يدل على أن الأوضاع آنذاك في الصين كانت مشجعة على الاستقرار هناك، حتى أن ابنته فاطمة ولدت هناك.
ومن بين من وردت الصين في ذكر أخبار الأمم عندهم، العالم الكبير ومن يوصف بأديب العلماء أبي عبدالله بن زكريا بن محمود القزويني، المشهور بكتابه «عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات»، والذي بدأ افتتانه بالسفر والترحال إلى تلك العوالم النائية منذ صغره، فحين صحبه والده في رحلة طويلة لزيارة الموانئ المطلة على بحر الخرز في أواسط آسيا، انبهر الطفل بكل ذلك التنوع الثقافي وما تضمنه من غموض وسحر وخلبت لبه حكايات البحر، وبعد أن شب عن الطوق وحصّل قدراً من المعارف، شعر القزويني بميل إلى كتابة مؤلف يغاير ما توفر في زمنه من كتب، واستأذن والده في رحلة تستغرق عشر سنوات يسافر فيها من بغداد إلى تخوم الصين، ليؤلف كتابه المشار إليه آنفا بعد ذلك بزمن.
ومن أبرز من ساهموا في التعريف بالثقافة الصينية وبعادات أهلها، وما زالت رحلاتهم تدرس على نطاق واسع حتى الآن، الرحالة المشهور ابن بطوطة، وقد شرح ابن بطوطة في وصفه لرحلته أهم الأسباب التي دعت العديد ممن ذكرنا من العرب وغيرهم إلى الارتحال إلى الصين والاحتكاك بمجتمعها وشعبها فقال: «بلاد الصين أأمن البلاد، وأحسنها حالاً للمسافر، والإنسان يسافر فيها منفرداً مسيرة تسعة شهور، وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، ولهم في كل منزل ببلادهم فندق عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء، جاء الحاكم إلى الفندق، ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت فيه من المسلمين وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم، فإذا كان بعد الصبح، جاء ومعه كاتبه فدعا كل إنسان باسمه، وبعث معهم من يوصّلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكم المنزل الجديد، أن الجميع قد وصلوا إليه، وإن لم يفعل طالبه بهم، وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم».
ويذكر الباحث فيصل بن سويد في كتاب مهم له عن الموضوع بعنوان «الحضارة الصينية في التراث العربي»، أمثلة عديدة على تغلغل الاهتمام بالصين عند العرب والمسلمين، ويورد مجموعة من الأقوال تعزز ما ذهبنا إليه من بينها ما قاله ياقوت الحموي في وصف ملوك الصين: «هم ملوك الرعاية والسياسة واتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكثر رعاية وتفقّدا من ملك الصين لرعيّته وجنده وأعوانه».
وقول الراغب الأصفهاني: «أهل الصين أصحاب الأعمال، كالسبك والصياغة والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، والخرط والنحت والتصاوير، والخطّ والنسج ورفق الكف في كل ما تناولوه»، وقول الإمام السيوطي كذلك: «جُعِلت الصناعة عشرة أجزاء؛ فتسعة منها في الصين وواحد في سائر الناس».
ويورد ابن سويد قصة طريفة تبين إلى أي حد وصلت العلاقات والروابط بين الصينيين والعرب والمسلمين، فيحكي نقلا عن ابن عساكر القصة التالية: رأى رجلا صديقا له بالكوفة فقال له: من أين؟ قال: من بغداد، فقال: وإلى أين؟ قال: إلى الصين، قال: وما تصنع؟ قال: أزور إلفاً لي، قال له: بعيد! فأنشد يقول:
بعيد على كسلان أو ذي ملالة
فأما على المشتاق فهو قريب
وإجمالا يمكن القول إن كل ما سبق من إضاءات ثقافية، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أننا في عصرنا الحالي مقصرون في إدراك العمق التاريخي للروابط الثقافية التي ربطت العرب والدولة الإسلامية في عصورها الأولى بالصين وملوكها وشعوبها، وأن هذا الموضوع يحتاج لأن يفتح بشكل أعمق وببحث أكاديمي رصين.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً