روسيا وبريطانيا .. حرب باردة جديدة

روسيا وبريطانيا .. حرب باردة جديدة

آخر فصول الحرب العالمية الباردة الجديدة كانت محاولة اغتيال الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته في لندن بغاز أعصاب من نوع خطر يسمى “نوفيتشوك” اخترعته روسيا إبان الحرب العالمية الباردة، والعالم الروسي “فيل ميرزايانوف”، الذي قاد فريق الاختراع يعيش لاجئاً في أميركا، وقد قدم اعتذاراً شديداً عن اختراعه هذا بعد الحادثة. كان “ألفرد نوبل” مخترعاً كبيراً سجلت باسمه مئات الاختراعات، وكان من أهمها “الديناميت” وغيره من المواد القاتلة، نعته الصحافة الفرنسية بعد وفاة أخيه خطأً ووصفته بالقاتل ونحوها من التوصيفات القاسية، فقرأ نعيه بنفسه واهتم أكثر بسمعته بعد وفاته، فقرر إنشاء جائزة نوبل التي تعد اليوم واحدةً من أهم الجوائز العالمية بماله الخاص تكفيراً عن اختراعاته القاتلة.بعدما تجاوز التسعين من عمره ودون ثروةٍ يورثها مثل “نوبل”، قدم “ميرزايانوف” اعتذاره الشديد عن اختراع غاز “نوفيتشوك” الذي كاد أن يقتل “سكريبال” وابنته في بريطانيا، وبحسب ما نشره موقع “بي. بي. سي” العربي. فقد قال في اعتذاره: “لا أنا ولا أي من العلماء الذين عملوا في إنتاج هذا السم وإجراء التجارب عليه كان يتوقع أن يتم استعماله لأغراض إرهابية، إنه سلاح عسكري، سلاح دمار شامل”.جدل الأولويات مستمر، ونقاش المصالح دائم، وثمة جامع لا يمكن غض الطرف عنه وهو الحاضر الذي يتمّ فيه اتخاذ قرار الاهتمام، إن بالنسبة للعالم أو السياسي أو العسكري.انقسمت العلوم الإنسانية في اهتماماتها وتطلعاتها، ونحت باتجاه التخصصات الدقيقة التي تثمر نجاحاتٍ جزئيةٍ تصب في مجملها في صالح عامٍ للبشرية، ولكنها تحمل في الوقت ذاته تبعاتٍ أخلاقيةٍ تتعلق بالأثر المترتب عليها في الخير والشر على حد سواء، وانقسمت التوجهات السياسية والعلمية بين الغوص في الماضي وجعله نموذجاً وبين التطلع للمستقبل بوصفه محط أملٍ، وبالتالي أصبح الحاضر خطة عملٍ.بدأت إيران- بوعي وتصميم- حرباً إقليمية باردة منذ عقود، وقد أخذت في التصاعد بعدما كان يعرف بـ “الربيع العربي” المشؤوم، وكان التحذير من أن عدم مواجهة تلك الحرب الإقليمية الباردة سيجعلها تتطور باتجاه حربٍ عالميةٍ باردةٍ، وقد حدث ذلك بالفعل، مع أسبابٍ أخرى دون شكٍ، وما قضية اغتيال الجاسوس الروسي السابق في بريطانيا من قبل روسيا إلا مثال في هذا السياق.تشكلت سريعاً جبهة من الدول الغربية مساندة لبريطانيا في موقفها الحاد تجاه موسكو، بريطانيا وأميركا وألمانيا وفرنسا، وبدا واضحاً سعي موسكو الحثيث لإعادة خلق حرب عالمية باردة جديدة، فالتحالف مع كوريا الشمالية وإيران وضم جزيرة القرم والتدخل في أوكرانيا وبناء قواعد عسكرية في سوريا وزيادة استخدام الفيتو في مجلس الأمن كلها مؤشرات مهمة على هذه الرغبة الروسية.حروب الجاسوسية التقليدية في الاغتيال والتصفية مؤشر آخر، وحروب الوثائق وتسريباتها مثل ويكيليكس وغيرها هي نمط قديم تمّ تجديده، وعمليات القرصنة الإلكترونية والتأثير على انتخابات الدول وقراراتها هي أسلوب جديد، وكلها أخذت في الظهور في السنوات القليلة الماضية، زادت عليها موسكو استعراضها لأسلحةٍ جديدةٍ ومتطورةٍ تثبت عدم التزامها في السنوات الماضية بالاتفاقيات الدولية السابقة في هذا المجال.كان أكبر دوافع موسكو لاستعادة الحرب العالمية الباردة نزوعها كوارثة للاتحاد السوفييتي ورغبتها في العودة لاعباً دولياً نداً للغرب وبناء نظام دولي جديد ثنائي القطب، وكان أكبر مساعدٍ لها ولحلفائها في التمهيد لنجاحها في ذلك هي رؤية الإدارة الأميركية السابقة في الانسحاب من العالم و”الانعزالية” التي تبنتها.أخيراً، فمع وصول الرئيس القوي ترامب للرئاسة في أميركا، واستعادته لدور بلاده القيادي في العالم كان يفترض أن تجبر الآخرين على إعادة حساباتهم، وسيناريوهات المستقبل مفتوحة.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً