نمط “التوثيق بدلاً من الإنشاء” في صناعة المحتوى الرقمي

نمط “التوثيق بدلاً من الإنشاء” في صناعة المحتوى الرقمي

صناعة المحتوى الرقمي أصبح حرفة يمكن لأي شخص القيام بها، أيضاً يمكن -في الكثير من الحالات- تحويلها من هواية وشغف إلى مصدر للرزق وكسب للمال، ولم يعد سؤال: هل يمكن لأي شخص أن يصبح صانع محتوى؟ مطروحاً في الساحة، لأن الإجابة عليها أصبحت سهلة، وهي (نعم).
نعم يمكن لأي شخص أن يصبح صانع محتوى رقمي، فالمحتوى لم يعد بالضرروة نصي، وليس من الضروري امتلاك مدونة شخصية واستضافة سنوية والإلمام ببعض الأمور التقنية، إن لم تكن قادراً على صياغة الجمل والعبارات بشكل جميل وأسلوب بليغ، فلا مشكلة أبداً، يمكن ببساطة أن تصور نفسك وأنت تعطي بعض التلميحات السريعة ثم تنشرها تباعاً في إنستقرام، وإن كان لديك الكثير لتقوله، فقم برفع الفيديوهات إلى اليوتيوب، هكذا بكل بساطة.
ليس من الصعب فتح حساب في أكبر منصة لاستضافة المحتوى المرئي (يوتيوب) كما لم يعد من الصعب امتلاك كاميرا رقمية في هذا العصر، في حقيقة الأمر تلك الكاميرات أصبحت مرافقة لنا دائماً ولا تفارق جيوبنا، إذاً الأدوات متوفرة ومتاحة بكل بساطة، يبقى هنالك الشيء الأساسي: المحتوى.
لنتعرف أولاً عن Gary Vee
(قاري فيي) هو أحد رواد الأعمال والعصاميين الذين ينشطون في شبكات التواصل الاجتماعي، فرغم أنه مشغول بشركته المتخصصة في الإعلام الجديد وبأنشطته المختلفة، إلا أنه لا يتوقف عن النشر اليومي في عدة منصات وشبكات اجتماعية أهمها اليوتيوب، لكن كيف يقوم بفعل ذلك كله ومن أين يجد الوقت للنشاط في الشبكات الاجتماعية؟
يركز “قاري” على صناعة المحتوى المرئي على وجه الخصوص، فقناته في اليوتيوب يضاف إليها فيديو جديد كل يوم، في حقيقة الأمر؛ هو لا يمسك الكاميرا بنفسه ويصور ثم يقوم بتحرير ومونتاج الفيديو كل يوم، بل يترك هذا لموظفين مختصين بذلك، أما هو فيركز على المحتوى نفسه.
لكن إنتاج المحتوى في حد ذاته أمر يتطلب وقت وجهد، يتطلب أن يقرر الشخص التفرغ لعدة ساعات كل يوم كي ينتج فيديو جديد أو يكتب مقالة أو يصمم بعض الصور لحسابه في الانستقرام، يحتاج الأمر للتفكير ثم البحث والاطلاع على المصادر ثم التحدث أمام الكاميرا بعد أن يكون جاهزاً للإدلاء بما لديه من معلومات أو تجارب وخبرات، لكن كل هذا لا يحدث فيما يخص “قاري” فهو يتبع أسلوب “التوثيق بدلاً من الإنشاء”.
Documentation vs. Creation
إحدى النصائح التي يكررها “قاري” هي أن توثق رحلتك بدلاً من أن تشغل نفسك بصناعة محتوى “رائع”، أو بعبارته الأصلية (Document. Don’t create)، وقد خصص لهذا الموضوع تدوينة مستقلة في موقعه وتحدث عن ذلك في عدة فيديوهات في قناته اليوتيوبية، وهو يطبق هذا المفهوم الذي ساعده في صناعة المحتوى الرقمي بشكل مكثف ونشره عبر الشبكة العنكبوتية، بالإضافة طبعاً لتفويضه بعض موضفيه لأداء بعض المهام التقنية أثناء صناعة المحتوى.
الفكرة ببساطة هي أن تحاول نقل تجاربك وخبراتك التي تحصل عليها أثناء رحلتك لبلوغ هدف معين، فأنت تشارك به الآخرين عبر مدونتك أو قناتك أو أي وسيلة رقمية أخرى، فليس من الضروري أن تصبح ذلك الشخص المتقن لتلك الصنعة أو المهارة حتى تبدأ بصناعة المحتوى وتنشره في فضاء العالم الرقمي.
طبعاً ليس المقصود هنا هو الإفتاء بما ليس لك به علم، أو نشر معلومات مغلوطة في مجال من المجالات، لكن القصد أن كل إنسان هو في نهاية المطاف طالب علم، لا يوجد حد أو نهاية للعلم، دائماً هنالك المزيد ليتم اكتسابه، وحينها يمكن لأي شخص أثناء رحلة صعودة أن يمسك كاميرته ويصور ويتحدث بأفضل ما لديه وما يتعلمه، أو يتحدث عن تلك التجارب الفاشلة التي حصلت له والتي تعلم منها الكثير.
بهذه الطريقة لن يكون من الضروري تخصيص وقت كبير في صناعة المحتوى، وخاصة عن صناعة المحتوى المرئي ونشره في اليوتيوب، فأنت تمضي في طريقك دون أن يؤثر النشر الرقمي على عملك الأساسي، لأنك توثق وتنشر بعض حياتك العملية أو المهنية، ومع الأيام والأشهر والسنوات ستلتفت إلى الخلف وتجد أنك قد تركت إرث كبير يمكن لأي شخص أن يستفيد منه بالمجان.
الحياة هي رحلة في حد ذاتها، نتعلم منها الدروس التي قد لا تجدها في أي كتاب، نخرج منها بحكمة، والحكمة أهم من العلم، الحكمة ترشد السالك في درب الحياة نحو النجاح والفلاح في الحياة وما بعد الحياة، هنالك دروس نتعلمها باستمرار في هذه الحياة، يمكن أن نشارك خلاصة وزبدة تلك الدروس في الفضاء الرقمي كي يستفيد منها من هو في بداية الطريق، فقد تكون سبباً لفلاحه ورشاده.
تطبيق عملي
هنالك أمثلة كثيرة يمكن تطبيقها عبر هذا النمط في النشر وصناعة المحتوى الرقمي، يمكن للطالب في الجامعة بعد أن يخطو سنة أو سنتين في تخصصه أن يبدأ في نشر وتبسيط بعض العلم المكتسب ليناسب للإنسان العادي الغير متخصص، وخاصة عندما يلامس تخصصه حياة الناس، سيكون لهذا الأمر عدة فوائد، ليس فقط في بناء جمهور مهتم بنفس المجال، وإنما تحفيز ذاتي للتعلم أكثر من أجل النشر بشكل أكبر.
يوجد أمثلة كثيرة في العالم العربي، أشخاص غير متفرغين لليوتيوب، لكنهم يصورون وينشرون فيديوهات أثناء اداء أعمالهم والقيام بمهامهم، يشاركون الآخرين بعض علمهم بشكل عملي، ومنهم المهندس عبدالغني الجند الذي ينشر في قناته محتوى يفيد مهندسي البناء منذ 4 سنوات حتى اليوم، والآن تعتبر قناته واحدة من المصادر العربية المميزة في هذا المجال.
يقوم “قاري فيي” بالمضي في حياته بشكل طبيعي، يتحدث مع الآخرين بشكل منفرد، وبشكل جماعي في مؤتمرات ومناسبات عديدة، ويتحدث أمام الكاميرا التي يحملها شخص موظف لديه يرافقه باستمرار، وفي نهاية اليوم، يتم استخراج فيديو واحد يحمل أفضل ما في ذلك اليوم، وينشره في قناته، وبالتالي هو يصنع المحتوى بدون أن يتفرغ لصناعته، يوثق ويسجل أثناء رحلته وتفاعله مع الآخرين في مجال تخصصه، ثم ينشر وينشر ويستمر في النشر.
في نهاية المطاف صناعة المحتوى الرقمي ليس سوى مشاركة في المعرفة والخبرة، صحيح أن هنالك كم كبير من المحتوى الذي يخرج عن هذا التعريف، المحتوى الذي يمكن وصفه بأنه “تافه” والذي للأسف يجذب الكثير من المشاهدين والمتابعين، لهذا السبب ولغيره من الأسباب، أصبح من الضرورة أن تنشر وتصنع المحتوى أنت كذلك إن كان لديك ما يستحق النشر، إن كان لديك ما يمكن أن يساهم في صناعة الوعي ونشر المعرفة بين شباب الأمة، فسلاح العلم والمعرفة هو سلاحنا الأول في معركتنا الحالية والقادمة.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً