محمد بن راشد.. شاعر ينير الدرب بمصباح الفيلسوف

محمد بن راشد.. شاعر ينير الدرب بمصباح الفيلسوف

محمد بن راشد.. شاعر ينير الدرب بمصباح الفيلسوف

نحن أمام قصيدة جديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله».. وهذه الجدة تظهر في نواحٍ عدة، أولاها ركون سموه، إلى الشعر، لمعرفته بأن هذا الجنس الأدبي، له ما له من قوة الحجة، وجزالة اللفظة، وحسن التعبير وجمال اللغة، وهذا يعني اعتباره – أي الشعر- واسطة العقد – للتعبير والتأمل في الكون والحياة، وهو ما يشير إليه مبتدأ قصيدة سموه (أطفئي النور بان وجه الصباح) التي تستدعي كثيرا من التأمل، وتحمل ما تحمل من بعد فكري وفلسفي، عدا عما تحمله من جمال العبارة، والصورة الباذخة بالسحر والجمال.

في البيتين السابقين، يخاطب سموه على عادة ما كان يجري في القصائد العربية الخالدة، نديمه أو صاحبه، لكي يطفئ نور السراج، لأن الصبح أوشك على البزوغ، وفي هذا استدراك لمهمة جليلة، تكشف عن جذوة الشعر وتوقده ولهيبه، في دلالة واضحة، عما كان يختلج وجدان الشاعر من أفكار وهواجس وهموم، هموم يعبر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقالب فني فلسفي واضح، باستدعائه لأسماء معروفة من القمم الخالدة في التراث الإنساني كأرسطو، وباستدعائه لمادة الحياة، وجذوة الحياة، بوصفها هبة من الله، على الإنسان أن يتفكر معانيها، وهو الهم الذي يوظفه سموه في قصيدته.يقول سموه:
هو باب فتحته فتمطّى                لوذعي في فنه الصداحولرجم الظنون كرٌّ وفرٌّ              في مقامَي غدوة والرواحوالتقى الحياة بالموت وصل                 واتصال بعالم الأشباحبين سيرورة الوجود وأنس              بالتعلات عن وجود مباح
من جهة أخرى، فثمة وجه الشعر المضيء، الذي يستند إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ليعبر عن فهمه للحياة، ومتناقضاتها، فثمة دائما ما بين اللونين الأبيض والأسود، وما بين الموت والحياة، وما بين كافة أشكال التضادات التي يعيشها الإنسان، باب يفضي إلى الحقيقة ونور الشمس، الذي لا يقبل أي تفسير رمادي، ثمة حياة ونور، وخير لا بد له من الانتصار على قوى الشر والظلام، وها هو الشعر في حضور بديهته وفصاحة لسانه، يصدح بصوته الأعلى والأنقى والأجمل، ليميط اللثام عن كافة أنواع وألوان الشك، وليعبر عن حقيقة ومعنى الوجود، وسر الوجود، حيث هناك دائما حرية للإنسان واختيار الإنسان، في ضوء ما يتمايز بين العقل والوجدان، وما بين الروح والجسد، للاستدلال عن منطق الأشياء وصواب البصيرة.
والسؤال الأهم كيف بدأنا                  بين كيف وبين كم صراحثم كيف الحس المفكر محض                   في انتقال مجرد وانزياحوصراع ما بين خير وشر                    بين نور وظلمة مستباحكن بهذا الوجود حراً طليقا                  عش وحلق به بغير جناح
لا شك، أن مهمة الشاعر، هنا مهمة عسيرة، وهو يفسر الأشياء، برمزية ترتكز على قوة الخيال والتخييل، ليعبر عن كنه الأشياء، من خلال قوة الصورة وعمق ما يحمله الرمز من دلالة، هكذا هي، قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.لنقرأ لسموه:
وتلخص حقائق الكون علما                في اتساق على جميع النواحيبين كونين: واضح وخفي                        وطريقين: مغلق ومباحصورة الشيء عند فهم أرسطو                           للهيولي جاء في الألواح
لغة الشعر بما تحمله من مجاز وتشبيهات، تقارب الأشياء، وتفتح كوة في غشاوة العتمة، وهو ما يضيف لتجربة سموه، حيث كل جديد شعري عنده، يقدم نافذة من الفكر والتأمل إلى جانب المتعة والفائدة، ويستمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في كتابة هذا اللون الشعري، ويقدم ما في جعبته من إيحاءات وتلميحات، ليقف على تخوم الواقع، هو يحاكي جملة من الأشياء، ويحاول أن يستدرج قراءه العرب وهم كثيرون، إلى مفاتيح قصيدته، وإذا تمعنا ما فيها من أشياء، نجدها تذكر مفردات عدة ذات دلالة كـ «الحرب والسلم» وقد سبق وأن نبه إلى ألغاز وأسرار الكون والوجود ومادة الحياة، لأنه يريد من القارئ أن يفتح بصيرته على حقيقة الواقع، الذي تتجاذبه الصراعات، وليكون على بينة من الحقيقة التي لا تقبل الشك، لأن السؤال وما يصحبه من شك منهجي سبيلنا إلى فهم الحياة، وفك شيفرات وألغاز الحياة، التي لا بد لها أن تنتصر للإنسان في نهاية المطاف، وهو بالضرورة انتصار لقيم الحق، والعدل، والتسامح، والمحبة، والتعايش، وهي مفردات نادت، ولا تزال تنادي بها كافة الشرائع والديانات، التي قهرت قوى الشر، وانتصرت لفطرة الإنسان وحقه بالحياة والحرية والكرامة المنشودة.وتستمر قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في نسج أعذب الكلام، لتقدم النموذج على الحكمة والمعرفة وبعد النظر، فها هي الإمارات، ما زالت تسطر الكثير من الأمثلة على التعايش والمحبة، وهي التي وقفت إلى جانب الأخ والجار، ونصرتهما بكل ما أوتيت من قوة وعزم، وبكل ما تمتلك من غال ونفيس، ليستمر تدفق النبض العربي، كما عهده تراث هذا البلد الأشم، مدفوعاً بروح المسؤولية والواجب، شامخاً لا يهاب أي قوة غاشمة، متصلاً بماضيه التليد، وبقوة ما يمتلك من روح وثابة، وعلم نافع ونهضة، صنعها بقوة إيمانه بمجد الإنسان وكرامة الإنسان، والتفاف الشعب مع القيادة، في صورة عظيمة من التلاحم والوحدة والبهاء والجمال.
كان سعياً منا إليهم حثيثاً          ما رعوه ونحن أهل السماحكم بذلنا ولم نقل كم بذلنا               من دماء ونصرة وكفاحما خشينا فدح الهول يجري            لا ولا هزنا عسوف الرياحوبرزنا بكل شهم كريم             ووهبنا الغالي من الأرواحيا زمان كلجة البحر يبدو                  لك منا مهارة الملاحولنا النصر.. والصدارة دوماً                  في نهار يعج ّبالأفراح
جمالية البناء الشعري
تتعدد الموضوعات وتتنوع داخل قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، فنجده يبتدئ بمهاد فكري فلسفي عن حياة الإنسان ومعنى الوجود وصراع الخير والشر وحقائق الكون وأصله وجوهره وبنيته، ويختم بأبيات من الحكمة، وفي ثنايا كل ذلك يعرض موضوعات أخرى أو نصائح معينة أو غير ذلك.وهنا ندرك قيمة خاصة في شعر سموه، وندرك أنه شاعر مخضرم محنك، يعرف كيف يربط موضوعات أبياته ويجعلها متسقة متكاملة على رغم تنوعها، وهو كما يقال -بيت القصيد- لأن القصيدة إذا لم تأت متسقة في وحدة بنائية فقدت قيمتها الفنية والجمالية، لما يسببه ذلك من اختلاط وتدافع في ذهن المتلقي، الذي يقف عاجزاً عن استيعاب تصنيفاتها، ومتابعة تسلسلها، ولا يجد الرابط المنطقي للنظم بين موضوعاتها. لذا حين نرى هذا التنوع في الأفكار والمضامين والتوجهات قد أتى مبنياً بناءً واحداً متكاملاً متراصاً، يفضي بعضه إلى بعضه الآخر من دون إخلال بالمعنى أو تشتت، نعرف أي شاعر فذ نقرأ له، شاعر ينسج الرابطة المعنوية لقصيدته بحرفية وإتقان وتمهل وتفكر، ويدعمها برابطة لفظية تجمع إطار القصيدة العام من مقدمات ونتائج، مقدمات تهيّء الجو النفسي وربما تلينه، ثم تنتقل به من باب إلى باب ليقبل المتلقي على هذا التوافق الفني، بإعجاب وانبهار بقدرة الشاعر على الغوص في موضوعات الحياة.إن البناء الشعري للقصيدة يتألف من موضوعات متراصة، يقف بعضها على بعض ويسند بعضها بعضاً، لتقيم بنياناً شامخاً فيه حسن سبك وصياغة، وترتب موضوعات عديدة فرضتها ثقافة الشاعر، الذي نجده موغلاً في بحر الفلسفة وأمواجه الفكرية المتلاطمة والصعبة، فيهونها ويبسطها ويضعها أمام القارئ بسلاسة، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة واقع مجتمعه وقضاياه، ويعبر عنها وعن اتصاله المباشر بها، وحتى عن فخره واعتزازه بما قدمته هذه الأمة في ماضيها وحاضرها، وهو في ذلك ينطلق من ذاته ليعبر عن مشاعر عامة وأحوال اجتماعية سائدة في المجتمع، كما أنه يطوع أحداثاً وقصصاً تاريخية ليطرح عبرها حكمة وموعظة للقارئ.ميزة أخرى نقف عندها في شعر سموه، تتمثل في أنه يصل بين قصيدة وأخرى كتبها سابقاً، محاولاً إبداع مجموعة من الأشعار المتسلسلة، والتي تحمل بشكل عام وحدة موضوعية أو تبحث في قضية محددة، وقد جاءت هذه القصيدة امتداداً لقصيدته السابقة التي عنونها «عن المسؤول»، وما يربط هاتين القصيدتين بشكل واضح هو التأمل الفلسفي والبحث الحثيث في قضايا الوجود الإنساني ومعانيه الجوهرية، فالشاعر يبحث فيما حوله من مظاهر طبيعية، ويشتغل بها، ويقف من كل هذا العالم -الصامت الناطق- أمامه متأملاً متفكراً، متغنياً بجماله تارة محاوراً له تارة أخرى، عبر أبيات واضحة في مسلكها، فيها روعة وجمال، وإتقان في الصنعة والاشتغال الشعري.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً