هو “بداية كل مرض”… فلا تتركوه حرا طليقاً

هو “بداية كل مرض”… فلا تتركوه حرا طليقاً

“كثير حاسس(ة) حالي مضغوط(ة)”، “عندي Stress فظيع” أو سواها من العبارات المماثلة التي تتردد على ألسنة قسم كبير من اللبنانيين، بل ربما الأغلبية منهم. الأمر مُقلق لسببين رئيسيين: الأول، لأن الضغط النفسي الذي تُطلق عليه تسمية “مرض العصر” ليس بمزحة أو ظاهرة نفسية بسيطة أو خالية من المخاطر، والثاني، لأن مجتمعاً بأكمله ربما يعاني أو على وشك “الإصابة” به في وقت تبدو التوعية الجديّة حول مخاطره وطرق معالجته شبه مغيّبة. ومع أنه لا إحصاءات دقيقة تلحظ أعداد اللبنانيين الذين يعايشون ضغوطاً نفسية غير عابرة، إلا ان العوامل المسببة لها معروفة، إنما متعددة.فما هي هذه العوامل، والأهمّ: ما هي مراحل الخطر التي تستوجب تدخلاً سريعاً قبل أن يتفاقم الأمر إلى الأسوأ؟!
بداية يقدّم الطبيب والعالم النفسي مرام الحكيم تعريفاً للضغط النفسي، فيقول في حديث لـ “لبنان24”: “هو تفاعل الجسم تجاه تأثيرات نفسية أو جسدية تتسبب بشعور الشخص بالإرهاق النفسيّ وتقلّب المزاج أو العصبية أو عدم القدرة على التحمّل”.
“تتعدد الأسباب، والنتيجة واحدة”. لعلّ هذه العبارة هي الأنسب لتوصيف الضغط النفسي، ذلك أنّ مصادره كثيرة ومتنوعة.
بحسب د. الحكيم، ثمة عوامل كثيرة، منفصلة أو مجتمعة، مسؤولة عن التسبب بالضغط النفسي، بما فيها الأعباء اليومية، توّتر في العلاقات العاطفية أو الاجتماعية، العمل وظروفه، الوضع الاقتصادي والمعيشي، العيش في ظروف غير آمنة أو في بلد تكثر فيه الحروب أو الاضطرابات، التعرّض للبلطجة في المدارس أو الهمّ الدراسي عند الطلاب بخاصة عندما تكون توقعات الأهل أو المدرسين المُنتظرة منهم عالية، إضافة إلى العوامل الجسدية مثلاً الإصابة بمرض عابر أو مزمن، الخضوع لعمليات جراحية، الألم المتكرر…كما يمكن أن تؤدي إصابة أحد أفراد العائلة بمرض مزمن (مثل الألزهايمر وغيره) أو حالة تتطلب المتابعة والرعاية بشكل يوميّ ومتواصل، إلى شعور جميع أعضاء العائلة بضغط نفسيّ.
ويلفت د. الحكيم أيضاً إلى العوامل الخارجية مثل زحمة السير والبطالة وحالة عدم الاستقرار العام وغيرها من الأمور الشائعة في لبنان، والتي برأيه تؤثر سلباً على حالة المجتمع النفسية.
بداية كل مرض!
الخطير في الموضوع أنّ عوارض الضغط النفسي لا تقتصر على الشعور بالارهاق النفسي وحسب بل تنسحب على الجسم الذي يبدأ يشهد تغييرات مختلفة. يشرح د. الحكيم أن “الضغط النفسي يؤثر على الغدة الكظرية التي تبدأ بإفراز هرمون الكورتيزول المسؤول عن مستويات التوتر في الجسم الذي يؤدي بدوره إلى أعراض منها ارتفاع ضغط الدم وزيادة سكر الدم…”، مضيفاً:” من عوارض الضغط النفسي أيضاً ضعف جهاز المناعة، تسارع في دقات القلب، ارتفاع أو انخفاض في ضغط الدم، أوجاع الرأس، مشاكل جنسية، أرق او خلل في نظام النوم، مشاكل في الجهاز الهضمي…”
قد تتفاوت الأعراض وتختلف بين شخص وآخر، لكنّ الأكيد أن الضغط النفسي سيؤثر سلباً على أجزاء معيّنة من الجسم، وبحسب ما يصفه د. الحكيم، فهو “بداية كل مرض”.
حتى الأمراض والحالات النفسية مثل الاكتئاب والهلع وغيرها يسبقها عادة الضغط النفسي. إنه إذاً يصيب، يسيطر ويتطوّر بأشكال مختلفة، لا سيّما إذا كان متكرراً ومتواصلاً.
وهنا، يلفت د. الحكيم إلى أنّ الشعور بضغوط نفسية مرحلية وعابرة ليست بخطورة تلك المتكررة والشديدة التي ينتهي بها المطاف لتصبح أمراضاً جسدية أو نفسية.
الجميع يعيش مراحل ضاغطة في حياته نتيجة عوامل معيّنة، وبعض الأشخاص عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بالضغط النفسي. مردّ ذلك بحسب د. الحكيم إلى أمور مختلفة منها التكوين الجيني والوراثي، والتجارب الحياتية التي مرّوا بها بدءا من عمر الصفر (اي مرحلة نمو الجنين في الرحم) مروراً بمراحل الحياة كافة (الطفولة والمراهقة والشباب..). وكلّما كانت العوامل الإيجابية التي تعرّضوا لها في خلال حياتهم (المحبة، اللمس في الصغر، الشعور بالأمان والحماية والاهتمام…) كثيرة، كلّما باتوا أكثر مقاومة للضغط النفسي”.
وفي هذا الإطار، يلفت د. الحكيم إلى أنّ الضغط النفسي قد يكون أيضاً ناجماً من تراكمات الضغوط النفسية في خلال مراحل الحياة والتي لم تعالج بشكل جيد.
وعن مراحل الخطر التي تستدعي التدخل العاجل، يقول د. الحكيم إن “الضغط النفسي بمجمله غير مرغوب به، حتى وإن كان عابراً أو طارئاً، وعلى الفرد أن يسعى لإزالة العوامل المسببة له وتغيير أسلوب حياته نحو الأفضل، للحؤول دون تطوّره. لكنّ مرحلة الخطر تكون عندما يتكرر الضغط النفسي ويتواصل، فيصبح هناك تركيزٌ على عضو معيّن في الجسم أو جزء منه، وبالتالي ظهور إمكانية تحوّل الخلل إلى مزمن.”
العلاج النفسي
عموماً، ينصح د. الحكيم الجميع بالوقاية من الضغط النفسي عبر اتباع نظام حياة مريح وصحيّ، وإذا أمكن إزالة العوامل الضاغطة اياً تكن.
التأمل، الاستماع على أنواع الموسيقى المهدئة، ممارسة الرياضة باعتدال (وليس المبالغة بها)، مراجعة الذات، اتباع نظام غذائي صحيّ، المشاركة بأنشطة اجتماعية أو ألعاب تفاعلية…كلّها أمور تساعد على تخفيف الضغوط النفسية.
وإذ يكشف د. الحكيم أنّ الأشخاص عادة ما يحاولون محاربة الضغط النفسي من حيث لا يدرون عبر إشباع الرغبات واللذة (مثلاً الاكثار من الطعام وبخاصة السكريات والدهون، احتساء الكحول، التدخين، المبالغة بالرياضة، القمار…)، فإنه يوضح أنّ هذه المحاولات ليست محبذة، ذلك أنها آنية المفعول ولا تزيل الأسباب الرئيسية، إضافة إلى أنها مضرّة بالصحة ومن شأنها ان تخلق أمراضاً جديدة.
ولذلك، يجب على كلّ من يشعر بضغط نفسي شديد ومتكرر ومتواصل ويصعب عليه تغيير اسلوب حياته أو إزالة العوامل المسببة، أن يطلب المساعدة من الاختصاصيين، ولا سيّما إذا كان لديه “مخزون” قديم من الضغط. ففي هذه الحال، يشرح د. الحكيم أنّ “العلاج النفسي هو ما يجب أن يتلقاه الشخص المصاب بضغط نفسي مزمن أو ضغط على وشك أن يتطوّر ويتفاقم”.
نعم، ثمة حالات كثيرة يصعب فيها التغيير أو محو عامل ضاغط من الوجود، لكن هذا لا يعني الاستسلام. بحسب د. الحكيم، “علينا الاعتراف بالمشكلة وعدم إنكارها في محاولة منا لإزالة آثارها، لأن جزءا من جسمنا يعرف أنّ ثمة مشكلة قائمة. عملية النكران أو المقارنة أو الاتكال على الإرادة القوية ليست حلا مثالياً لمحاربة الضغط النفسي. للأسف، من الشائع في لبنان أن نسمع من يقول لشخص مضغوط “بسيطة ما كلنا هيك، أو شوف ابن عمك قدر طلع منها”. هذا هراء. هذا عامل ضغط إضافي، بل إنه قد يُشعر الفرد بالفشل. الحلّ في فهم المشكلة، الاعتراف بها وعدم الكفّ عن إيجاد وسائل علاجية مختلفة”.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً