كردستان العراق.. من حلم الدولة إلى حكم المحافظات

كردستان العراق.. من حلم الدولة إلى حكم المحافظات

لم يعد إقليم كردستان العراق هو ذاته ذاك الذي كان قبل إجراء الاستفتاء، فالاقليم الذي كان يحلم بدولة مستقلة بات الآن يتقهقر إلى أن وصل الامر إلى التفكير بالتخلى عن «كيانه» الذي نص عليه الدستور العراقي والعودة إلى صيغة محافظات تتبع بشكل مباشر الحكومة المركزية في بغداد، بعد أن انتهت قفزة رئيسه السابق مسعود بارزاني التي اراد بها ان يدخل التاريخ كمؤسس لدولة الأكراد إلى «ظلام دامس» اطاح به وحلمه الى خارج دائرة الفعل السياسي رغم محاولاته المستميتة للتشبث بما تبقى له، ويعتقد المراقبون بأن أحد أبرز الأهداف التي كان يسعى بارزاني لتحقيقها من وراء إجراء استفتاء «الانفصال» هو الحفاظ على موقعه في رئاسة الإقليم مما أضعف موقفه السياسي إلى حد كبير خصوصاً لدى الأحزاب المعارضة باعتباره يكرس الاستفراد بإدارة شؤون الإقليم ويعرضه لمخاطر جمّة.
ويؤكد البعض أن بارزاني كان قليل الصبر والحذر عندما نظم الاستفتاء حيث أراد فرضه على العالم أجمع دون طرف دولي واحد داعم له، ولا حتى الأميركيون المتحالفون معه في قتال تنظيم داعش ما جعله يخسر حل الانفصال وحلم البقاء في كرسي رئاسة الإقليم.
وجد بارزاني نفسه مجبراً على الرحيل بعد رهانه الفاشل،على فرض استقلال الإقليم، متحدياً كل القوى الإقليمية والدولية. لتشكل استقالته سقوطاً مدوياً لأمير حزب حلم طويلاً بأن يكون أباً لاستقلال أكراد العراق.
صراع كردي خفي
كشفت الازمة عن انقسام نواب التحالف الكردستاني إلى قسمين، بشكل رسمي، بعد أن كان الانقسام بشكل خفي، واطلق احد القسمين على نفسه اسم «النواب الوطنيين»، وعلى الاخر اسم «النواب الانفصاليين»، فيما يواجه المجتمع الكردي صراعاً حاداً، جراء «الاستفتاء الانفصالي»، الذي تبناه مسعود بارزاني، وسعى إليه، ومني جراءه بأسوأ هزيمة عرفتها الحركة الكردية منذ نشأتها في اربعينات القرن الماضي حتى الآن.
وكما فعل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، بعد هزيمة 10 يونيو 2014، أمام تنظيم داعش، لم يعترف بارزاني بالهزيمة والفشل في سياساته عموماً، بل راح يتحدث عن «مؤامرة»، وعن «خيانة» رفاقه، لعدم تحمسهم للغة السلاح، من دون ذكر الأخطاء الكبرى التي ارتكبها، ودفعت الأخرين حسب مراقبين إلى عدم الثقة به وبنواياه، وتسببه في تفكك البيت الكردي، إضافة إلى التوقيتات الخاطئة لقراراته الارتجالية.
بين السيئ والأسوأ
ويرى محللون سياسيون أن من غير الإنصاف «مقارنة السيئ بالأسوأ»، لأن بارزاني، على الرغم من هفواته الكبيرة، قام من خلال مغامرة الاستفتاء، بتسليم مساحات من إقليم كردستان إلى «القوات العراقية»، فيما كان المالكي سلّم ضعف هذه المساحة إلى «داعش»، والفارق كبير جدا طبعاً، إلا أن الاثنين ظلا متمسكين بالسلطة والحكم وإلقاء اللوم على «المؤامرة» و«الخيانة»، من دون أي نقد ذاتي أو مراجعة للأخطاء، أو اعتذار. لم يعتذر بارزاني عن الاستفتاء ونتائجه الكارثية بالنسبة لكردستان العراق، فيما لا تزال حكومة الإقليم تعاني من الصراع، منذ أجرت استفتاءً على الاستقلال في سبتمبر الماضي، وارتد بنتائج عكسية على الإقليم، حينما أثار صداماتٍ مع الحكومة المركزية في بغداد وتسبَّب في خسارةٍ كبيرة للإقليم أمام القوات العراقية.
أزمتا الإقليم
وبعد التمتُّع بمستوى غير مسبوق من الحكم الذاتي لعدة سنوات، تواجه حكومة إقليم كردستان أزمتين سياسيتين خطيرتين، الأولى في علاقاتها مع بغداد، العازِمة الآن على الحد من استقلالية الإقليم، والثانية من داخل الإقليم نفسه، وذلك مع تنازع الفصائل السياسية المختلفة حول الكيفية التي ينبغي التعامل بها مع التداعيات، ومَن ينبغي أن يتولَّى قيادة حكومة الإقليم الآن فعلياً.
العدائية
ويرى المتابعون للشأن العراقي، أن لهجة بارزاني لا تزال تتسم بالعدائية، بعد الهزائم المذلة للمقاتلين الأكراد أمام قوات الحكومة العراقية التي نشرها رئيس الوزراء حيدر العبادي، لابطال نتائج الاستفتاء، إضافة إلى فقدان الحكومة الكردية الأصول الاقتصادية الرئيسية والعديد من حقول النفط الرئيسية، وعاصفة من عزلة دولية شبه كاملة، كما يؤكدون أن اتهامه لرفاقه الأكراد بالخيانة لا أساس لها من الصحة، لأن بيشمركة بارزاني في كركوك انسحبوا من دون قتال.
لا نفط للأحلام
ويأتي التوصل لاتفاق بين الحكومة المركزية والقادة الأكراد، ليعيد المعابر الحدودية إلى الحكومة المركزية، وكذلك التقويم الأساسي لكيفية تصدير النفط في المنطقة، وهو مصدر الإيرادات التي لا غنى عنها للأحلام الكردية بالاعتماد على الذات.
تشبث بالسلطة
ويؤكد عضو المجلس السياسي الأعلى في إقليم كردستان العراق، محمد سعد الدين، أن رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني أصبح الرجل الأول في الإقليم حاليا، مشدداً على أن مؤسسة رئاسة الإقليم مستمرة ولا نية لإلغائها.
ويقول سعد الدين، إن «منصب رئيس الإقليم شاغر الآن، وان نيجيرفان هو رئيس المؤسسة التنفيذية ولديه غالبية صلاحيات رئيس الإقليم، إذاً فهو الرجل الأول»، موضحاً «لكن أكثرية الأحزاب ترى أن مسعود بارزاني هو المرجعية».
تقسيم الصلاحيات
ويكشف عضو المجلس السياسي الأعلى أنه «لا نية لإلغاء منصب رئيس الإقليم، ولذلك قمنا بتوزيع صلاحياته كي لا يتم إلغاء هذه المؤسسة المهمة»، مشدداً على أن بارزاني سيبقى في المجلس السياسي الأعلى «وهو مجلس غير منتخب»، بصفته رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يمتلك المرتبة الأولى من مقاعد البرلمان، وهي 38 مقعدا من اصل 111، وهذه الأولوية البسيطة لا تمثل شيئاً فيما لو اتفقت حركة التغيير مع لاتحاد الوطني الكردستاني، وقد تنضم إليهما جهات اخرى، مما يجعل من السهل الإطاحة بحكومة نيجيرفان.
ترجيح الإدارتين
وبالنسبة لإقليم كردستان، من المستبعد أن تقبل اربيل بارزاني بأغلبية للسليمانية، لاسيما بعد الهزائم التي مني بها الحزب الديمقراطي الكردستاني، الأمر الذي يرجح إعادة الإدارتين للإقليم، وبالتالي تكون العودة إلى نظام المحافظات، و«إلغاء الإقليم الكردي»، وهذا ما تلوح بوادره منذ الآن، من خلال طلب السليمانية الاستقلال ماليا عن الإقليم، واللجوء إلى الحكومة الاتحادية، ومن خلال الاعتداءات التي تعرض لها مؤخراً برلمانيو وإعلاميو السليمانية في اربيل، جراء معارضتهم للاستفتاء، واتهامهم بالتآمر والخيانة، من قبل حكومة اربيل التي تحاول الآن إرضاء بغداد، بتقديم المزيد من التنازلات، تحت وطأة الهزيمة.
تطمين
طمأنت الحكومة الاتحادية برئاسة حيدر العبادي حكومة إقليم كردستان بعدم المساس بالمكتسبات الدستورية للشعب الكردي، مؤكدة أنها «لا تنوي التعامل المباشر مع المحافظات، بل ستحترم الكيان الكردي الحالي الذي أقره الدستور العراقي».وقال الناطق باسم الحكومة الاتحادية سعد الحديثي«إن مشروع قانون الموازنة لم يشر إلى أي نوع من التعامل المنفرد مع محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وهي محافظات ضمن إقليم مستقل حدده الدستور».

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً