الإعلام..السلاح الاستراتيجي الأهم في ترسانة القوة الناعمة

الإعلام..السلاح الاستراتيجي الأهم في ترسانة القوة الناعمة

أكد ماجد السويدي مدير عام مدينة دبي للإعلام، أن تقرير نظرة على الإعلام العربي 2016-2018 الذي صدر عن مدينة دبي للإعلام، ونادي دبي للصحافة مطلع العام الحالي، يستعرض واقع الإعلام في 14 دولة عربية، وتأثير هذا القطاع الحيوي في الواقع الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في كل دولة. وقال إن قراءة التقرير تقود إلى تحليل أهم مخرجاته وترجمة ما ورد فيه من أرقام ومعلومات وتقديمها للقارئ كمرجع معرفي للباحثين والمهتمين بقطاع الإعلام. وذكر أن الثورة الرقمية، وما أدخلته من تقنيات على وسائل التواصل، غيّرت أسس المنافسة بين الشركات والمؤسسات العاملة في قطاع الإعلام بكل مكوناته، وأصبح الجمهور المتلقي لما تنتجه هذه الشركات هو الحكَم، لأنه على اطلاع مباشر بكل ما ينشر من خلال هاتفه المحمول، أو حاسوبه الشخصي، وأصبح مقياس نجاح كل مؤسسة، أو جهة إعلامية يتوقف على كم المشاهدات والمتابعات ومستوى تقييم برامجها ورسائلها الإعلامية. في الوقت ذاته، لم تعد مهمة الإعلام الجديد، أو الإعلام الرقمي الذي أصبح جزءاً من بيئتنا الاجتماعية، مجرد نقل الأخبار، وتحليل الأحداث الجارية، بل تشكيل الثقافة، وبناء الوعي، وكسب الرأي العام، سواء لمصلحة منتج مادي، أو قضية معنوية. لذا فإن التنافس بين مؤسسات الإعلام ومصادره على كسب الجمهور بات يتطلب أن تفهم هذه المؤسسات ثقافة الجمهور، وميوله، واحتياجاته، لتتمكن من تصميم رسائل إعلامية تتناسب مع ثقافة كل بلد، أو كل فئة اجتماعية، ولتتمكن أيضاً شركات والدعاية والإعلان من تصميم المنتجات المناسبة لكل فئة، وصياغة إعلانات قادرة على ملامسة وجدان الجمهور المستهدف ومحاكاة حاجاته. وأوضح أن التنافسية في قطاع الإعلام تتطلب تعزيز القدرة على فهم الجمهور، وتحليل واقعه الاجتماعي، والاقتصادي، وتلمّس مشكلات الشباب وقضاياهم، وفهم طموحاتهم، فهؤلاء يشكلون نحو 44% من سكان العالم وأكثر من 50% من سكان العالم العربي، ويعدون الشريحة الأوسع من مستهلكي وسائل الإعلام الرقمي. ومهما امتلكت وسائل الإعلام من تقنيات حديثة وقدرات مالية ضخمة، سيبقى تأثيرها محدوداً ومؤقتاً، وقد تتعرض لانتكاسة قوية نتيجة انفصالها عن الثقافة المحلية للجمهور المستهدف، إلا إذا استطاعت كسب احترامه، وتعاطفه أولاً.الإعلام والتحولات الاقتصادية
وقال إن التقرير يسلط الضوء على أهم التحولات الاقتصادية التي سادت العالم والمنطقة العربية خلال العقد الماضي، ومدى تأثيرها في صناعة الإعلام. ويعتبر الإعلام الرقمي صناعة واعدة في العالم العربي، خاصة أن كبريات الاقتصادات العربية التي تمثلها دول الخليج العربي تمر بمرحلة تحول من الاقتصاد النفطي إلى اقتصاد متعدد القطاعات، يستند إلى التكنولوجيا، والمعرفة، والمعلومات. وبحسب تقرير «نظرة على الإعلام العربي 2016- 2018» من المتوقع أن «ينمو الإعلام الرقمي بمعدل سنوي مركب نسبته 1.3 % خلال الفترة ما بين 2016 و2018، ليصل إلى نحو 4.12 مليار دولار أمريكي في العام الحالي». وأكد أن انتشار تقنيات التواصل الرقمي في العالم العربي لا يعني أن فرص الاستثمار في هذه السوق قد تقلصت، فوجود التقنية يفتح الباب على ابتكار مجالات واسعة لاستخدامها، سواء في الإعلام، أو التسويق، أو لتعزيز العلاقات بين الجمهور والمؤسسات في القطاعين العام والخاص.
ابتكار قطاعات عمل ووظائف جديدة
ومن شأنه أيضاً أن يتيح المجال لابتكار قطاعات عمل ووظائف جديدة تسهم في الحد من نسبة البطالة بين أوساط الشباب العربي التي بلغت نحو 30% في العام الماضي، بحسب منظمة العمل الدولية.إن ميزة التحول نحو «رقمنة» وسائل الإعلام التي يوضحها التقرير، تكمن في تبديد الخشية من تقليص عدد الوظائف والعاملين في هذا القطاع نتيجةً لتطوره، هذه الخشية تبرز باستمرار عند الحديث عن الثورة الصناعية الرابعة وما تنتجه من ذكاء اصطناعي يهدد الوظائف البشرية التقليدية المعروفة اليوم. لكن في قطاع الإعلام الأمر مختلف، فالتحول إلى الإعلام الرقمي سينتج قطاعات عمل جديدة ووظائف جديدة لم تكن معروفة من قبل، وسيؤثر بشكل إيجابي في قطاع التعليم ومخرجاته بحيث يواكب تطورات هذه الصناعة.ويشير التقرير إلى نمو محتمل في سوق الإعلانات بنسبة 5.2 % في الفترة من 2016 إلى 2018، ومن المتوقع أن يصل حجم هذه السوق في الولايات المتحدة الأمريكية إلى نحو 21 مليار دولار في العام الحالي، وبالتالي سيزداد عدد شركات الدعاية والإعلان في العصر الرقمي، وستحتاج هذه الشركات إلى عدد أكبر من الموظفين والمختصين في إعداد المحتوى والفيديو واختيار الوسائط المناسبة لعرضها، وستفرض المنافسة في هذا المجال تطوير الموهبة والإبداع.
قطاع داعم للاقتصاد الكلي
يستعرض التقرير تأثير الوسائط الرقمية على كل المكونات الاقتصادية الأخرى، من الإنتاج إلى التسويق الإلكتروني، وما يرتبط به من الترويج للمنتج عبر تطبيقات الهواتف الذكية، ما يجعله قطاعاً أساسياً لدعم القطاعات الأخرى. ويعتبر التقرير أن ازدهار الإعلام الرقمي سبب ونتيجة في الوقت ذاته، لازدهار الاقتصاد الكلي، فازدهار الاقتصاد الكلي وما ينتج عن ذلك من ارتفاع القدرة الشرائية والاستهلاكية للفرد، سترفع من حجم سوق الوسائط الرقمية وتطبيقها. ويهمنا أن نشير هنا إلى ما ذكره الدكتور عمار عماري في كتابه «الاقتصاد الجزئي» حيث أكد أن تكنولوجيا الإعلام الرقمي سوف تكون المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، بعدما أصبحت الإلكترونيات الاستهلاكية من أكبر الصناعات العالمية وأكثرها نمواً. من ناحية ثانية، تنبهت الحكومات إلى دور الإعلام الرقمي في نشر ثقافة ووعي التنمية لدى الجمهور، وفي تجنيد الرأي العام خلف سياساتها الاقتصادية، ما ساهم في جذب الجمهور للانخراط في هذه المسيرة وتوحيد الجهد المؤسساتي والفردي لتحقيق غاياتها.إن الإعلام اليوم هو السلاح الاستراتيجي الأهم في ترسانة القوة الناعمة للدول والحكومات، وبواسطته ترسم جهات متخصصة في صناعة الرسائل الإعلامية ومحتواها، الصورة الذهنية عن الدولة لدى الجمهور المحلي والخارجي. لقد ساهمت هوليوود على سبيل المثال، في تقديم الصورة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية عن ذاتها إلى العالم، أكثر مما ساهمت به أي قطاع آخر. وساهمت الدعاية عن أخلاقيات المجتمع الياباني وتفانيه في تقديم اليابان كنموذج حضاري فاق في تطوره ما حققته الكثير من الشعوب الأخرى. وللصورة والكلمة والسياق الدرامي المدروس تأثير غير محدود في ذهن المتلقي. لهذا يعتبر التقرير، أن الفيديو القصير الذي يتضمن رسائل إبداعية مدروسة يحتل المرتبة الأولى بين كل المؤثرات الإعلامية الأخرى.
إعادة توصيف العلاقة مع التكنولوجيا عربياً
تناولت دراسات عدة الإعلام الرقمي في العالم العربي بوصفه قطاعاً يقوم على منتجات تكنولوجية حديثة، لكنه لم تتجاوز في مضمونها اعتبار الأسواق العربية مجرد أسواق للاستهلاك، وحسب. إن تقرير نظرة على الإعلام العربي 2016-2018، أعاد توصيف العلاقة بين الوسائط الرقمية والمجتمعات العربية بشكل علمي، حيث وضع الإعلام الرقمي في جوهر الحراك الاقتصادي والاجتماعي. علينا الإقرار بأن هناك حالة من الاغتراب بين المواطن العربي ومصادر الإعلام الرقمي، بسبب انعدام الثقة بالمحتوى الإخباري الرقمي خاصة لدى شعوب الدول التي تشهد نزاعات وأزمات اقتصادية واجتماعية.
تحديات ومهمات
يتناول التقرير جملة من التحديات التي تواجه صناعة الإعلام الرقمي على المستويين المحلي والعالمي، ثم يتعرض بمهنية وباستخدام البيانات وتحليلها إلى سبل معالجة هذه التحديات وكيفية استنهاض قطاع الإعلام الرقمي. ومن أهم هذه التحديات، تتمثل في استيلاء الإعلام الجديد على المساحات التي كان يحتلها الإعلام التقليدي وانتقال القيمة من الأول إلى الثاني. إضافة إلى تحديات الإنفاق العام على تطوير هذا القطاع وضعف مردوده خاصةً في الدول النامية التي تتسم فيها القدرات الشرائية للفرد بالضعف والمحدودية، ما يستدعي تهيئة البنى التحتية والتنظيمية والتشريعية الناظمة لرعاية هذا القطاع.
التحديات الثقافية هي الأساس
معظم المراقبين لمسار تطور الإعلام الرقمي يُجمعون على أن التحديات الثقافية هي الأساس، فتلقي منتجات الثقافات الأخرى عبر محتوى رقمي مختصر لا يشرح ولا يجادل قد يؤثر في مكونات الهوية الوطنية لكل شعب وقد يضعف في التراث واللغة والتقاليد ويضعف بالتالي النسيج والتلاحم الاجتماعي. إلى جانب الخشية من غياب ثقافة النقد والتحليل التي تشترط وجود منتج ثقافي كبير في ظل رواج الرسائل القصيرة كتغريدات تويتر التي لا تتجاوز 140 حرفاً. ويتساءل كثيرون عن مصير الفلسفة والأدب بعد عشرات السنوات، خاصةً أن هذه المجالات باتت تشهد تراجعاً لمصلحة الرسالة القصيرة التي تنقل الصورة من دون أي محتوى أدبي. إن الإجابة عن هذه المخاوف قد لا تكون مهمة رواد الإعلام الرقمي بقدر ما هي مهمة مؤسسات الثقافة والجهات الراعية لها في كل بلد. ليس من الضرورة أن يحل الجديد مكان كل ما هو قديم، وليس من الضرورة أن يختفي القديم بالكامل.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً