قطر نهاية عصر “سياسة الشيكات” وبداية عهد “الحساب والعقاب”

قطر نهاية عصر “سياسة الشيكات” وبداية عهد “الحساب والعقاب”

يعيش الخليج العربي منذ أكثر من أسبوع على وقع “اختراق” موقع الوكالة القطرية، وتداعياتها التي تجاوزت الخليج لتشمل الإقليم برمته، وفاضت على مختلف الدول العربية، من الشام إلى المغرب العربي، مروراً بمصر، وبعد اتهام إعلام الجارتين الكبيرتين في المنطقة، قطر بالغدر والخيانة، ودعم الإرهاب، والتواطؤ مع إيران، لا يبدو أن الأزمة الحالية مرشحة للحل قريباً. ورغم مسارعة الأمير تميم بن حمد بالتحول إلى الكويت “لتهنئة أميرها” الشيخ صباح الأحمد الصباح، برمضان إلا أن الواضح أن الحريق الذي شب في الدوحة، دق جرس الحساب والعقاب، وبدأت طوابير المتضررين، من دول الخليج، والعراق، ومن سوريا، إلى مصر، وليبيا، وتونس، ومنها إلى أوروبا الغربية، تطالب بالعقاب ومحاسبة المتسببين في المصائب والجرائم الكثيرة التي دفع العالم العربي وأجزاء واسعة من العالم ثمنها، بسبب الدعم والتمويل القطري.شيكات الرشاوىوإذا كانت قطر ومنذ عهد الأمير السابق حمد بن خليفة، وفي عهد خليفته تميم بن حمد، تعودت على مواجهة مثل هذه الهزات بفضل سياستها الخارجية ودبلوماسيتها الناجعة، التي لا تقوم على عمل السفارات أو المبعوثين الخاصين والمفاوضين، بقدر ما تقوم على عدد الأصفار التي تتضمنها الشيكات التي تُمضيها الإمارة، لتحقيق الأهداف المرجوة، وإقناع المناوئين أو المعارضين، الاستراتيجية التي أثبتت نجاعتها على امتداد سنوات طويلة، بفضل تضخم العائدات المالية التي تمتعت بها الإمارة، وتحديداً الجهات المكلفة بتنفيذ خطة ومشروع الأمير السابق، ثم الأمير الصغير الحالي الذي وضع رجليه في خفي والده للسير على النهج نفسه، رغم تغير العالم وتحوله، وتغير رموزه وأقطابه وتحالفاته وتناقص مصالح الحلفاء السابقين والحاليين مع سياسة الشيكات القطرية، التي لم تعد قادرة على شراء الشيء الكثير بعد كل ما نجحت فيه سابقاً.ورغم إصرار قطر اليوم، ببراءتها من دم “يوسف العربي” كما بالأمس، كما قبل سنة، أو سنتين أو سبع سنوات، فإن لا أحد يُصدق الدوحة، التي لا تُصدق نفسها قبل أن يُكذبها غيرها، والتي كشفتها بعض الكتب والتقارير المطولة التي وضعها صحافيون مميزون مثل نيكولا بو وجاك ماري بورجي، كتابهما الشهير الذي كان له أثر القنبلة في باريس “قطر: البطة اللئيمة الصغيرة، الصديق الذي لا يريد لنا خيراً” في منتصف سنة 2013، مثلاً الكتاب الذي هتك أسرار الفساد القطري في باريس، وإفساد النظام القطري الحياة السياسية الفرنسية، عبر الرشوة، والإغواء، والابتزاز أحياناً لوزراء، ونواب، ومسؤولين سياسيين، ودبلوماسيين فرنسيين وأجانب في باريس وعائلاتهم، للضغط على الحكومة وصنع القرار في باريس، للفوز بصفقات مالية وتجارية وعقارية كبرى، مع ضمان امتيازات ضريبية هائلة “للاستثمارات القطرية” في فرنسا، بفضل الرئيس السابق وصديق العائلة الحاكمة الشخصي نيكولا ساركوزي.نهم الشراءولكن هذه السياسة التي فضح فصولها أيضاً الكتاب المدوي الثاني “قطر أسرار الخزينة” للصحافيين الكبيرين كريستيان شينوست، وجورج مالبرونو، في أواخر 2013، والتي قامت على الربط بين الفساد والشيكات في الاتجاهين، في اتجاه داخلي أولاً مثلاً كما عند الانقلاب على الأمير الوالد مثلاً، ولجوء الأمير السابق حمد وفق الكتاب إلى شركة توتال الفرنسية، لتأمين الأموال لدفع رواتب وأجور الموظفين بعد إفلاس الخزانة القطرية غير المعلن، بسبب وضع الأمير الوالد المعزول يده على كل الأموال التي كانت في خزائن الدوحة قبل تنحيته عن الحكم.أما في اتجاه الخارج فإن الشيكات الموقعة لشراء “الأشخاص والولاءات” كما يتبين بعد فضيحة الخزينة التي هُتكت أسرارها، لم تتوقف يوماً واحداً، وتطورت وتيرة توقيع الشيكات منذ بداية أحداث ما يُعرف بالربيع العربي، بعد أن تحولت شهية الدوحة من السعي لشراء الشركات والمؤسسات إلى محاولة شراء بلدان، ودول، أو على الأقل أنظمة سياسية وأحزاب، ثم حركات إرهابية متطرفة، ومتطرفين يعملون في السر والعلن على تفجير المنطقة العربية ودولها بفضل الشيكات القطرية، التي تعكس امتعاض الدوحة من استعادة دول مثل مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، واليوم المغرب، فضلاً عن سوريا، أو العراق، أو الصومال، أو غيرها من الدول المهمة في القوس الممتد من الخليج إلى المغرب العربي.وفي إطار “الربيع العربي” تمسكت قطر منذ 2010، بالاستراتيجية القديمة نفسها التي وضعتها قيادة البلاد السابقة ممثلة في الأمير حمد بن خليفة، ورئيس حكومته السابق الشهير حمد بن جاسم، ما يكشف عجزها عن مواكبة التحولات والتغيرات الإقليمية والدولية، وهو بالضبط ما يعكسه الإصرار على لعب الأدوار القديمة، بنفس الديكورات والملابس والأدوات، في الوقت الذي انصرف فيه الجمهور عن مسرحها منذ زمن طويل، بعد إضاءة القاعة واكتشاف كل الخدع الخفية.الحساب والعقابولم يكن “اختراق الوكالة القطرية” المزعوم سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، ولم يعد الموضوع اختراقاً مزعوماً أو حقيقياً، بل تحول إلى مطالبة بكشف الحساب والعقاب، وذلك في الوقت الذي تُصر فيه الدوحة في ترديد نفس الأسطوانة المشروخة عن المؤامرة، وعن التزامها بدعم جهود دول الإقليم والعالمي في مكافحة الإرهاب، حتى موعد الرياض وقممه الثلاث، التي مثلت المسمار الأخير في نعش الخديعة واللغة المزدوجة، بعد أن أصبحت الشيكات القطرية على ما يبدو مثل “عُملة القردة” كما يقول المثل الفرنسي، أو العملة التي لا تُضاهي شيئاً مثل قشور الفول السوداني التي تتبادلها القردة في أقفاصها أو في حدائق الحيوان المفتوحة.وبعد صدمة التقارير الدولية التي وضعت الإصبع على الداء في سياسة قطر الخارجية والإقليمية، وبعد التحول الاستراتيجي المثير في ليبيا هذه الأيام، تتويجاً للمسار التصالحي الذي انطلق من أبوظبي قبل أسابيع، وبعد عودة مصر إلى أبنائها وعودة الوعي إلى الرأي العام فيها، وبعد تحول تونس عن جلباب الإخوان والدواعش، والعاصفة التي أطلقها رئيس الحكومة ضد الفساد والإرهاب الذي كشف صلات وعلاقات مالية بين المال القطري واستشراء الفساد في تونس والإرهاب في شمال أفريقيا، بدأت قطر اليوم تجني ثمار ما زرعت منذ سنوات.ففي ليبيا اتهم المشير حفتر قائد الجيش الذي استعاد عافية وقوة وتصميماً مثيراً في الفترة الأخيرة “قطر بدعم الإرهاب وتمويل ميليشيات إرهابية” وعاد المشير الليبي الأربعاء، ليتوعد بمحاسبة قطر قائلاً في تصريح نشرته وكالة الأنباء الرسمية صباح الأربعاء إن ” العمل الإرهابي الذي قامت به قطر على الأراضي الليبية لن يمر مجاناً”.وكشفت التقارير الليبية والدولية الدور الخطير الذي لعبته قطر منذ بداية الأحداث، أولا عن طريق الجزيرة، ثم عن طريق مخابراتها، وأخيراً عبر شيكاتها في توفير الدعم المالي واللوجستي ثم العسكري، للحركات الإرهابية التي تأسست وقامت على يد ضباط مخابرات قطريين، قبل الانتشار في كامل المناطق الليبية ومنها في مناطق أخرى من المغرب العربي، والتمدد جنوباً نحو مالي والنيجر والصحراء الكبرى.تدخل قطريوقام التدخل القطري على تحطيم مقومات الدولة الليبية من جهة، وتأمين سبل التمدد والنمو للتشكيلات الإرهابية، وذلك بتمويل القاعدة، وداعش، والإخوان والمنظمات المالية لهم مثل المقاتلة، أو مجالس الثوار في المدن المختلفة مثل بنغازي، أو درنة، أو البيضاء، وغيرها من المدن الأخرى، أو المجالس العسكرية التي قامت في غرب ليبيا، مثل طرابلس والزاوية ومصراتة وزنتان وغيرها، والتي هيمن عليها أنصار الإخوان، والجماعة الليبية المقاتلة، بزعامة عبد الحكيم بلحاج، وعشرات القياديين المقيمين في ليبيا، أو في مانشستر وهو ما أكدته الأحداث الأخيرة في بريطانيا مثلاً، والذي أثار الاهتمام من جديد بالدور القطري في دعم الإرهاب وتمويله واحتضانه.وفي تونس المجاورة ومنذ انطلاق الحملة ضد الفساد، في بداية الأسبوع الماضي، كشفت التحقيقات التي قامت بها النيابة العسكرية بعيداً عن التقاضي العادي، ارتباط الفساد بالإرهاب، وارتباط الإثنين معاً بالتدفقات المالية من الخارج خاصةً من قطر، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تحويل ضم الجمعيات الخيرية، والدينية، وغير الربحية الكثيرة التي تقبض أموالاً ضخمةً من قطر، إلى قائمة المستهدفين من حملة مكافحة الفساد والإرهاب.وتتزامن الحملة مع حملة أخرى سبقتها بأسابيع قليلة لمكافحة تهريب الشباب إلى دول الحرب والقتال مثل سوريا والعراق وليبيا، بتمويلات من جمعيات مشبوهة، وإحداث لجنة برلمانية للتحقيق، وفي هذا السياق قالت رئيسة اللجنة ليلى الشتاوي، إن قطر تورطت وفق التحقيقات المبدئية التي انطلقت منذ فترة قصيرة في تمويل أكثر من 200 “جمعية ومنظمة تنشط تحت غطاء العمل الدعوي والديني والخيري، وتخصصت في تهريب وتسفير الشباب إلى ليبيا المجاورة، وسوريا والعراق، للقتال في صفوف داعش والنصرة”.وفي مصر لا يحتاج المتابع إلى جهود خاصة يبذلها لمتابعة وملاحقة سرطان الإرهاب في البلاد، بفضل التدفقات المالية والدعم الإعلامي واللوجستي، الذي يقدمه الإخوان المقيمون في قطر منذ سنوات طويلة، أو الذين لجأوا إليها في السنوات القليلة الماضية، إلى جانب الدعم الإعلامي والمالي المباشر الذي تقدمه الدوحة عبر مؤسسات مختلفة مثل الجزيرة، وشبكاتها، أو المنظمات الإنسانية والدعوية والخيرية، أو عبر مراكز الأبحاث والدراسات وغيرها، فضلاً عن الشبكات الإرهابية المنتمية إلى داعش، والقاعدة من جهة، ولطالبان الأفغانية، أو حماس الفلسطينية، أو غيرها من التنظيمات السرية والعلنية التي تجتمع جميعها في الدوحة.الإرهاب ثابت قطريولم يقف الأمر عند هذا المستوى، وتدرك الدوحة تماماً منذ سنوات، ومنذ أزمة السفراء السابقة على الأقل، حجم الامتعاض والسخط الإقليمي والدولي أيضاً من رقصها من الذئاب التي لن تكتفي بنهش لحم قطر وحدها، بل تسعى إلى أن ترتع في أقرب فرصة في بقية دول الخليج الأخرى، ورغم محاولة ردع الأمير الشاب حيناً ونصيحته حيناً أخر، والحرص على إقناعه بخطورة الرهانات التي يُسميها الإعلام القطري منذ الثلاثاء “الثوابت” إلا أن ذلك لم يُغير في الأمر شيئاً، قبل أن تستعيد دول الجوار وبعض الدول العربية الأخرى المبادرة.فبعد تقارير الإعلام الأمريكي ومراكز التحاليل عن الدعم الهائل للإرهاب في الشرق الأوسط بنوعيه الإخواني المصري، والداعشي القاعدي في سوريا والعراق، وليبيا، كانت خطوة وزارة الخزانة الأمريكية التي أدرجت قطريين وعرباً على قوائم الإرهاب، أشهرهم القطري عبد الرحمن بن عمير النعيمي، الحقوقي القطري وممول القاعدة، والقاعدة في الجزيرة العربية، ثم داعش، تحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية القطرية، ومباركتها بما أن النعيمي نفسه يُشرف على إدارة منظمة “خيرية” تتبع عائلة آل ثاني الحاكمة نفسها.وإلى جانب النعيمي، أدرجت الإدارة الأمريكية اليمني عبدالوهاب بن محمد الحميقاني، الناشط بين الدوحة ومدنية البيضاء، لتبييض ملايين الدولارات القادمة من قطر، لفائدة القاعدة في شبه جزيرة العربية.أما أخطر الموجودين على القائمة فهو الملاكم التونسي السابق والقيادي الخطير في داعش طارق الحرزي، الذي أقام في قطر ويتردد عليها سراً حسب أكثر التقارير الأمريكية تداولاً مثل تقارير معهد واشنطن، وتتهم الولايات المتحدة الحرزي بتدوير مئات الآلاف وملايين الدولارات عبر الخليج بشكل عام، وانطلاقاً من الدوحة لفائدة داعش في سوريا والعراق، ورغم التحذيرات والتلميحات والشكاوى أحياناً لم تتحرك الدوحة، ولم تغلق أي حساب مالي، أو لاحقت أي ممول للقاعدة أو لداعش، وطبعاً للإخوان المسلمين المنتشرين في عشرات الدول.إن ما لا تدركه قطر بتعمد الاستمرار في هذه السياسة، ببساطة هو أن ما كان صالحاً في سنة 2000 لم يعد كذلك في 2017، فالعالم تغير بشكل ونسق سريع، الدول نفسها تغيرت، والسياسات تطورت وتحولت، و”العيال” يحكمون فرنسا، وكندا، وإيطاليا، و بلجيكا، وغداً إسبانيا في الغرب، وفي الشرق الأوسط ظهرت وجوه، واختفت وجوه، وجاء ساسة ورحل آخرون، أو سيرحلون قريباً، ولكن الدوحة وحدها، تعتقد حتى الساعة أن الأرض لا تدور حول محورها، وحول الشمس، ولكنها تدور حول دفر شيكات يحمل إمضاء تميم بن حمد.

رابط المصدر: قطر نهاية عصر “سياسة الشيكات” وبداية عهد “الحساب والعقاب”

اترك تعليقاً