«التنمر في المدارس» يشيع الفوضى ويعرقل بناء الأجيال

«التنمر في المدارس» يشيع الفوضى ويعرقل بناء الأجيال

أكد عدد من التربويين والمعلمين وعلماء النفس وأولياء الأمور، أن «التنمر في المدارس»، إشكالية كبيرة تشيع الفوضى في المجتمع المدرسي، وتعرقل عملية التعليم والتعلم، وبناء الأجيال، وتؤثر على الطالب سيكولوجيا وتربوياً. وقالوا ل «الخليج» إن الإحصائيات الأخيرة حول ظاهرة التنمر، مخيفة تدعو المجتمعات المدرسية إلى وقفة جادة للقضاء على تلك الآفة القاتلة، التي تهدد أمن وسلامة الطلبة والميدان التربوي بفئاته كافة، لاسيما أنها تنعكس سلباً على المخرجات التعليمية، وتؤثر في تحقيق الأهداف المنشودة لبناء أجيال المستقبل.أظهرت تقديرات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» الصادرة في العام 2017، أن من بين أكثر من مليار طفل في المدارس حول العالم يتعرض ما يقارب الربع منهم، ما يعادل 250 مليون طفل «للتنمر والعنف المدرسي، كما تُشير دراسات أمريكية أن ثمانية من طلاب المدارس الثانوية، يغيبون يوماً واحداً في الأسبوع من المدرسة خوفا من التنمر، الأمر الذي يعكس خطورة تلك الظاهرة على المجتمعات المدرسية.في وقت سجلت حملة الأسبوع الوطني للوقاية من التنمر، التي جاءت تحت رعاية كريمة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، حضوراً لافتا بين أروقة الميدان التربوي، إذ التقى حولها المجتمع المدرسي بمختلف عناصره، في محاولة لانتزاع تلك الظاهرة من مجتمعات العلم في الإمارات.ورصدت «الخليج» جوانب من الحملة وتفاعل الميدان التربوي معها، حيث التقت عددا من التربويين والأخصائيين النفسيين والمعلمين وأولياء الأمور، للوقوف على مدى أهمية التصدي لتلك الظاهرة، وكيفية التخلص منها في مجتمعات العلم والمعرفة.
منهجية جديدة
البداية كانت مع مروان أحمد الصوالح، وكيل وزارة التربية والتعليم للشؤون الأكاديمية، حيث يرى أن الحملة تشكل منهجية جديدة لمحاربة ظاهرة التنمر في المدارس في المرحلة المقبلة، لاسيما أن تلك الظاهرة تؤذي أبناءنا الطلبة نفسياً وجسدياً وتربوياً، مؤكداً أنها نشأت في الغرب وبدأت تغزو مجتمعات العلم العربية بفعل تأثيرات العولمة، مشيراً إلى أن التنمر الإلكتروني من أخطر أنواع التنمر لاختباء المتنمر خلف شاشة الحاسوب وقيامه ببث مختلف أنواع الإساءة والمضايقة من خلال نشر صور وفيديوهات لمواقف تحدث في المدارس ومن ثم يتم إعادة نشرها بشكل واسع من خلال المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يمس بالشخص المستهدف وعائلته ويصيبه بالاكتئاب والإحباط وحتى الانتحار.وحول سبل التعامل مع الظاهرة، حدد الصوالح 3 مسارات أساسية، تتمثل في المدرسة، التي ينبغي أن تطبق مبدأ العدالة بين الطلبة وتضع برامج علاجية ووقائية لتلك الظاهرة، والثاني يركز على دور الأسرة التي تلعب دوراً مهماً في تقويم سلوكيات الإيماء، أما الثالث فيهدف إلى توفير العلاج النفسي لكل من المتنمر والمتنمر عليه، لبناء شخصيات مسالمة، تتقبل الآخر وتعزز مفاهيم الحب والمودة والاحترام.
سلوكيات غير مرغوبة
من جانبهم أكد التربويون والمعلمون، الدكتور كمال فرحات وإبراهيم القباني وخلود فهمي وريبال غسان العطا، أهمية حملة الأسبوع الوطني للوقاية من التنمر في المجتمع المدرسي، إذ تشكل خطوة مهمة نحو نبذ السلوكيات غير المرغوبة في المدارس، التي لا تليق برسالة العلم والبيئة التعليمية، فضلا عن أهمية توعية الطلبة إلى خطورتها على المجتمع، وكيفية التعامل معها، الأمر الذي يسهم في تقويم سلوكيات الطلبة وبناء شخصياتهم وفق أطر علمية إيجابية سليمة.وأكدوا أن التنمر في المدارس المعاصرة ارتقى إلى مستويات غير مسبوقة، تجاوزت حد الاعتداء اللفظي والجسدي على المعلمين من طرف الطلاب و أولياء أمورهم في بعض المجتمعات، إذ اندثرت حدود الاحترام بين الطالب ومعلمه، مما أدى إلى تراجع هيبة المعلمين، موضحين أن التدريس بالطرق التقليدية التي تعتمد مركزية المعلم كمصدر وحيد للمعرفة تؤدي إلى اعتماد الطالب على العنف والإقصاء كمنهج لحل المشكلات داخل الفصل، مما يسهم في خلق بيئة مناسبة لنمو ظاهرة التنمر.وقالوا إن التنمر من القضايا الخطيرة التي تهدد أمن واستقرار العملية التعليمية، فضلاً عن تأثيرها السلبي على المخرجات وجودة التعليم، لاسيما أنها تتجاوز حدود المدرسة لتصل إلى البيت والأماكن العامة، الأمر الذي يؤكد تأثيرها السلبي على المجتمع داخليا وخارجيا، بالإضافة إلى أن آثارها السلبية تبقى في ذاكرة الطفل، وتؤثر في صحته النفسية على المدى البعيد.
نقطة انطلاقة
وفي وقفة مع أولياء الأمور «إيهاب زيادة ومحمد طه ومحمد علي ومنى الأحمدي»، أكدوا أن الحملة تشكل نقطة انطلاقة جديدة للتصدي إلى السلوكيات السلبية لدى بعض الطلبة، لا سيما أن الحملة توضح ماهية التنمر وأسبابه وسبل العلاج، والأهم أن المجتمع المدرسي بفئاته كافة، تفاعل معها للوصول إلى مسارات فاعلة في مواجهة ظاهرة التنمر وبتر جذورها من مجتمعات العلم والمعرفة.وقالوا إن الأسرة يقع على عاتقها دور كبير في تقويم سلوكيات الأبناء، والتعاون مع المدرسة والجهات المعنية، لبناء شخصيات الأبناء، والنهوض بهم والارتقاء بمستوى تفكيرهم، مما ينعكس عليهم إيجابيا في المستقبل، مؤكدين أن ظاهرة التنمر وإن كانت موجودة في المجتمع المدرسي ولو بنسبة ضئيلة، إلا أنها دخيلة ولا تليق بعاداتنا وتقاليدنا، وينبغي التصدي لها واقتلاع جذورها.
صورة متكررةمن جانبها شرحت الأخصائية النفسية ريهام فاروق، التنمر المدرسي بأنه أفعال سلبية متعمدة من جانب طالب أو أكثر لإلحاق الأذى بآخر، تتم بصورة متكررة وتشمل «التهديد، التوبيخ، الإغاظة والشتائم، والضرب والدفع والركل» وممكن أن نراها في التكشير بالوجه أو الإشارات غير اللائقة، بقصد وتعمد عزله من المجموعة أو رفض الاستجابة لرغبته.وحددت 4 أسباب للتنمر «سيكولوجية وأسرية ومجتمعية والإعلام والثورة التقنية»، إذ ترى أن انتشار ظاهرة التنمر تكمن في التغيّرات التي حدثت في المجتمعات الإنسانية، و المرتبطة أساسا بظهور العنف والتمييز بكل أنواعه، واختلال العلاقات الأسرية في المجتمع، وتأثير الإعلام على المراهقين في المراحل المتوسطة والثانوية، وعدم قدرة أهل الطلبة المتُنمّرين على ضبط سلوكاتهم، موضحة أن المتنمرين، ذوي الشخصيات القوية «السيكوباثية» المضادة للمجتمع، يشكلون خطورة على المجتمع وليس على المدرسة وزملائهم فقط، حيث تكمن خطورة هذا النوع في إمكانية تحوله خارج المدرسة إلى مشروع مجرم يهدد استقرار المجتمع، إذ يؤسس المتنمرون غالباً عصابات إجرامية أو ينضمون إلى عصابات إجرامية قائمة.ولخصت فاروق علاج الظاهرة في «العلاج الأسري والمدرسي والمجتمعي»، مؤكدة أن أولى خطوات علاج المشكلة تكمن في الاعتراف بوجودها، ليتم بعد ذلك مرحلة التشخيص للوقوف على حجم هذه الظاهرة في مدارسنا، وتحديد المستويات الدراسية التي تنتشر فيها أكثر من غيرها، ومعرفة الأسباب التي تؤدي إلى انتشار التنمر، عندئذ يمكننا أن نعمل على إيجاد برامج علاجية ووقائية تناسب كل حالة، لا سيما أن الوقاية من التنمر في المدارس أحد برامج الخطة الجديدة ل«اليونيسيف» في المنطقة للمرحلة: 2014-2017، والهدف الرئيسي لهذا البرنامج هو الوصول لمدارس خالية من التنمر لضمان بيئةٍ آمنةٍ للأطفال.
توفير معلومات دقيقة حول التنمر
أكد حسين بن إبراهيم الحمادي وزير التربية والتعليم، أهمية توفير معلومات دقيقة حول التنمر في البيئة المدرسية للحصول على فكرة واضحة حول مدى شيوعه في مدارسنا، والتمكن من تزويد صناع القرار التربوي بالبيانات التي تساعدهم في اتخاذ القرارات الصائبة في هذا الشأن، بهدف ترسيخ مفاهيم تربوية سليمة تليق بجيل المدرسة الإماراتية، موضحاً ضرورة تكاتف الجهود المجتمعية والمؤسسية للقضاء عليها.
التنمر يؤثر سلبياً على أداء الطلاب
قالت جميلة سالم المهيري، وزيرة الدولة لشؤون التعليم العام، إن التنمر يؤثر بشكل سلبي على أداء الطلاب التعليمي، ونموهم العاطفي والعقلي، فعلى سبيل المثال غالباً ما يكون تكرار التنابز بالألقاب والشتائم والمضايقة والاعتداء الجسدي سبباً في زيادة التغيب بين هؤلاء الطلبة الذين يشعرون بالاستضعاف وعدم الأمان والإقصاء.أحمد بلهول: ترك مقاعد الدراسة
وأكد الدكتور أحمد بالهول الفلاسي وزير الدولة لشؤون التعليم العالي، أن ظاهرة التنمر قد تستمر بتأثيرها السلبي على الطالب في مرحلة الدراسة الجامعية، مما قد يدفعه إلى ترك مقاعد الدراسة أو الانزواء، باستمرار وقد يخلق منه في بعض الأحيان شخصية متنمرة تحاول بدورها مضايقة من تصادفهم من ضعاف.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً