“شقراء” و”أشيقر”.. والزيارة التي سقط فيها القناع!

“شقراء” و”أشيقر”.. والزيارة التي سقط فيها القناع!



المرونة في شؤون الحياة وحتى في السياسة لا تعني أبداً مجرد تقديم تنازلات أو تضحيات، وإن كانت التنازلات أحياناً تعني الكثير من الوعي والحكمة والقوة والإنسانية بأسمى وأنضج معانيها، بقدر ما تعني التفهم للمتغيرات والأوضاع وتقديم الأولويات ومراعاة الظروف، وحاولنا أن نجد شيئاً من المرونة في نهج الحكومة القطرية وأسلوبها منذ بداية أزمة الخليج إلاّ أننا للأسف لم نشعر بهذا أبداً، فعلى العكس من هذه المرونة التي تنمّ عن الكثير من القوة والنضج، نرى ثباتاً على الخطأ وتشنّجاً غريباً في كل المواقف.

أحد الأساليب الثابتة والمستهلكة جداً لدى السلطة في قطر، هي اتهام الآخرين والاستمرار في اتهامهم دون أن تكلّف نفسها النظر إلى ما تفعله وتنتهكه، مبيّنة أنها البريئة والضحية والمظلومة.

والعجيب أن معظم ما تتهم به الحكومة القطرية غيرها نجدها سبّاقة إليه وضليعة فيه، من ذلك ما اتهم به مؤخراً الإعلام القطري الحكومة السعودية بأنها تسعى لإثارة النعرات القبلية، عندما احتضنت تجمّعاً للقبائل المناهضة للنظام القطري، غافلين كالعادة عما تفعله قطر من إذكاء لروح العنصرية والعصبية القبلية.

لنكن أكثر موضوعية ومصداقية، دعونا نعُد بذاكرتنا إلى الوراء قليلاً، فقد قام حمد بن خليفة آل ثاني بزيارة غريبة لبلدة “أشيقر” بالمملكة العربية السعودية في أواخر شهر إبريل (نيسان) من العام الجاري، و”أشيقر” التي تقع في منطقة “الوشم” وتتبع إدارياً لمحافظة “شقراء” تعدّ أقدم بلدان نجد ومسقط رأس قبيلة بني تميم التي ينتمي إليها حكام قطر. هذه الزيارة جاءت قبيل إعلان الرباعي العربي للمقاطعة بخمسة أسابيع تقريباً، دعونا نفترض حسن الظن من هذه الزيارة رغم غرابتها، وأقول غرابتها، لأنها جاءت من حاكم سابق لقطر ووالد للحاكم الحالي إلى معقل رأس قبيلة بني تميم التي ينتمي إليها آل ثاني، هذه القبيلة التي يعيش معظم أبنائها في “أشيقر” التي هي قطعة من جسد المملكة العربية السعودية، هذه المملكة التي يعرف الجميع ما تكنّه الحكومة القطرية لها من عداء ظهر جلياً في تسريبات حمد بن خليفة للقذافي التي سمعها الكثيرون منّا، لذا يمكننا القول إن الزيارة غريبة ومشبوهة!!

لكن التساؤل الأكثر غرابة يتمحور حول ردود فعل من هم في الصورة ذاتها، أهالي بلدة “أشيقر” الذين وما أن انتهت هذه الزيارة التي قاموا بواجب الضيافة المعتاد تجاهها حتى أصدروا بياناً تضمّن استنكاراً لهذه الزيارة التي وصفوها بأنها جاءت لتلوّح براية العصبية القبلية المقيتة، ولتفريق الصف وتقسيم ترابط المجتمع السعودي!

الزيارة أيضاً، كما أشار البيان، تشبه أعمال حمد بن خليفة التي أشعل بها حرائق الربيع العربي في الدول التي مارس فيها شراء الولاءات وتفريق الصفوف والعزف على وتر الدين من خلال جماعة الإخوان الإرهابية، هذا البيان الذي انتهى بمطالبة حمد بن خليفة العودة إلى رشده، وترك محاولاته البائسة لشق الصف ومطالبة ابنه تميم بالترفّع عن التصرفات غير المسؤولة والاعتذار بنفسه عن زيارة والده المسمومة!

لننتقل إلى الحديث عن جانب آخر لذات الزيارة، وهو استقبال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لحمد بن خليفة بعد انتهائه من زيارة “أشيقر”، وهنا يمكنني القول من خلال قراءتي لملامح الوجوه ولغة الجسد، إنه بدا جلياً استياء الملك وعدم رضاه عن هذه الزيارة الغامضة، رغم مظاهر الترحيب التي لقيها حمد بن خليفة ويلقاها بالطبع كل ضيف يحلّ على القيادة السعودية.

لماذا استاء العاهل السعودي إذاً من هذه الزيارة ؟ ولمَ كان اللقاء باهتاً لذلك الحد؟ أسئلة يمكن للجميع الإجابة عنها إذا ما اتسموا بالموضوعية والحيادية، بعيداً عن إساءة الظنون لنصل إلى نتيجة منطقية، من يا تُرى الذي سعى لإذكاء العصبية القبلية وروح الشقاق لدى أبناء المنطقة وعمل على إحياء العنصرية؟

إنّ أسوأ ما نفعله في حياتنا هو أن نقذف بيوت الآخرين بالحجارة حينما تكون بيوتنا من زجاج، فإن كان الإعلام القطري يرى أن السعودية هي من تشعل روح العنصرية والقبلية، فهو يتغافل ويغض البصر تماماً عن النعرات القبلية في قطر والتي وصل بها الحد لتخصيص الوظائف العُليا لقبائل بعينها وتجاهل أبناء قطر الآخرين، وتوزيع الأراضي أيضاً يعتمد على اسم القبيلة، أمّا الغريب فهو أنّ المواطن القطري الذي لم يتواجد أجداده في قطر قبل عام 1930 لا يحق له تملّك الأراضي السكنية والاستثمارية، وهذه عنصرية سبّاقة لم يُسمع عنها من قبل في أي دولة من دول العالم !! ومع كل ذلك يقوم الإعلام القطري بكل غرابة على رمي السعودية بحجارة العنصرية وإحياء الفتنة القبلية غير عابئ ولا مبالٍ ببيته الزجاجي الذي أضحى في مهب الريح التي يؤججها بنفسه لزعزعة الاستقرار في دول المنطقة.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً