نازحو ليبيا.. غرباء تحت سماء الوطن

نازحو ليبيا.. غرباء تحت سماء الوطن







وجوه كالحة تختصر مأساة بلد من أغنى بلدان العالم بثرواته الباطنية وأرصدته المالية المجمدة أو المهدرة عبثاً، وعيون تحدق في الأفق بحثاً عن نقطة ضوء تجسّد أملاً بالعودة إلى الديار التي غادرها أصحابها بسبب عنف الميليشيات والصراع الدموي الذي شهدته أغلب مدن ليبيا خلال السنوات الأخيرة، وأصوات أصابتها حشرجة الأسف على واقع مرير يعيشه النازحون…

وجوه كالحة تختصر مأساة بلد من أغنى بلدان العالم بثرواته الباطنية وأرصدته المالية المجمدة أو المهدرة عبثاً، وعيون تحدق في الأفق بحثاً عن نقطة ضوء تجسّد أملاً بالعودة إلى الديار التي غادرها أصحابها بسبب عنف الميليشيات والصراع الدموي الذي شهدته أغلب مدن ليبيا خلال السنوات الأخيرة، وأصوات أصابتها حشرجة الأسف على واقع مرير يعيشه النازحون من مدنهم وقراهم، وعصف بها الحنين إلى مراتع الصبا والشباب التي اضطروا قسراً إلى مغادرتها، لينتقلوا إلى مناطق أخرى، هي تقف تحت سماء الوطن، ولكنها ليست مسقط الرأس، ولا جامعة الأهل والأحباب والجيران.

أنها مأساة صامتة، ونادراً ما يتم التعرض لها في وسائل الإعلام، نظراً لزحمة الأحداث ولعنف الصراع وتواتر التحركات السياسية بحثاً عن حل، وكذلك بسبب عزوف أصحاب القرار عن الاهتمام بالملف الإنساني، والاهتمام أكثر بالجانب السياسي بما يمثله من تقاسم لغنيمة الحكم، والجانب الاقتصادي الذي يضع النفط والغاز في مقام أهم من مقام البشر ممن عبثت بهم المواجهات المسلّحة وثقافة الانتقام المسيطرة على الجماعات المسلّحة.

غير أن أوضاع المهجّرين داخل بلادهم لا تزال تستصرخ الضمير العالمي ليضعها في صدارة اهتماماته، خصوصاً بعد أن حطت الحرب أوزارها، وهو ما يتطلب بالأساس نزع سلاح الميليشيات التي لا تزال ترهب كل من تعتقد أنه يختلف مع توجهاتها ومواقفها، مثلما حدث في مدن غرب البلاد، التي شهدت موجة تهجير لأبنائها ممن كانوا يدعمون الجيش الليبي في وجه مسلحي الميليشيات والتدخل التركي.

وفي ديسمبر الماضي، قالت الأمم المتحدة إن 392 ألف ليبي يعيشون مرارة مأساة النزوح من بينها 316 ألفاً و415 نازحاً مسجلاً لديها، ولفت رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد عبد الحكيم حمزة، إلى أن مدن صرمان وصبراتة وترهونة والعجيلات، بغرب البلاد، والتي شهدت مواجهات مسلّحة خلال العام سجلت أوسع موجة نزوح وتهجير قسري للمدنيين، وأن سياسة الإفلات من العقاب تعد بمثابة تحريض على استمرار هذه الانتهاكات، مشيراً إلى أن اللجنة أوصت بعثة الأمم المتحدة خلال بدء المسارات السياسية والعسكرية بأهمية إيلاء ملف المهجّرين والنازحين داخلياً أهمية قصوى ووضع ترتيبات للعودة الآمنة، وجبر الضرر وتعويض المتضررين وإنهاء الإفلات من العقاب وإلزام كل الأطراف السياسية والعسكرية بأهمية تقديم المتورطين في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان للعدالة.

في مخيم بحي قاريونس الواقع بالمدخل الغربي لمدينة بنغازي ثاني كبرى المدن الليبية. والذي يحده من الشمال حي القوارشة وحي الفويهات، وغرباً حي قنفودة ومن الشرق حي طابلينو، توجد 326 أسرة تنحدر من مدينة تاورغاء التي تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة مصراتة بحوالي 38 كم، وعن طرابلس بحوالي 250 كم، وتبعد عن بنغازي بمسافة 780 كلم، وهي من بين العائلات التي اضطرت إلى الفرار من جحيم الميليشيات في العام 2011، حيث تم تهجير كل سكان المدينة وعددهم يتجاوز 45 ألف نسمة، ونهب منازلها قبل حرقها، وحرق البساتين، بدعوى موالاة التاورغائيين لنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، ولا تكاد توجد أسرة من تاورغاء دون أن تسجل في صفوفها قتيلاً أو مفقوداً أو محتجزاً أو أكثر لدى ميليشيات مصراتة، في حين انتقل الأهالي إلى مواطن للجوء في مدن عدة من بينها العاصمة طرابلس وبني وليد، وصولاً إلى سرت وإجدابيا وبنغازي.

تحول مخيم قاريونس إلى مجتمع محلي، حيث يمكن للزائر أن يستمع فيه إلى أغانٍ وإيقاعات تاورغائية، وأن يجد من كبار السن من يحدثه عن تاريخ المدينة التي تحمل اسماً أمازيغيا قديماً بمعنى اللون الأصفر، ويعود تاريخها إلى 5 آلاف عام قبل الميلاد، وعن سر السمرة التي تكسو كل أبنائها، ويصف له طبيعتها الساحرة حيث واحات النخيل الباسق وسواقي الماء ونبات الديس الذي تصنع منه الحصر التقليدية، وتفتل منه الحبال،

كما يمكن للزائر أن يرى الأطفال وهم يلعبون رغم الحاجة والعوز، ومنهم من يعمل ليعين أسرته، فالحياة في المخيم صعبة، والوضع الاقتصادي والمالي في البلاد يواجه أزمة حادة، ومداخيل النازحين تكون منعدمة لولا المساعدات الحكومية ومواد الإغاثة الإنسانية التي توفرها مفوضية شؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) وغيرها من المنظمات.

مجتمع محلي

ويوجد في بنغازي لوحدها أكثر من 30 ألف نازح من بينهم 2800 أسرة من تاورغاء، ويقول صلاح العماري المكلف بإدارة مخيم قاريونس «إن النازحين يحاولون التكيف مع الواقع الذي فرضته عليهم رحلة التهجير القسري من موطنهم الأصلي، وهم يتعاونون فيما بينهم، وأصبحوا بالفعل يمثلون مجتمعاً محلياً، حيث نقلوا معهم عاداتهم وتقاليدهم وخصوصياتهم الاجتماعية والثقافية، ويرفضون أن يكون وضعهم الاستثنائي سبباً في ضياع أبنائهم، وإنما يعملون على تعليمهم، وقد برزت منهم مواد في مجالات مختلفة». ويشير العماري إلى أن لا شيء يمكن أن يحل الأزمة ويعيد النازحين إلى ديارهم إلا الحل السياسي بما يعيد بناء مؤسسات الدولة وتمكينها وحدها من بسط نفوذها الأمني على المجتمع، لافتاً إلى أن المصالحة الوطنية يجب أن تكون على رأس اهتمامات الجميع، ومعتبراً أنه لا يمكن الحديث عن تجاوز الأزمة المستفحلة من عشر سنوات إلا بفتح ملف النازحين على أسس جدية والسماح لهم بالعودة إلى ديارهم.

من جهتها، تروي عجوز داخل المخيم أنها لا تتمنى شيئاً كما تتمنى أن تدفن في تاورغاء عند وفاتها، وخاصة في مقبرة «السيدة عائشة»، مشيرة إلى أنها ذكريات سنوات عمرها الـ70 التي قضتها في مدينتها، قبل أن تقضي تسع سنوات تحت وطأة التهجير بسبب الميليشيات التي اعتدت على الحرمات، وقتلت الأبرياء، ولاحقت النازحين حتى في بني وليد وسرت وطرابلس، وجعلت من «فندق جنات» وهو مقبرة تم تخصيصها في مدينة مصراتة لدفن الآلاف من قتلى الصراع المسلح، فضاء لدفن إعداد كثيرة من شباب ورجال تاورغاء ممن تمت تصفيتهم ميدانياً أو قتلهم في المعتقلات تحت التعذيب لأسباب تبدو واهية، ولكنها في الحقيقة تخفي وراءها أبعاداً عنصرية، وأخرى متصلة بالرغبة في وضع اليد على المدينة وواحاتها وبساتينها وأراضيها الخصبة

وما تصر هذه المسنة على عمله يومياً، هو جمع أحفادها ومعهم أطفال الجيران في المخيم لتقص عليها حكايات عن تاورغاء وأهلها وتاريخها وطبيعتها، فالقضية بالنسبة إليها مرتبطة بالذاكرة التي يجب أن تحافظ على رصيدها وألا تتخلى عنه، وأن تنقله إلى الأجيال الجديدة، ومنهم أولئك الأطفال الذين ولدوا في المخيمات

ودوّن أبناء تاورغاء مأساتهم في أغانٍ ملحمية، ويرددون بلوعة الحنين قصيدة الشاعر الراحل عمر حسن التاورغي «مشتاق لناس وهلي» والتي أجمل فيه مواجع الشوق إلى مضارب الأهل والأحباب، كما تم إنجاز شريط وثائقي من إعداد الباحث والحقوقي سراج الدين التاورغي وإخراج مصطفى الزاوي يحاكي معاناة التهجير القسري لأبناء مدينة تاورغاء، وتمت ترجمته إلى لغات عدة لإيصال أصوات الأهالي إلى العالم.

ملف كامل

تقدم سراج الدين التاورغي بملف كامل حول تهجير سكان مدينة تاورغاء إلى المقرر الخاص بالشعوب الأصلية بالمجلس الدولي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، منبهاً إلى الدور الذي كانت ولا تزال تلعبه حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في تقديم الحماية للميليشيات المتهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق سكان مدينة تاورغاء، موضحة دور تركيا في تقديم الدعم اللوجيستي للميليشيات المسلّحة المتهمة بارتكاب هذه الجرائم. وأكد التاورغى أن حكومة السراج وتركيا انتهكتا نصوص القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان وفي القلب منه إعلان الأمم المتحدة بشأن الحقوق الأصلية الصادر في عام 2007، داعياً المقرر الخاص بالشعوب الأصلية ومكتبه إلى التحقيق في تلك الوقائع وأن يطلب من الحكومة الليبية زيارة عاجلة لمدينة تاورغاء ومدينة بنغازي للتحقيق فى هذه الوقائع.

ووفق الأمم المتحدة «شهدت ليبيا موجات عديدة من الصراع المسلح وحركات النزوح منذ فبراير 2011 حين اندلع القتال بين القوات الموالية لنظام القذافي وبين الساعين للإطاحة بحكومته. ومنذ ذلك الحين لا تزال ليبيا تعاني من الاضطراب السياسي والاشتباكات بين المجموعات المسلحة المتنازعة تصاعدت حدته في عام 2014 مما أدى لنشوب نزاعات مسلحة في بنغازي وطرابلس ومصراتة ومدن أخرى، الأمر الذي أدى إلى تدمير الممتلكات وسقوط العديد من الضحايا في صفوف المدنيين وتسبب في موجات هائلة من النزوح. ووجد 400 ألف شخص (أي ما يعادل 6 – 7فيب المئة من عدد سكان ليبيا) أنفسهم نازحين في بلادهم جراء تجدد أعمال العنف في عموم البلاد، منذ العام 2014 تباعاً ولا يزال الكثير منهم يعانون من تبعات هذا النزوح. أضف إلى ذلك، اضطرت معظم السفارات الأجنبية ومنظمات الأمم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر وغيرها من المنظمات الدولية لسحب موظفيها وإيقاف أعمالها في 2014 نظراً لتدهور الأوضاع الأمنية. وبالنسبة للأمم المتحدة، لا تزال حالة الإجلاء قائمة لم ترفع»

وكانت المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، سيسيليا جيمينيز داماري،قالت في تقرير لها أن «العديد من النازحين إضطرإلى النزوح الى المدن حيث تقل معاناتهم من أقرانهم. غير أن هذا ينبغي ألا يدفعنا لغض الطرف عن وضع مئات الآلاف من النازحين في جميع أنحاء البلاد الذين ما زالوا يحاولون إعادة بناء حياتهم، وأولئك الذين يكابدون يومياً بسبب نزوحهم. إن أثر هذا على حياتهم هائل فهم مستضعفون ويتعرضون لمشاق كبيرة لذا ينبغي على الحكومة وشركائها من المؤسسات الوطنية والدولية أن تدرك حجم معاناتهم وتعمل على معالجتها. ولا توجد أرقام مؤكدة عن العدد الكلي لليبيين النازحين إلى المدن كطرابلس وبنغازي على سبيل المثال، ويعزى ذلك أيضاً لخوف النازحين أنفسهم من تعريض أنفسهم لمخاطر الحماية في حال تسجيلهم كنازحين. ويساورني القلق من أن هذا الجانب من النزوح في ليبيا يجد اهتماماً أقل نسبياً على النطاقين الوطني والدولي».

ويقول الناطق باسم مفوضية شؤون اللاجئين، أندريه ماهيسيتش إن النازحين أخبروا موظفي المفوضية بحاجتهم الماسة إلى المساعدة، حيث كان الكثيرون يتدبرون أمرهم بأنفسهم من خلال العمل اليومي، والذي توقف بسبب حظر التجول والقيود الأخرى المتعلقة بانتشار جائحة كوفيد19، مشيرا إلى استطلاع للرأي أجراه مركز الهجرة المختلطة يفيد بأن 75 في المئة من اللاجئين والمهاجرين فقدوا وظائفهم.

وفي دراسة عن قضية النازحين في ليبيا، بيّن الباحث بالمنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات محمد تنتوش،، أن مسألة النازحين كانت نتيجة حتمية لحالة الصراع المسلح الذي شهدته مناطق شاسعة في البلاد. وأضاف أن تفاقم هذه القضية واستمرارها منذ العام 2011 يضعها على أولويات القضايا المرتبطة بتحقيق المصالحة الوطنية، حيث أنها في بعض الحالات تمثل بادرة حسن نية من أجل إنهاء الصراع بين مناطق معينة، وفي حالات أخرى تعتبر نتيجة ضرورية لتحقيق المصالحة،مستخلصا أن أوضاع النازحين السيئة تعتبر من أكبر الدوافع التي يجب من أجلها تحقيق المصالحة وإنهاء الصراع في البلاد.

أثر كبير

ويرى الباحث أن أثر الانقسام السياسي على ملف النازحين لا يكمن فقط في كونه السبب الرئيس في بدء حالة نزوح السكان نتيجة تحول هذا الانقسام إلى مواجهات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، بل يتجاوزه إلى أبعد من ذلك، حيث كان له أثر كبير على كفاءة الجهود الإنسانية وأثر على المنظمات الإغاثية في تنفيذ أعمالها في تقديم المساعدة، فضلا عن عدم قدرة الكثير من العائلات النازحة على العودة إلى منازلهم بفعل عدم قدرة أطراف الصراع على التمييز بين الخصومة السياسية والعسكرية في أراض القتال، وبين تحييد الأبرياء عن آثار هذا الصراع الذي ترتب عليه وجود أكثر من حكومة في البلاد، بما عرقل الجهود الإنسانية الدولية والمحلية بشكل كبير.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً