أبوظبي: عن “باخ” الذي جعلت موسيقاه الفيلسوف “سيوران” يوشك على الإيمان

أبوظبي: عن “باخ” الذي جعلت موسيقاه الفيلسوف “سيوران” يوشك على الإيمان

قال الفيلسوف الروماني الكبير، إميل سيوران: “أنا عدمي، لكن حين أستمع موسيقى باخ، أؤمن بالله”. وبينما أحيا حفل “مشروع باخ”، ليلة أمس الأربعاء، ستة من عازفي البيانو ضمن سلسلة مهرجان أبوظبي 2018، تذكر الكثيرون عبارات سيوران تلك، والتي ثمنت الموسيقي العظيم يوهان سباستيان باخ، فتح الباب للنقاش حول سمو الفنون بالروح، ومواطن الغرابة والتأثير الكبير الذي تحققه الموسيقى في المتلقي.وقدم الموسيقيون في المسرح الأحمر بمركز الفنون بجامعة نيويورك – أبوظبي، عرضاً موسيقياً لأعمال الكونشيرتو لباخ لاثنتين وثلاث وأربع آلات بيانو.يستحيل وصفهويقول قائد الأوركسترا فرانك ريلي : “من المستحيل أن تجد باخ يؤلف مقطوعة موسيقية لا تتسم التفرد والسحر، فرغم أنه استخدم الأدوات التي توفرت نفسها للجميع في زمنه، إلا أنها منه خرجت بشكل لا يصدق، بمستوى إبداع رفيع إلى حد يستحيل وصفه”.ويضيف ريلي: “موسيقى باخ تخترق الروح وترتفع بها، أحياناً أشعر بها تعيد صياغة وتعبير ما هو موجود في العمق الإنساني، وهي موسيقى مقاومة، صلبة، فمثلاً موزارت وشوبان قدموا موسيقى رائعة وهشة، قد تدمرها آلات موسيقية معينة، أما بالنسبة لباخ، فيا لتلك الصلابة والقوة في موسيقاه!، إنها تدق طريقها وتسمح لنفسها بالحضور كما يجب على أي آلة موسيقية، حديثة أو قديمة”.الطوطم.. النور.. القتامةويقول المؤلف والمعلم الموسيقي لوي لورتي : “هذا المشروع مهم جداً، لأن باخ يعد المؤلف الموسيقي الطوطم للجميع حول العالم، لأسباب كثيرة، كونه العبقري المتفق عليه في تاريخ أوروبا الموسيقي والفني والإنساني، وربما أيضاً برأيي لأن أعماله العظيمة تمزج في القلب الإيمان ودفء الوجود رغم كل ما قد يعترك في عقل الإنسان، وهذا ما دفع سيوران لحد أن يقول كيف بعثت هذه الموسيقى في روحه النور، وهو الفيلسوف العظيم الصارم في نظرته العدمية ورؤاه الشكوكية والقتامة العميقة، وأعتقد أن هذا بالفعل ما يمكن للفن أن يحققه”.ترويض وحوشويعد المشروع الموسيقي سابق الذكر تحدياً فريداً من نوعه في التأليف والأداء والإنجاز، حيث أن مقطوعات باخ تلك كتبت قبل مئات السنين، حيث كانت الآلات الموسيقية مختلفة تماماً، ويقول لورتي: “حين نتحدث عن بيتهوفن أو موزارت كانوا قريبين من اختراع البيانو أو بالقرب من تلك المرحلة حين تضرب مطرقة وتراً، لكن في زمن باخ كان المفهوم ينتزع الوتر بشكل ما، وهو مختلف تماماً، وبالنسبة لنا كفريق في هذا المشروع كان هذا تحدياً حقيقياً كترويض وحوش مدهشة، كيف تعزف باخ ضمن هذا المشروع اليوم، هذا السؤال الدائر حين تدربنا”.ويؤكد حدث كهذا على تلاقح الثقافات وتمازج الفن والفكر، وجدارة أن يعيش البشر في حوار على هذا المستوى من السمو، ويقول لورتي: “حاولنا في الوقت ذاته أن نكون مخلصين كما يجب لإرث باخ، ومذاق زمنه، قمنا الكثير من البحث والنقاش ومراجعة النظريات، وحاولنا الاتفاق معاً حيث لدينا اشخاص من حول العالم في المجموعة، وكل منا له خلفية ثقافية مختلفة تماً عن الآخر، إلا أننا اتحدنا لنخرج بنمط معاً”.لغز .. الماورائيات ويقول ريلي: “تأثرنا بوجودنا في الإمارات، وفكرة أنه ربما هناك من سيستمع لهذه الموسيقى الخلابة للمرة الأولى، وهذه مهمة كبيرة، وشعرنا بغبطة حقيقية”.ويضيف ريلي: “هذه زيارتنا الأولى لأبوظبي، وأنا منبهر للغاية بمشاركتي في المهرجان، ومشاركة الجميع موسيقى باخ، الأب الروحي للموسيقى الأوربية”.وبالعودة للحديث عن ما تثيره هذه المؤلفات الموسيقية الفريدة في الذات، يرى ريلي أن المميز فيها كونها تلمس الماورائيات، في العقل والقلب والروح أيضاً، ويقول: “لا تعرف ما لذي يؤثر فيك فعلاً ولماذا، حين تستمع للموسيقى التي تتحدث إليك، المسألة لماذا تحدث ذلك الأثر في نفسك وما كنه ذلك الشيء الذي تثيره فعلاً… هذا لغز عظيم برأيي، وحتى بالنسبة لي لا أستطيع تفسير كيف أجد هذه الموسيقى جميلة أو رائعة، لأنها ربما تحدث الروح مباشرة”.ويضيف: “نحن لا نعرف فعلاً كيف يستمع الآخر لنفس المقطوعة، فكل فرد منا يتلقاها بشكل مختلف وخاص ومتفرد، الأمر بمثابة لغز أيضاً”.ويقول لوي: “في هذه الموسيقى هناك شيء ما قريب من الكمال، وغيرها من الأعمال العظيمة بالطبعة، وبالفعل يتلقاها كل منا بوجه مغاير عن الآخر… الموسيقى والفنون والأدب، إنها ذات سحر غريب، يثير العجب قدرة العقل البشري على اجتراح إبداع بمثابة معجزة، خاصة ما يلمس منه روح الإنسان، وهذا يمثل أحد أهم وأعظم وأجمل أسرار الجنس البشري”.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً