عودة الحريري ومبدأ النأي بالنفس

عودة الحريري ومبدأ النأي بالنفس

فيما الترقّب يظلّل المشهد اللبناني، في انتظار العودة الوشيكة لرئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري، بدأت بعض الأوساط الرئاسية، توحي بسيناريو حكومي يلحظ احتمال استقالة الحريري نهائياً ورسمياً بعد عودته، وتكليفه مجدّداً تشكيل حكومة جديدة، قد لا ترى النور قبل وقت طويل، بينما برز موقف كتلة المستقبل، الذي أكّد على مواقف زعيمه في تبّني مبدأ النأي بالنفس، ورفض كلّ أشكال التدخّل الإيراني وأدواته في الشؤون الداخلية لجميع البلدان العربية الشقيقة، وتقاطع ذلك مع مواقف داخلية، دعت إلى وجوب انسحاب حزب الله من أزمات المنطقة.
وفي السياق، أتت الحملة الدبلوماسية التي أطلقها لبنان الرسمي، لتأكيد تقيّد لبنان الدائم بكافة الشرائع الدولية واحترام الاتفاقيات والقرارات الدولية والأعراف الدبلوماسية، وعلى رأسها، ميثاق جامعة الدول العربية، فيما شدّد وزير الخارجية جبران باسيل، في سلسلة الاتصالات التي أجراها خلال الأيام الأخيرة، مع عدد من وزراء خارجية الدول الصديقة ومسؤولين دوليين، على موقف لبنان القاطع في رفض التدخل بشأن أيّ دولة عربية وأيّ اعتداء عليها، والحرص على أفضل العلاقات الدولية، لا سيّما العربية منها.
المشهد الداخلي
ولا تزال مقابلة الحريري التلفزيونية شاغلة الناس، في محاولة قراءة ما بين سطورها، فيما بدأ جو الاحتقان السياسي في الانحسار، بعد توتّر أعقب استقالة رئيس الحكومة، والذي ترافق مع تخوّفات من آثار جانبية سلبيّة للاستقالة، لا سيّما على الوضع الاقتصادي.
ولعل المواقف التي أطلقها الحريري، أُدرجت في خانة الإيجابية، وأنعشت الآمال في إمكانية معالجة استقالة الحكومة، والتي حدّدت مكامن الداء في الأداء الرسمي، سواء في توازنات التسوية السياسية، والابتعاد الفعلي عن الأزمات العربية، والنأي بالنفس، لا سيما بالنسبة لحزب الله، الذي يتولّى بالنيابة عن إيران إدارة معارك، أو المساهمة مباشرة بالعمليات العسكرية، من سوريا إلى العراق إلى اليمن. لقد كان الحريري واضحاً وحازماً في مقابلته: التسوية السياسية قائمة، والعودة إلى بيروت قريبة، وتقديم الاستقالة سيحصل وفقاً للأصول، لكن المرحلة السابقة لا يمكن الاستمرار بها.
وإذا كانت العودة المرتقبة للحريري، هي العنوان الأساس الذي انضبط تحته الوضع الداخلي، إلّا أنّ اللافت للانتباه، هو أنّ الإيجابية بدأت تتسلّل إلى مواقف أركان الدولة، وظهر ذلك جليّاً في أجواء التفاؤل التي سادت المقرّات الرئاسية، والتي صارت تتحدّث عن عودة وشيكة للحريري، لا تتعدي أياماً قلائل، وتتقاطع مع حركة دولية، صبّت كلّها في اتّجاه الدفع نحو تبريد الأزمة الراهنة، والنأي بلبنان عن أيّ توتّرات.
اختبار نوايا
وفيما ترقّب عودة الرئيس الحريري سيّد الموقف، بغية اختبار صدق النوايا في البحث عن حلول فاعلة، فإنّ مصادر تيار «المستقبل» شدّدت في تصريحات لـ «البيان»، على أن لا عودة عن الاستقالة، طالما أن الأمور لا تزال كما هي بالنسبة لسلاح حزب الله وتدخلاته في عدد من الدول العربية، مشيرة إلى أنّ لبنان لم يعد باستطاعته الاستمرار بقبول بقاء سلاح الحزب متفلتاً في الداخل، ولا يمكن السماح لإيران بعد الآن بأن تتعامل مع لبنان وكأنه منصّة وقاعدة لها لمحاربة العالم العربي.
بدورها، أشارت مصادر لـ «البيان»، إلى أنّ سعد الحريري أطلق ما يكفي من مواقف واضحة، أوحت برسمه خريطة طريق لتصحيح التسوية السياسية وتصويبها في اتجاه التزام صارم لا مناورات معه، لسياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية. وتبدو الأنظار متوجهة في المقام الأول إلى عودته لبيروت، وترقّب مسار مختلف، من شأنه بلورة الإمكانات الجديّة لفتح مفاوضات سياسية داخلية في شأن مصير الاستقالة، ومن ثمّ الحكومة والوضع الحكومي، وذلك استناداً إلى مواقف الحريري الأخيرة نفسها، والتي ستغدو نقطة الارتكاز في أيّ تسوية قابلة للتطبيق، وإلا، فإنّ الأزمة ستكون مفتوحة وطويلة، في ظل إجماع على أن لبنان لا يستطيع أن يغرّد وحده، فهو جزء من الخريطة والعائلة العربية، ويريد أفضل العلاقات مع كلّ العرب، وفي مقدّمها السعودية، وفق ما يرى مصدر سياسي بارز.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً