خلفان الرومي.. عامان على رحيل «الرجل الوفي»

خلفان الرومي.. عامان على رحيل «الرجل الوفي»

في خضم الاحتفال بمنتدى الإعلام العربي في دورته السابعة عشرة، والفائزين بجائزة الصحافة العربية، تحل الذكرى الثانية لرحيل المربي الفاضل، والسياسي الحكيم، و»الرجل الوفي»، خلفان بن محمد الرومي، في السادس من إبريل/‏‏ نيسان 2016.عامان مرّا على الرحيل، مرّا كما لو كانا «بعض يوم» في حضور أعماله، وإنجازاته، وعطاءاته، فمثله لا يمكن أن يغيب، فهو رجل بقي يقدم للوطن بكل ما فيه حتى ساعة الرحيل. وبدأ عطاؤه منذ أن كان شاهداً ومساهماً في عصر التأسيس، حيث أتاحت له الظروف وشاءت له المقادير، فساهم إسهاماً جاداً ونافعاً في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، والانضمام لجامعة الدول العربية، وكان من أجدر من قاموا بتلك المهمة، واستمر الراحل في العطاء إلى أن غادرت روحه الطيبة عالمنا.ولد خلفان بن محمد بن خلفان الرومي في 5 يناير/‏ ‏‏‏كانون الثاني 1946، في إمارة الشارقة، وحصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة بغداد، ويأتي الراحل في مقدمة حملة الشهادات الأكاديمية الذين تلقوا تعليمهم ضمن أوائل البعثات التعليمية الذين أوفدوا إلى العراق سعياً لطلب العلم، وبعد عودته للإمارات عين مدرساً في مدرسة حطين عام 1968، ثم نائب مدير دائرة المعارف في الشارقة، ومسؤول تعليم الكبار.شارك الراحل في إضافة العديد من الإنجازات إلى وطنه الغالي، دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان أول بطولة له «التأسيس»، حيث شارك في أعمال اللجان الاتحادية التي كانت تُعد القوانين والأنظمة لقيام دولة الإمارات، وكان عضواً في بعض الوفود التي أرسلت لشرح وإطلاع بعض الدول على قيام دولة الاتحاد «قطر، البحرين، الكويت، العراق، سوريا، الأردن، لبنان»، وعضو الوفد للانضمام لجامعة الدول العربية، ومناقشة قضية الجزر المحتلة، وعضو لجنة إعداد مشروع الدستور الدائم، وعضو لجنة شؤون الموظفين في الدولة، وعضو لجنة التشريعات، وعضو لجان مختلفة لمناقشة كثير من القضايا، وشارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وترأس عدة وفود رسمية لدى المنظمات العالمية والعربية، والدول الأخرى، وعضو مجلس الأمناء لكليات التقنية العليا، ونائب رئيس اتحاد مصارف الإمارات، وعضو لجنة الموارد البشرية في القطاع المالي والمصرفي، وعضو اللجنة العليا للانتخابات للمجلس الوطني الاتحادي، الدورتين الأولى والثانية، وكان الراحل رئيس، ونائب رئيس، وعضو بنوك عدة، منها: بنك الشارقة الوطني، بنك الخليج الأول، وبنك الاستثمار، ورئيس مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية.
جائزة الصحافة العربية
كان للراحل باع طويل في خدمة الوطن في مجالات عدة، ومن خلال مناصب مختلفة، وكان آخر هذه المناصب رئاسة مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، وكان من المواكبين لتأسيس الجائزة في دبي منذ اللحظات الأولى، ولديه العديد من المقترحات التي ساهمت في تطويرها.ومنذ انطلاق الجائزة في العام 1999، شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، وفي التشكيل الثاني ترأس مجلس إدارة الجائزة، واستمر في ذلك المنصب حتى انتقل إلى جوار ربه.أنشئت جائزة الصحافة العربية في نوفمبر/‏ تشرين الثاني 1999 بمبادرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بهدف المساهمة في تطوير الصحافة العربية، والمساهمة في تعزيز مسيرتها ومن خلال تكريم المتفوقين والمتميزين منهم.وتعاقب على لجان التحكيم منذ إطلاق دورتها الأولى في عام 1999 أكثر من 600 محكم من مختلف أرجاء الوطن العربي.وكان آخر تشكيل للمجلس في سبتمبر/‏‏‏‏ أيلول 2013 حيث أعلنت الأمانة العامة لجائزة الصحافة العربية تشكيل مجلس الإدارة الخامس للجائزة الذي تستمر ولايته ثلاث سنوات، وضم المجلس نخبة من القيادات الإعلامية والأكاديمية العربية.
شخصية فاعلة
وحول تكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، للفائزين، أعرب الراحل خلفان الرومي عن سعادته بتشريف سموه لحفل التكريم الذي نظمه المكتب الإعلامي لحكومة دبي، وكان مفاجأة سعيدة له، مشيداً برعاية سموه للجائزة، ومسيرتها الناجحة، وإنجازاتها في مجال الصحافة الوطنية المحلية والعربية. فبفضل توجيهات سموّه ورعايته، كان الإبداع والتميّز من أولويات وشروط الجائزة التي دأبت منذ تأسيسها على تكريم المبدعين المواطنين والعرب في الحقل الصحفي، فهي تنفرد في هذا الشأن، لأنها ثمرة رؤية مؤسسها وراعيها الذي يشجع الإبداع والمبدعين ويتبناهم من خلال مبادرات سموه الوطنية والعربية والإنسانية المتعددة، وبفضل نجاح الجائزة وتألقها ودورها المميز أصبحت محط آمال المبدعين المواطنين والعرب وباتوا يطمحون إلى الوصول إلى منصة التتويج والتكريم الذي تمنحه الجائزة لكل من له دور في خدمة الصحافة والقضايا الوطنية والعربية العادلة.واختتم منتدى الإعلام العربي دورته الخامسة عشرة، في 11 مايو/‏ ‏‏‏أيار 2016، بحفل تكريم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، للفائزين بجوائز الصحافة العربية، وخلال الحفل تم عرض فيلم قصير عن حياة الراحل خلفان الرومي، بصفته الرئيس السابق لمجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، وإحدى الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الحياة الثقافية والتعليمية والإعلامية في الإمارات، من خلال تقلده كثيراً من المناصب الوزارية، حيث كان من المواكبين لمسيرة التنمية في الإمارات، ومنذ تأسيس دولة الاتحاد.
رثاء.. سجله التاريخ
قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في رثاء خلفان الرومي: «نعت دولة الإمارات فقيد الوطن خلفان محمد الرومي، أحد رجال الوطن الأوفياء، وأحد رفقاء زايد وراشد في مسيرة البناء».وأضاف: «خلفان محمد الرومي أعطى للوطن سنوات طويلة من حياته، ومن عطائه، وطاقته، واجتهاده، وأورث حب الوطن وخدمته لأبنائه، نسأل الله أن يتقبله في الصالحين».وقال سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي: نعت دولة الإمارات رجلاً من رجالها الأوفياء، الوالد خلفان محمد الرومي، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.وأضاف سموه: الوالد خلفان محمد الرومي أحب أرض وطنه فأحبته، وسار مع الرعيل الأول في مسيرة البناء والتطوير. نسأل الله المغفرة له، والصبر والسلوان لأسرته.ووجه سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، كلمة في تأبين المغفور له خلفان محمد الرومي وزير الإعلام والثقافة السابق جاء فيها:«معلمي خلفان الرومي.. عندما بدأتُ عملي في وزارة الإعلام والثقافة في التسعينات كنتُ كأي شاب متحمس ومندفع للعمل.. كُنتُ أظنني قادراً على تغيير العالم كأي فتى مقبل على الحياة.. إلا أنني كنتُ محظوظاً بمدير عاقل خبر الحياة كثيراً لم يُكسّر طموحاتي على صخرة الواقع، بل تبنّى ذلك الحماس واحتواه، بحكمة الأب، وبخبرة المعلم الذي يتمنى أن يصبح تلامذته ناجحين في حياتهم..لم تكن عندي خبرة في العمل حينها فكان أبو فيصل هو المعلم الذي استفدتُ من معرفته كثيراً، والموجه الذي كان يُصحح أخطائي بابتسامة وكلمات مُشجّعة.
حب وإخلاص
أحب الفقيد خلفان الرومي، الوالد المؤسس المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد حباً كبيراً، وعاش مخلصاً له، ولطالما عبر عن هذا الحب بكلمات مؤثرة، فقال عنه في ذكرى رحيله الـ11: تحل هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة لرحيل المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وطيب ثراه، فتعود الذكريات يقظة حية لتثير مشاعر الحنين للراحل الكبير الذي سيظل أبد الدهر ساكناً في القلوب، والعقول، والذي ما ترك خيراً في حياته إلاّ وقدّمه، ليبقى شاهداً على حجم رأفته، وحنوّه، وعطفه، ومواقفه التي أثرت في العالمين العربي والإسلامي، وخلدت أثره الطيب إلى قيام الساعة.وعندما تحل الذكرى السنوية للراحل الكبير، رحمه الله، يمر أمام الأعين شريط طويل ممتد من مسيرة خطها الشيخ زايد منذ سعى جاهداً في إقامة الاتحاد، وتوحيد إمارات الدولة تحت مظلة واحدة، فجاءت قوية، شامخة، عالية القامة، تدلل على مكانة الراحل، وقدرته.وتبين سعيه منذ البداية للمساهمة في إرساء أسس اتحاد صلب، ولو لم تكن هذه الإرادة الفولاذية وراء هدف توحيد البلاد لما تحقق، فالوضع كان صعباً من جميع الجوانب، الداخلية والخارجية، لكن الإرادة الصلبة للرجل الصلب انتصرت في النهاية، وأنتجت تجربة من أنجح التجارب الوحدوية على مستوى العالم.فيما امتدت أعماله الطيبة لأبناء الدولة، وفتح مجالسه أمام الجميع، من دون تفريق، أو تمييز، فكرّس قيم المساواة، والعزة، وتوحيد البيت الداخلي تحت راية الكل في واحد، فقد كان يرى أن مواطني الدولة كأبنائه، ولا فرق بينهم وبين أسرته الصغيرة، كان، رحمه الله، يصغي للجميع، ويطلع على أحوال الناس بنفسه، ويتابع مشروعات البناء والتأسيس في كل مكان.
أخوّة صادقة
أخوّة صادقة جمعت بين الفقيدين د. عبدالله عمران تريم، وخلفان الرومي، منذ أن التقيا، حتى أن فرقهما الموت، فلطالما سكن في قلب الراحل د. عبدالله عمران تريم خوفه على رفيق دربه خلفان محمد الرومي، وكان دائم القلق عليه عندما تناهى إلى مسامعه قبل سنوات عدة مرض صديقه، فكان لا يخلو مجلس للراحل عبد الله عمران من الحديث المطول عن صديقه، ورفيقه، إلاّ أن مشيئة الله كانت أن يرحل عبد الله عمران بشكل مفاجئ، قبل صديقه الذي أحبه حباً جماً.وفي الحفل الذي أقيم لتكريم خلفان الرومي في 30 أكتوبر/‏ تشرين الأول 2013، حرص عبدالله عمران على تسجيل شهادة حق بحق صديقه فقال عنه: هذا الرجل مثال العطاء وأهل للمسؤولية والثقة.وأكد الراحل د.عبد الله عمران على الدور الكبير الذي لعبه صديقه خلفان الرومي في النهوض بالإعلام الإماراتي من خلال رئاسته لمجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، حيث أشاد بدور جائزة الصحافة العربية للنهوض بالإعلام والصحافة العربية وتسهيل دخوله متطلبات العصر الحديث، لقيامها بتشجيع الإبداع واحتضان المبدعين على امتداد الوطن العربي، وهذا ما لمسه الجميع من خلال أرقام الصحفيين، والإعلاميين الذين يتسابقون من أجل أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في رحابها.وقال: حرص خلفان الرومي خلال رئاسته لمجلس إدارة الجائزة على ترجمة رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من خلال الفعاليات والندوات والمنتديات التي نظمتها الجائزة من دون انقطاع.
مناصب تقلدها
تقلد الراحل خلفان بن محمد الرومي الكثير من المناصب نذكر منها وكيل وزارة التربية، فقد انضم الفقيد لأعضاء الهيئة التي كلفت بزيارة الدول الخليجية، والعراق وسوريا والأردن ولبنان، قبل أشهر قليلة من قيام اتحاد الإمارات، بعد أن اختاره المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد، لنقل وجهة نظره في ما يتعلق بمجريات الأمور، وإبلاغ هذه الدول بمشروع قيام الدولة.وانتدب خلفان الرومي إلى جامعة الدول العربية التي قررت مناقشة قضية جزر الإمارات التي احتلتها إيران قبل قيام الدولة بأيام قلائل، وتولى عدداً من أجهزة الدولة وتسلم مناصب عالية، فخدم الإمارات بإخلاص وتفانٍ منذ أول منصب تولاه بعد قيام دولة الاتحاد، وكرّس حياته في المثابرة والكفاح كنموذج رائع للتفاني والإخلاص.وكان منصب وكيل وزارة التربية والتعليم هو المنصب الأول الذي بدأ به حياته المهنية، إبان تولي الراحل الدكتور عبدالله عمران تريم وزارة التربية، بعد التشكيل الثاني في عام 1973م، وتولى منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية عام 1983 وحتى 1990، وفي التشكيل الوزاري الثالث، كان خلفان الرومي وزيراً للصحة عام 1977، ثم تولى حقيبة الإعلام والثقافة الوزارية في التشكيل الوزاري الخامس عام 1990م.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً