“الميديا” والخوف من التغيير

“الميديا” والخوف من التغيير

لا خلاف على أن اللحظة الآنية للإعلام مختلفة ومتحولة ومستعصية لعدة أسباب، لكن يمكن اختصارها في جملة واحدة، وهي أن الإعلام بات في قبضة “السوشيال ميديا” ورأس المال والسوق، وهذه حقيقة لا يمكن أن نزيحها أو نفقدها أهميتها وثقلها في التأثير على المحتوى، نحن اليوم أمام قوة إعلامية حرة سريعة ومتنوعة ومتحولة وقوة شمولية آسرة للفضاء العام، لم يعد المصدر أحادي المنبت وبات أشد قرباً للأفراد من واقعهم المعاش. يقابل هذا وفي ذات اللحظة تحولات سياسية سريعة أيضاً، وتكتلات أيديولوجية تسعى جاهدة لفرض خطابها في محاولة تجيير المتغيرات الرقمية لمصلحتها.الحديث عن السيطرة بمفهومها التقليدي بات ضرباً من الخيال والمستحيل الذي يهدر المال والوقت والجهد. ولا أبالغ إنْ أضفت “العقول”، فالانقلاب الذي أنتجته قوى برامج الاتصال الرقمي في فترة وجيزة أفقد العمل الرقابي دوره، وهو عمل فاق تصور أعتى القوى الاستخباراتية في العالم، وصار أثقل وأعنف من أن تحتمله أكتاف الإنسان البسيط، لكن المفارقة أن الجميع أصبح طرفاً أساسياً في اللعبة، وطرفاً فاعلاً- إن أراد، وطرفاً مفعولاً به إن أراد- وله ذلك، وطرفاً محايداً إن امتلك القدرة على ذلك.في فضاء “السوشيال ميديا” تبدو عملية السيطرة أكثر صعوبة نتيجة امتلاكها سمات الحداثة ووجود الفرد كشريك في عملية إنتاج المحتوى، حيث بات بإمكان الأشخاص العاديين ممارسة الكتابة والنشر والإنتاج المرئي والمسموع والوصول بالمقابل إلى كل ما ينتج دون الحاجة إلى وسيط. لقد أصبح تأثير شبكات “السوشيال ميديا” أعمق وأشمل وأكثر حداثة وديمومة، وها نحن نقرأ ونشاهد كل يوم حروباً طاحنة بين فريق وآخر، وكلها تستهدف الفرد ذلك الإنسان البسيط، الذي ربما لا يزال تلميذاً في مدرسة أو شاباً في جامعة يبحث عن دور أو فتاة تبحث عن انتماء لجماعة تجعل لوجودها معنى مختلفاً. هذه الحرب الناعمة – كما يسميها البعض – هي حرب فكرية لا تستثني أحداً على الإطلاق.لا يمكن المساواة بطبيعة الحال في تأثير الإعلام الجديد على المجتمعات، بل لا يمكننا عمل ذلك حتى داخل المجتمع الواحد، فالتباين موجود نتيجة التفاوت في الوعي والتوجه والمشروع الفكري الذي يتبناه المستقبل للرسالة. وهي الفكرة التي يتبناها الفيلسوف الفرنسي “جان فرانسوا ليوتار”، حيث يطرح “أن البحث عن خلق التداولات الكلية بين أشخاص لا يعرفون بعضهم ويتحاورون حول قيم لتحقيق الوحدة الجماعية، وهْم كبير يصعب إنجازه، وأيضاً البحث عن الخصوصية والمشترك بين جماعة يعرفون بعضهم لتحقيق الوحدة الجماعية بعيداً عن تأثير الإعلام، وهْم آخر، فالعزل هنا يعني الانطواء على الذات الجماعية”.وسيظل هذا الصراع أو التنازع، كما يسميه “ليوتار”، قائماً بشرط أن تتمتع كلتا وجهتي النظر بالحق في التعبير عن الرأي دون وجود سلطة عليا. ويتضح لنا من هذا الطرح ضرورة استحضار التعددية الفكرية والحريات الفردية والعامة، كشرط جوهري لتحقيق التفاعل بندية، ودون وصاية مع معطيات الإعلام الجديد. لكن ماذا عن مجتمعات تشبهنا، مجتمعات ذات سمة جماعية مشروطة وتتسم بالمحافظة والتقليدية الصلدة، وفي السياق ذاته تتسم بالحداثة والانفتاح والتمدن وفق معايير الدول المتحضرة! كيف يمكن خلق التوازن أو ضبط المعادلة؟ إن وجود الحداثة الرقمية في جلباب التقليدية مسألة شائكة وبحاجة إلى الحفر في طبقات أكثر عمقاً، مما هو قائم، فإذا كانت التقنية الرقمية في حالة تحول دائم، فإن استراتيجيات الدول في المجتمعات التقليدية ستبقى في تحول دائم أيضاً، مما يعني بقاءها في حالة من التحول والتغيير لتطوير الاستراتيجيات بهدف المواكبة، مما يعني عدم الوصول لحالة الثبات التي يمكن البناء عليها، حتى تتحول هذه المجتمعات من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل.في ضوء ما سبق، وبعد أن تم تجاوز نمط الملْكية الكلاسيكي للإعلام، وبعد أن سكنت الفكرة وما وراءها في قبضة “المواطن”، فلا بد من القبول بفكرة التغيير وعدم الخوف منها. إن الخوف من التغيير هو بمثابة الحركة داخل دائرة مغلقة، إن الحراك والدوران حول نقطة ثابتة هو عملية تحصين مستمر دون المجازفة في الاقتراب من تغيير التفاصيل، كما لو أننا نلعب “البازل” نفككها، ثم نعيد ترتيبها لتعطينا نفس الشكل أو الصورة، بمعنى أن الناتج الأخير ثابت رغم أن الوضع متحرك، نحن بحاجة للتغيير في التفاصيل وإعادة تركيبها لنجد أنفسنا أمام مشهد جديد ومتجدد.كثيرة جداً المفاهيم والقيم والمواقف التي تطرحها علينا مستجدات “الإعلام الاجتماعي”، وكم نحن بحاجة إلى تفكيكها وتحليلها وتقييمها، والأهم أن نمتلك مقومات القدرة على نقدها إذا كان في محتواها ما يستوجب النقد، ولا أعتقد أن العمل بصيغة التكتلات الكلية هو الصيغة الأنسب لفعل ذلك، لأننا في التفكير الجمعي للمجتمعات التقليدية سنصطدم بمعضلة تغيير “النسق العام”، وهذا ما تحاول المجتمعات تجنبه وعدم المساس به والتغيير في مكوناته، خوفاً على المشترك وعلى الوحدة الكلية للكيان الاجتماعي، ولأن الأفراد عادة ما يخافون التغيير في بنيتهم الاجتماعية، وفي عاداتهم وتقاليدهم بغض النظر عن مدى صحتها من عدمها.النسق وفق تعريف المفكر السعودي “عبدالله الغذامي”، هو “الفكرة حين تترسخ وتكون أقوى من العقل، هي المعنى المترسخ فينا وإن كنّا ندعي أنها ليست فينا (مثال: البنت أفضل من الولد، تفضيل عِرق على آخر، ثقافة العيب، بعض الأعراف الاجتماعية… إلخ)، ولها القدرة على إضمار نفسها والتخفي تحت صيغ مضمرة تفتك برؤانا، وليس لنا القدرة على نسفها أو تعريفها من باب تسمية المرض باسمه كما يفعل الطبيب”.إن التناقض أو الازدواجية التي تحكم علاقتنا بأنفسنا أولاً، وبالعالم من حولنا ثانياً، مسألة مربكة لأبعد حد، هناك ضبابية إن شئتم أو”عتمة” تجعلنا في حالة استنفار دائم لميكانزمات دفاعية نطلقها حين يقترب التغيير من الثابت والراسخ ومن مفاهيمنا القديمة، والتي توارثناها دون غربلة تتوافق ومستجدات الأحداث، وهنا يبرز لنا السؤال الأهم والأعمق: كيف يمكن التخلص من «ثقافة الخوف» من الآخر ومن الجديد ومن المستحدث؟علينا قبول فكرة التغيير في الكثير من المفاهيم التي تحكمنا من قرون مضت، مع العمل على التحصين الفكري وتعزيز القدرات الفردية والتفكير الناقد دون وصاية، “قوة الذات” هي المهمة الرئيسية التي يجب العمل عليها والتركيز على استقلاليتها الفكرية وقوة بنيتها ومرجعيتها الثقافية والعلمية، دون هدر الوقت والإمكانات في صناعة مصدّات وقائية واهية، معتقدين بأنها تجنب الفرد الإصابة بما يمكن تسميته مجازاً بمرض فكر الآخر.وجود ذات قادرة على التفكيك والتحليل والتفسير بحرية غير مشروطة، هي الصيغة الإنسانية التي يجب العمل عليها. إن بعث تلك “الذات” الجديدة والشابة بطموحاتها الخارجة على النص التقليدي الذي عشعش في أذهان الأجيال لفترة ليست بالقصيرة، هي الممر الصحيح للتنوير وللوعي الذي ينقذ صاحبه، ويخلق نوعاً من المقاومة الصلدة لمعطيات التواتر الكمي والنوعي للإعلام الجديد، دون القلق على مكونات الاستقرار الاجتماعي والهوية الوطنية.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً