«احب» لمحمد بن راشد تحلق بجماليات الطبيعة

«احب» لمحمد بن راشد تحلق بجماليات الطبيعة

ها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يفاجئ القراء بقصيدة جديدة، ذات جرس موسيقي ولغة شفيفة بعنوان «احب».. التي مطلعها:
آحبْ شمسْ الضِّحىَ بالنورْ تهديني                                          وآحـبْ صـوتْ الـمطَرْ إذا جرىَ وديانْ
من يدقق في مطلع القصيدة يلحظ أن سموه آثر أن يستلهم شعر الطبيعة، فثمة شمس الضحى، وثمة صوت المطر، وهناك الوديان التي تجري، وشعر الطبيعة كما يعرف القراء، وكما هو دارج على ألسنة النقد، هو من أعذب الشعر وأرقه، وقد اشتهر في كثير من نماذج الشعر العربي، كما هو حال شعراء الأندلس الذين تأثروا بالطبيعة ومناظرها الخلابة، ناهيك عما يتمتع به هذا الشعر من خصائص فنية كثيرة، من استعارات وتشبيهات وتصاوير، تمنح القصيدة ألقاً وبهاءً، وقصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، هي من القصائد العذبة، التي تضيف إلى رصيده الشعري الثري، فتزهو بجمال اللغة، وأرق العبارات، والمفردات والتصاوير.قصيدة «احب» كما يفهم منها، تفصح عن حال قائلها، فتكشف بعضاً مما يميل إليه سموه، وهو ميدان رحب من ميادين الفروسية التي تطيب إلى السفر وسبر أغوار الطبيعة البكر، بكل ما تحمله من شغف وولع بميادين السباق والسمر مع الأحباب ورفقة الأصحاب.فسموه، وهو الشاعر الفارس الذي عهد عنه حبه للقنص، وسفره إلى البراري في كل الأوقات، وخاصة في وقت الضحى، حيث يبدأ الصبح بالتنفس، وحيث صفاء اللحظة الراهنة، يلقي بظلاله على البيئة، فيبدو كل شيء صافياً، وبكراً، وعذباً، يسبح بحمد خالقه، حيث النور الذي يخترق المكان، فتميل النفس إلى الوداعة والاطمئنان والهدوء.هي بلا شك لحظة بكر، تحمل الشاعر على البوح، فيقترن المشهد بالشعر، ويلاصقه، ويناجيه، ويسمو به، إلى حيث تسافر الأماني، وتبدأ مشاوير القصص والحكايا التي تسرد سيرة الفرسان، وتعبر عما يجيش في خلدهم، بأعذب القول وأشجاه.هذه المشهدية الآسرة، التي يرسمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومنذ البيت الأول، هي بمثابة شهادة أخرى على شاعريته، ورهافة القول الذي يصدر عنه، في هذا الاستهلال الأبهى والأروع، الذي يمهد ليوم، يحبه سموه، ويسعى إلى معايشته بكل تفاصيله حيث الطبيعة التي تتزين بالشمس والنور، على مرآة الجداول، وصوت المطر الذي يهمي، فتندى معه الروح، وتتفتح القريحة، وتسمو معها عرائس الشعر، وتتوقد بأحلى الكلام، وأرق العبارات وأجودها. في البيت الثاني، يذكرنا سموه بالبيت الشهير لشاعر العرب الأول «أبو الطيب المتنبي»، حين يأتي على ذكر «الخيل والليل» فيقول:
والخيلْ والليلْ وأشواقٍ تناديني                                          وسجعْ القصايدْ فرايدْ جارياتْ ألحانْ
هنا، يستكمل سموه قصيدته، بذلك الاستعداد الفطري، الذي شحنته تلك الصورة الباذخة التي ولدتها الشمس التي عانقت الجداول، وغنت مع حبات المطر الندية، فتبدأ القصيدة بالتفاعل مع هذا كله، كأنها موسيقى شجية، تسمع القاصي والداني، بأرق وأعذب الألحان.. وهذا كله إنما ينسجم تماماً، مع ذلك الاستهلال المعروف في قصائد نوابغ الشعر العربي المعروفين، الذين هللت لهم العرب وطربت لقصائدهم وما فيها من صور وحكم وتجارب.وسموه بلا شك، ومن دون منازع، هو واحد من هؤلاء الشعراء الفرسان والنوابغ المعروفين.في البيت الثالث، تبدأ قصيدة سموه بالاتضاح أكثر، حين تعبر عن شوق صاحبها إلى قضاء النهار بكامله في هذه البيئة التي تخلب لبه، وهو إذ رافق بزوغ الفجر في سطوع نهار متألق، ها هو يعيشه على أكمل وجه، فتحلو المسامرة، وتعذب التحديات، كما يشف الكلام عن حكايا الفرسان وتدريب الطيور على القنص، وأنواع شتى من المسامرات بين الأصدقاء والأحلاف، الذين يستكملون ما هم عليه، حتى يبدأ الليل جولة أخرى، فيضمهم تحت جناحه.
وآحبْ وقتْ الهدَدْ والليلْ يضويني                                          علىَ سوالفْ قنَصْ ومزامَطْ وحِلفانْ
في البيت ما قبل الأخير، يجيب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن الأسئلة التي توجه إليه، وهو في عز انتشائه بالمشهد، وفي عز إبداع قريحته بالشعر والقصائد، فيجيب:هذا أنا وَإِنْ سألتي وشْ يسَلِّيني                                          باقولْ لكْ لي يسلِّي قايدْ الفرسانْمهرَهْ بميدانْ والعاصفْ يباريني                                          وآحسْ أنِّي مَلَكَتْ الأرضْ والأكوانْ
تأتي الإجابة من شاعر قائد، لا ينسى أنه فارس، والفروسية لها شروط موزونة، ومعروفة، وهي تليق بصاحبها، وهو يتقدم أصدقاءه إلى حيث تستدعي المهمات، أما في هذه اللحظة الشاعرية، فسموه يعشق التباري، ويعرف تلك المهرة التي لن تخذله، هي مهرة ماهرة في الميدان، وفي سباقات التحدي، هي فرس عاصفة لا تغلبها الريح الشديدة الهبوب، هي مهرة عودت صاحبها على الفوز والكسب، فلا تحيد عن الهدف، وها هي تحلق بفارسها نحو مسارات أخرى مشتهاة، فيشعر كما لو أنه امتلك الأرض وتماهى مع هذا الكون الشاسع، فطاب له المشتهى والمقام، حيث عراقة المشهد الساحر الذي يشف عن قوة، ويستطيب معه الشأن في مقام رفيع ولا أحلى ولا أجمل.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً