“اغتيال صالح” خطأ إيران الاستراتيجي

“اغتيال صالح” خطأ إيران الاستراتيجي

اغتيال علي عبدالله صالح الرئيس اليمني السابق سببه الواضح والصريح أنه بدأ في وضع نهاية لـ”حلم” الامبراطورية الفارسية في المنطقة العربية من خلال السيطرة على صنعاء، واحدة من العواصم العربية الأربع التي كان قادة إيران يتغنون بها. فتحركاته في بداية هذا الأسبوع، والتي قوبلت باستحسان خليجي ودولي، صححت الكثير من مواقفه السياسية التي كانت تثير الدول الخليجية والدول الكبرى فيما يخص سيطرة إيران على العديد من المنافذ الاستراتيجية الدولية، مضيق باب المندب على البحر الأحمر.أعطت تحركاته السياسية فيما يخص إضعاف حليف إيران في اليمن الحوثيين مؤشرات لطرد التواجد الإيراني منها، وهو ما يعني في المقابل عودة الدولة اليمنية وكل منافذها الاستراتيجية، سواء مضيق باب المندب أو خليج عدن، إلى نفوذ الدولة اليمنية الشرعية، وهو ما كان يعمل من أجله “التحالف العربي” منذ تدخله العسكري عام 2015، وبحساب توازنات القوى في الإقليم، أي عودة اليمن إلى الحضن الخليجي. وبلغة أخرى، أن هذه التحركات كانت ضد الأطماع الإيرانية وبالتالي أبرزت علي صالح، لأن يكون “منقذ اليمن” وربما صانع تاريخها من جديد بعد أن يخلصها من قبضة إيران، وبالتالي لو تم اغتياله قبل أسبوع أو أكثر من الآن لما كانت العملية بهذه الأهمية، خاصة لدول مجلس التعاون الخليجي الذي يعقد دورته الـ38 في الكويت اليوم، بل ربما صنفت بأنها انتصار قوات التحالف على الانقلابيين على الشرعية، وربما استمرت صفته السياسية المعروفة إعلامياً “المخلوع” وليس كما يطلق عليه الآن الرئيس اليمني السابق.لذا فإن اغتيال صالح في كل الأحوال ليس قراراً “حوثياً” حتى لو تواجدت أسباب انتقامية تدعو إلى ذلك وفق الطبيعة القبلية في اليمن، فعلي صالح كان قد اغتال الزعيم “الحوثي” بدر الدين في 2004، فالذي يقف وراء هذا الاغتيال هو نظام الملالي في إيران لأسباب موضوعية لا تقتصر على الداخل اليمني، الذي ضاق ذرعاً بالسيطرة الإيرانية، وفق مكالمة مسربة للرئيس السابق مع محسن الأحمر، ولكن عملية الاغتيال لها علاقة بالاستراتيجية الدولية لروسيا والولايات المتحدة اللتين بدأتا في إظهار رغبة عدم ترك المنطقة للنفوذ الإيراني الذي يتمدد، ولها علاقة أيضاً بالتفاهمات الإقليمية (بما فيها الدوحة تواجه ضغوطاً دولية لإعادتها إلى الحضن الخليجي)، وهو التضييق على “أذرع إيران” في المنطقة وهي ميليشيات: “حزب الله” اللبناني و”الحشد الشعبي” في العراق و”داعش” و”الحوثيين”. أما فيما يخص وضع اليمن خلال المدى القريب لمقتل، علي صالح، هناك قراءتان، القراءة الأولى: حرب أهلية، وهو سيناريو يفضله الإيرانيون في حالة فشلت سيطرتهم الكاملة على أي عاصمة من العواصم العربية الأربع، التي يزعمون السيطرة عليها، وقد تمت ملاحظة الأمر في لبنان والعراق وسوريا، باعتباره سيناريو يوفر لإيران على الأقل استمرارية التواجد لأطول فترة ممكنة.أما القراءة الثانية وهي الأقرب لحدوثه: مواجهة مباشرة بين أتباع إيران “الحوثيين” مع المجتمع اليمني بكل قواه السياسية والقبلية، لأن علي صالح زعيم قبلي قبل أن يكون سياسياً، وتم اغتياله غدراً من قوى سياسية موالية للخارج والتمثيل بجثته بطريقة “مهينة”، تعطي مؤشراً عقائدياً يحمله أصحابه لفكر ديني وسياسي يتوافق مع إيران تاريخياً، وهو ما يوفر أرضية لتكاتف المجتمع اليمني ضد “الحوثيين”، وللتواجد الإيراني العقائدي.أختم بنقطتين. النقطة الأولى: أنه بلا شك أن تزامن اغتيال علي صالح مع انعقاد القمة الخليجية الـ38 من شأنه أن يحول اهتمامات السياسيين في الخليج وفي العالم من التركيز على أزمة قطر وتغريداتها خارج السرب العربي إلى تأثيرات هذا الاغتيال على استقرار المنطقة، خاصة أن من يقف وراءه الاغتيال يتعدى قوى سياسية صغيرة مثل الحوثيين الذين ليس بقدرتهم مواجهة التبعات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية التي بدأت بتهيئة الوضع لإعادة استقرار اليمن. والنقطة الثانية: العبرة من التحالف مع النظام الإيراني، حيث تظهر البراجماتية الإيرانية في أبشع صورها، فإحدى مشكلات علي صالح كانت أنه ابتعد عن المحيط العربي والخليجي ولم يستثمر المواقف الخليجية المتسامحة معه، بل لجأ إلى إيران وتحالف معها ضد “دول المجلس” في أول خلاف له مع هذه الدول. ولكن عندما أدرك الخطر الإيراني على الدولة اليمنية وعلى مستقبله السياسي وحاول أن يمارس هوايته السياسية وهو الانقلاب على أصدقائه لم يكن التعامل الإيراني معه مثل التعامل الخليجي، حيث كان الغدر والتمثيل بجثته هي النتيجة.كل ما فعله علي صالح قبل اغتياله أنه أراد أن يصحح من خطأ التقارب مع “الحوثيين”، ولكن دون أن يتوقع ردة فعل من يديرهم ويمسك بقرارهم في طهران، وإذا كانت تفاصيل التركيبة المجتمعية لليمن تؤكد أن “الحوثيين” والتواجد الإيراني سيدفعون ثمن خطأهم الاستراتيجي.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً