قصيدة محمد بن راشد الجديدة تدعو للتأمل في الكون

قصيدة محمد بن راشد الجديدة تدعو للتأمل في الكون

نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، قصيدة جديدة،بعنوان «عن المسؤول» فيها نزوع واضح نحو التفكير والتأمل، والقصد منها حث الإنسان على إمعان النظر في العالم، وتبصر مشكلاته، ورسم حدود فاصلة بين المجرد وغير المجرد، وبين المحسوس واللامحسوس، وتلك الفكرة المجردة التي تحفز البشر على اكتشاف آفاق القوة الروحية، التي هي سبب الخلق وسبب الحياة، وهي أيضا من تنظم الكون، وترسم حدود العلاقة بين مختلف الكائنات بميزان دقيق، لا يبصره إلا عاقل، ولا يتوه عنه إلا مضطرب، وجاهل، بل غافل عن حكمة الكون، وأصل الموجودات، وسبب الوجود، ومآلات الإنسان في هذا الكون الشاسع.واضح من البيت الأول إلى آخر القصيدة التي تتألف من أحد عشر بيتا، أن أبياتها تتجه بالدرجة الأولى إلى عقل الإنسان، غير أن ما هو مهم أيضا، أنها قصيدة على تماس مباشر مع وجدان الإنسان، الذي يجب ألا يخفق في فهم إشارات الكون، ودلالات موجوداته، ويربط ذلك كله مع الأصل، مع الخالق الذي أوجد هذه الأشياء ونظم العلاقة في ما بينها بمقدار، فوزن دقائقها، وأحكم مصائرها وتفاعلاتها بحكمة وقوة لا تضاهيها براعة، ولا أية مهارة في الكون والوجود.

لنتأمل البيتين الأولين، حيث يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:
الصورة اللي رسمها العقل للمعقول
                     فيها أحاسيس تاخذ بالصور برهان.
أما المجرد فمشكل ما حصل محصول
                   مثل الشرف والشجاعه ما لها تبيان.
ونحن أمام هذه القصيدة البارعة في تجليات ما قدمته من حكمة وصور وتفكير عميق، نتذكر الكثير من أقوال الحكمة التي سجلها التراث السردي والأدبي العربي، بمثل ما نقلتها ذاكرة الشعر العربي.في القصيدة يوجهنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى إمعان النظر في العالم، ويحثنا على قراءة الوجود، ويحفز فينا مهارة الرجوع إلى تراثنا الذي يمتلئ بآراء تحث على التأمل والتدبر.
يقول سموه:
يا كيف نرسم وجوه لكاين مجهول
                    نحنا نحسه ولكن نجهل العنوان
للخير والشر والعلات والمعلول
                    تفسير يوضح ويخفى ويوزن بميزان
في الأبيات السابقة، ثمة إشارات واضحة إلى ذلك الإله العظيم الذي نحس بوجوده، الذي أمر عباده، بتحفيز قوى الخير لما في ذلك من فائدة كبيرة للإنسان، في مقابل كل ما هو غاشم وشرير، وهذه بطبيعة الحال من مهام العقل البشري صاحب الإدراك والتمييز، المتحكم الأول بكل قراراتنا، فتحكيم العقل، من حسن تصرف الآدمي السوي، الذي يمتاز عن غيره بقوة الحجة، ونصاعة المنطق.وفي قصيدة سموه دعوة صريحة إلى تحمل مسؤوليات الكائن لتصرفاته وأفعاله، وهي دعوة لكي يحذر الإنسان، من أن يأخذه طيشه وتهوره إلى ما لا تحمد عقباه.
يتابع سموه بالقول:
ولكل شي نهاية لو الزمان إيطول
                    والخالد الفكر وما هي خالده الأبدان
وما دمت حي وتفكر لي يزول إيزول
                    بيتم فكرك طري لو يختفي الجثمان
هي دعوة إلى الإنسان، لكي ينفذ إلى قلبه بنور العقل، هذا العقل الذي ولا شك، سيصطحب ما استخدمه بروية وحكمة إلى راحة نفسية لا حدود لها، حيث تسافر الطمأنينة ويستقر الوجدان، وتتحكم القناعة بمصير الكائن، فلا يعود بعدها مشغولا بالنتائج، ولا معنيا بمصيره المحكوم بالفناء، وفي مثل هذه الدعوة إشارة إلى ما تجلبه القناعة في نفس صاحبها، المزدان بحكمة عقله ونور قلبه، ونقاء سريرته.
في الأبيات الأخيرة يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من واقع تجربته حين يقول:
شفت الحياة وعشتها بين عرض وطول
                   وما شفت أقسى من الجهل ومن الحرمان
ورديت عند الحقيقه وبابها المقفول
                    وحاولت أفتح قفلها ورفضت البيبان
وللحين وآنا أحاول فتحها وآقول
                    أكيد في يوم بقدر أفهم الإنسان
التجارب علمت سموه وهو الذي خبر الحياة وعركته التجارب، أن يشاهد مصاير وأحوال من جرفهم جهلهم، فكانت حياتهم جحيماً لا يطاق، كما يكشف عن حكمة رشيدة، وهو يشاهد أحوال الكثير من البشر، وهم يتأرجحون في متاهة لا حدود لها من الأخطاء والأفعال التي لا يمكن وصفها بغير الجهل وضعف الحكمة، سيما وقد أصبحوا ضحايا محدودية عقولهم، بل أصبحوا ضحايا عدم تبصرهم وتمييزهم بين الخير والشر.وبحق فإن قصيدة سمو الشيخ محمد بن راشد «عن المسؤول» هي قصيدة كاشفة، تفتح عيون القراء على قوة العقل وتحث على حسن استخدامه، وهي بوصلة لإعمال العقل في كل صغيرة وكبيرة، لكي تنضبط النفس، فتتأسس على الإصلاح المؤسس على العقل الذي يضبط الدين، ويظفر بكل ما هو إيجابي، كأنها قصيدة بإيقاع العقل وميزان الحكمة النظام، ومجد التجربة، حيث الصفاء والتأمل والتطهر.

تأمل فلسفي

في قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الجديدة «عن المسؤول» معانٍ سامية وأفكار عميقة تسترسل وتحلل معاني الوجود، أفكار تنهل من نبع المعرفة والحكمة التي يتمتع بها شاعر فيلسوف، يطوع المفردة الشعرية العذبة ويجعلها محملة بالمعاني الجوهرية فيما يخص حياة الإنسان، وسعيه لفهم العالم من حوله.تنحى هذه القصيدة منحى ما كتبه الشعراء العرب الفطاحل، الذين صاغوا أبدع القصائد المطرزة بالحكم، وخاصة فيما يتعلق بوجود الإنسان، وجرت أبياتهم على ألسنة الناس على امتداد العصور والأزمنة باعتبارها مرجعاً لفهم الحياة، وليس عند العرب وحدهم بل في كل الحضارات كان هناك ارتباط وثيق وعلاقة حميمة بين الشعر والفلسفة، فالشعر في جوهره هو تأويلٌ للطبيعة والوجود، ومحاولة لمحاكاتها، وقد عُرف هذا الارتباط منذ أقدم العصور، فجاء هوميروس بالإلياذة والأوديسة، وجاءت معه حكايا الإنسان وموقفه من الحياة وتصوره لها، وفي بابل كانت ملحمة جلجامش، وحكاية البحث في أسرار الوجود.ليس ذلك فحسب بل إن بعض الفلاسفة يعتبرون الشعر أسبق في مقاربة الحقيقة من الفلسفة، ذلك أن ما يقوله ويعيشه الفلاسفة عاشه الشعراء وعبَّروا عنه على حد تعبير الفيلسوف فيرديناد ألكييه الذي يقول، «إن الشعر، في أعلى مستوياته، ليس بخلق، ولكنه اكتشاف ووحي، وعودة إلى حقائق أساسية، وردٌّ واستبعاد لكلِّ المظاهر الخادعة، لكي نعود إلى الوجود، وطموح للكشف عن عالم أكثر صحة.. وحيث يُمكّن الخوف من أن تنسى الفلسفة مهمتَها، يظل الشعر وفيًّا لمهمته»، أو كما يصفهما الباحث المغربي عبد الهادي مفتاح، قائلاً: «..الفلسفة والشعر خطابان معرفيان أو جنسان أدبيان أو قطاعان فنيان ليس من السهل فصلهما أو وصلهما والجمع بينهما، أو الحديث عما يمايزهما من اختلاف أو يطبعهما من قرابة ووحدة وتطابق أحياناً. ذلك أنهما ينطويان على شيء من هذا ونقيضه في نفس الوقت. وما يزيد الأمر تعقيداً أن كل واحد منهما غالباً ما يتقمص الآخر، يحل فيه ويتلبس به شكلاً ومضموناً دون أن يقبل بحمل اسمه أو يتنكر لهويته..».هي مقدمات ضرورية لفهم أجواء قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي احتشدت بحكم بليغة المعنى حول حياة الإنسان وكيف عليه أن يعيشها، ويواجه أصعب الأسئلة التي تخطر في عقله، وتحرك كل وجوده، ونلحظ ذلك منذ مطلع القصيدة، في قول سموه:
الصوره اللّي رسمها العقل للمعقول                فيها أحاسيس تاخذ بالصور برهانأما المجرد فمشكل ما حصل محصول                مثل الشرف والشجاعه مالها تبيان
الشعر مرآة للحياة وما تحويه، لذا فهو يمتلك القدرة على أن يكون كونياً، عابراً لكل الحدود، بما يحمله من لمحات الحكمة للناس أينما كانوا، وهي ميزة يدركها سموه، ويدرك وقع الشعر في أسماع الناس، وخصوصا لدى العربي الذي نشأ وتربى على وقع نغم القصائد وما تبثه من مشاعر وأفكار في عقله، لذا فقد حرص في هذه القصيدة على أن يجمع كل هذه التفاصيل، أي موسيقى الحرف ونفاذ الكلام، فنقرأ فيها:
ولكل شيّ نهايه لو الزمان إيطول                والخالد الفكر وماهي خالده الأبدانومادمت حي وتفكر لي يزول إيزول               بيتم فكرك طري لو يختفي الجثمان
تأمل الشاعر كما تأمل الفيلسوف، إلا أن الشاعر يعوض جفاف المعنى بعذب القول وبديع الصورة، ويحلق إلى مطارح ملؤها الجمال حتى وإن كان يقارب معضلات الحياة في قصائده، وهي الميزة الأهم والأجمل في قصيدة «عن المسؤول» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً