الكبت الجنسي.. هل مِن علاج؟

الكبت الجنسي.. هل مِن علاج؟

يواجه الإنسان الذي يعاني من الكبتِ الجنسي مجموعةً من الأحاسيس المتناقضة، تتراوح ما بين الحاجة إلى الحبّ والعاطفة والإشباع الجنسي، وما بين التقاليد الصارمة والعرف الاجتماعي، ما يُجبر الإنسان على كبتِ مشاعره واحتياجاته النفسية والجسدية. ويلجأ البعض إلى إقامة علاقات وهمية لا أساس لها في الواقع، وترافق هذه العلاقات الوهمية الشعور الدائم بالإثم والعار. طبعاً يختلف الكبت الجنسي كثيراً ما بين الرجال والنساء، على رغم أنّ نتيجته واحدة وهي الشعور بالتعاسة والذنب. فما هو الكبت الجنسي؟ وكيف يفسّره علم النفس؟ وهل من علاج؟ يبدأ الكبت في عمر الطفولة، عندما يتربّى الطفل على كبتِ أفكاره وآرائه، ولاحقاً يتوسّع ليطالَ رغباته، وصولاً إلى غرائزه الجنسية حتّى لو في الإطار المقبول اجتماعياً (الزواج). ومن المعروف بأنّ الكبت الجنسي، لا سيّما عند النساء، يمكن أن يؤدي إلى عدّة مشكلات نفسية وعلائقية، خصوصاً مع الزوج، ومن هذه المشكلات، العقم الجنسي وصولاً إلى البرودة الجنسية. أمّا الكبت الجنسي عند الرجل، فقد يؤدي إلى الانحرافات الجنسية والاغتصاب… ما هو الكبت الجنسي؟ “نحن أوفياء لماضينا”، هذا ما عبّر عنه فرويد، أبو التحليل النفسي، حيث اعتبَر أنّ العديد من اتجاهات الإنسان ومعتقداته وتكوين شخصيته وتوجيهه الجنسي، تنشأ وتتكوّن خلال مرحلة الطفولة التي تبدأ منذ ولادة الطفل وتنتهي عندما يصبح مراهقاً. وطبعاً خلال فترة الطفولة، تؤدي التربية دوراً بارزاً في تحديد شخصية وهوية الطفل، حيث تترسّخ التجارب والأحداث التي مرّ بها وتكون كدروس له. كلّ المشاعر والأحاسيس التي نشعر بها تجاه أنفسنا وحتّى ميولنا الجنسية ليست سوى تجارب مرَرنا بها خلال طفولتنا. والكبت الجنسي ليس سوى رفضِ الجسم بسبب تربية خاطئة. ويعتبر علم النفس أنّ الجنس هو حاجة طبيعية ضرورية لكلّ إنسان. فالحاجة الجنسية كالمشرَب والمأكل، وإذا لم يتمّ إشباعها تُسبّب مشكلات نفسية واضطرابات. ويؤثّر الكبت الجنسي سلباً على كفاءات الإنسان. وطبعاً عندما نتكلم عن الكبت الجنسي، لا نعني أن يكون الجنس مباحاً بطريقة لا أخلاقية، ولكن ضمن ضوابط اجتماعية مقبولة مِثل الزواج. ويضيف علم النفس أنّ الكبت الجنسي يؤدي إلى القلق والاكتئاب وإلى إضطرابات نفسية واجتماعية وصولاً إلى عدم قدرة الفرد على تأدية واجباته العملية والاجتماعية. كيف نَعرِف مَن يعاني من الكبت الجنسي؟ يَسهل على الاختصاصي النفسي والعاملين في مجاله، اكتشاف الشخص الذي يعاني من الكبت الجنسي من خلال الكلمات والجمل التي يستعملها في حديثه مع الآخرين ومن خلال تصرّفاته و”لغة” جسدِه. وهناك نقاط أساسية تساعد على تأكيد معاناة الشخص من الكبت الجنسي: أوّلاً، قد يتحدّث هذا الشخص، ليؤكّد بأنّ العلاقة الجنسية (حتّى لو كانت ضمن الأطر المقبولة اجتماعياً)، هي أمر خطير ولا يجب أبداً التحدّث عنها لأسباب اجتماعية. وإذا تناول أحدٌ ما موضوع الجنس حتّى لو بطريقة علمية، يَشعر هذا الشخص بالخزي والعار ويتّهم المتحدّث عن هذا الموضوع بقِلّة الأخلاق. ثانياً، تستحوذ الأفكار الجنسية على كلّ تفكير المكبوت جنسياً، ولكن لا يتحدّث عنها أبداً. مثلاً، يفكّر هذا شخص معظم وقتِه بالعلاقات الجنسية، بالمحرّمات،… أو حتّى يتخايل وضعيّات جنسية،… ولكنّ حياته الجنسية فارغة ويَعتبر أنّ ممارسة الجنس تصرُّف مشين لجسده ولتفكيره. ثالثاً، الرجل الذي يعاني من الكبتِ الجنسي، تكون حياته الجنسية مع زوجته غير ناجحة البتّة. كما لا يستطيع أن يقوم بعلاقة كاملة معها، على رغم أنّ حياته المهنية قد تكون ممتازة. فلا علاقة ما بين الكبت الجنسي والنجاح الاجتماعي. رابعاً، مَن يعاني من الكبت الجنسي، تقتصر معظم تجاربه الجنسية على ناحية المعلومات عن الجنس، فيكتفي بالكتب ولا يستطيع تطبيقَها. لتبسيطِ الصورة أكثر، الرَجل المكبوت جنسياً، يَعرف معلومات لا بأس بها حول الجنس ولكنّه لا يقدر أن يقوم بالعملية الجنسية مع زوجته، أو يمارس الجنس معها لدقائق معدودة فقط كلّ فترة زمنية طويلة الأمد. كما أنّ الزوجة المكبوتة جنسياً، بسبب تربية خاطئة، تُعرف بعلاقتها الجنسية المحدودة الإطار والزمان، أي يمكن أن لا تتعدّى دقائق معدودة، وتشعر بَعدها بالعار والاشمئزاز. خامساً، الأشخاص المكبوتون جنسياً، لا يشعرون بأيّ لذّة جنسية مع الشريك. ويعاني هؤلاء من الأفكار الجنسية والهوامات التي يمكن أن يفكّر بها أيّ شخص. هم لا يحبّون كلّ ما له علاقة بالجنس، كالنِكات ذات الطابع الكوميدي الجنسي، الأفلام الرومانسية،… وصولاً إلى عدم قبول الآخر، ورفضه. سادساً، وأخيراً، المرأة التي تعاني من الكبت الجنسي، تَسعد ببعض الممارسات الخفيفة مِثل اللمس والتقبيل والحَضن، ولكن عند الوصول إلى ممارسة العلاقة الجنسية مع زوجها، تشعر بالرعب والاشمئزاز منه. العلاج…؟ يساعد الكبت الجنسي على ظهور جيل عنيف لا يعرف معنى العواطف والمشاعر، حيث ركَّز “فرويد” على وجود علاقة متينة ما بين الكبت الجنسي والاضطرابات النفسية. واستطاع هذا العالم معالجة مرضاه عن طريق التطرّق لمشاكل تتعلق بتجاربه الجنسية وبرغبات جنسية تمّ كبتها في الصِغر. لا علاجَ للكبت الجنسي. فالشخص الذي تربّى بطريقة قاسية، وترسّخَت في ذهنه فكرة أنّ الحياة الجنسية ضمن الإطار الاجتماعي المقبول، هي عار، لا يمكن تغيير أفكاره. ولكن يمكن التحدّث معه حول المواضيع الجنسية بين الزوجين والتوعية الجنسية وتقسيم الجسد وعن الأعضاء التناسلية. كما يمكن للشخص الذي يعاني من الإحباط الدائم والشعور بالذنب بسبب كبتِه الجنسي، أن يبحث عن الأسباب التي جعلته أسيرَ هذا الكبت. بهذه الطريقة يمكن للمكبوت جنسياً أن يتقبّل نفسَه ويتهيّأ لفكرة الزواج والحياة الجنسية الطبيعية. ولتفادي مشكلة الكبت الجنسي، يجب الانتباه إلى النقاط التالية: • التربية الجنسية أساسية منذ صِغر الطفل، أي التفسير للطفل حسب عمره العقلي عن كلّ الأسئلة «الجنسية» التي يمكن أن يطرحها على الأهل. • عدم قمعِ الطفل مهما كانت احتياجاته أو أسئلته. • الرعاية والاهتمام وتقديم العطف والمحبّة والحنان للطفل. • مساعدة المراهق الذي يعاني من الكبتِ الجنسي من خلال الاستماع له ودعمه بطريقة علمية وأخلاقية وليس فقط توجيهه بطريقة قاسية. (د. أنطوان الشرتوني – الجمهورية)

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً