هآرتس: جميل مردم كان عميلاً مزدوجاً

هآرتس: جميل مردم كان عميلاً مزدوجاً







كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، اليوم الجمعة، عن تفاصيل مثيرة للجدل تتعلق برئيس وزراء سوريا الأسبق جميل مردم بك، تشير إلى أنه كان يسرب معلومات أمنية حساسة إلى 3 جهات على الأقل، من بينها قيادات يهودية ساهمت لاحقاً في قيام دولة إسرائيل. من هو جميل مردم بك؟ويعتبر جميل مردم بك (توفي عام 1960) زعيماً وطنياً سورياً لكونه قاد نضال …




رئيس الوزراء السوري جميل مردم بك (أرشيف)


كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، اليوم الجمعة، عن تفاصيل مثيرة للجدل تتعلق برئيس وزراء سوريا الأسبق جميل مردم بك، تشير إلى أنه كان يسرب معلومات أمنية حساسة إلى 3 جهات على الأقل، من بينها قيادات يهودية ساهمت لاحقاً في قيام دولة إسرائيل.

من هو جميل مردم بك؟
ويعتبر جميل مردم بك (توفي عام 1960) زعيماً وطنياً سورياً لكونه قاد نضال بلاده ضد الاستعمار وكان أحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة المعارضة للحكم العثماني، والكتلة الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي في سوريا.

شكّل مردم أول حكومة له في ديسمبر (كانون الأول) 1936 قبل أن يعتزل العمل السياسي تماماً إبان هزيمة الجيش السوري في حرب فلسطين الأولى عام 1948.

التجنيد
ويشير البروفيسور مائر زامر، كاتب التقرير، أن مردم بك تم تجنيده في البداية من قبل المخابرات البريطانية “أم آي 6” وتحديداً من قبل رئيس المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط، العميد إيلتيد نيكول كلايتون، ورئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري السعيد.

ولدى اكتشاف المخابرات الفرنسية عمالته للبريطانيين، ابتزته وجندته، قبل أن يتم تجنيده من قبل الإسرائيليين، وتحديداً من قبل ديفيد بن غوريون، الذي أصبح لاحقاً أول رئيس وزراء لإسرائيل، ومنظمة الهاغاناه العسكرية التي نشطت في الفترة السّابقة لإعلان دولة إسرائيل، وتحولت لاحقاً إلى الحجر الأساس لجيش إسرائيل الحالي.

ويلفت زامر إلى أن ما نشره اليوم هو جزء من كتاب سيصدر في العام المقبل حول ما يراه التنافس المخابراتي البريطاني – الفرنسي في الشرق الأوسط.

ويفيد تقرير الصحيفة أن علاقة مردم بك بالبريطانيين شملت التنسيق لإنشاء “سوريا الكبرى” عبر إخراج الانتداب الفرنسي وضم سوريا الحالية مع العراق وشرق الأردن لإنشاء أرض هاشمية جديدة، بحيث تتمتع بريطانيا -التي كانت تسيطر على هذين البلدين- بالهيمنة على دمشق أيضاً، وكان حصل مردم بك على وعد بأن يكون حاكماً على “سوريا الكبرى” ضمن هذا الاتفاق تحت الملكية الهاشمية.

تحول البوصلة إلى فرنسا
وبحسب التقرير، ولدى علم الفرنسيين بهذا المخطط، أرادوا ابتزاز مردم بك ليكون جاسوساً لهم، عندما كان في سوريا، ثم عندما بات ممثلاً لسوريا في الجامعة العربية الناشئة حديثاً في مصر.

وبدأ الابتزاز عندما هدد الفرنسيون بنشر الوثائق التي بحوزتهم، وتسريب المعلومات لخصومه السياسيين، ما دفع مردم إلى الاستقالة، في أغسطس (آب) 1945، بعد التشاور مع البريطانيين، لكنهم لم يعرفوا أنه استسلم للابتزاز وأصبح عميلاً مزدوجاً. فبات مردم في تلك الفترة مزوداً مهماً للمعلومات حول نوايا الجيش البريطاني وأجهزة مخابراته في الشرق الأوسط.

ولأن الفرنسيين لم يمتلكوا قنوات تواصل مناسبة في مصر، تم الاستعانة بإلياهو ساسون، عميل للهاغاناه، في مصر. وهذا ما قاد مردم بك لأن يكون مصدر معلومات للإسرائيليين خصوصاً للمعلومات حول الخطط البريطانية ضدهم، لكون أن البريطانيين أرادوا الاحتفاظ بفلسطين أرضاً تابعة تابعة لهم، حتى لو بشكل غير مباشر عبر ضمها للعرش الهاشمي، وكانوا يعتبرون قيام دولة إسرائيل انتصاراً للنفوذ الفرنسي والأمريكي.

ومن المعلومات الحساسة التي أوصلها مردم بك لبن غوريون كان تحذيراً من أن البريطانيين ينوون القبض عليه ونزع سلاح الهاغاناه.


هروب بن غوريون
وذكرت “هآرتس” أنه “منذ يوليو (تموز) 1945، استعد بن غوريون لاحتمال هجوم من قبل الدول العربية إذا أعلنت إسرائيل قيامها، لكن المعلومات الواردة من مردم حولت الأضواء إلى مكان آخر، حيث علم بن غوريون أن التهديد المباشر لقيام الدولة اليهودية لا يكمن في هجوم من قبل الجيوش العربية، ولكن في خطة القادة العسكريين البريطانيين ووكالات المخابرات في الشرق الأوسط؛ لإحباط هذا التطور بوسائل أخرى مختلفة”.

وتابعت: “شمل ذلك إعلان مليشيا الهاغاناه منظمة إرهابية، ونزع سلاحها، وتنفيذ خطة سوريا الكبرى، التي بموجبها سيتم إنشاء كيان يهودي محدود في فلسطين الانتدابية، ولكن ليس دولة مستقلة”.

وفي 29 يونيو (حزيران) 1946، اعتقلت وحدات من الجيش البريطاني قادة المنظمة اليهودية بعملية شهيرة عرفت باسم “عملية أجاثا -السبت الأسود”، وكان الهدف الحقيقي للعملية هو نزع سلاح الهاغاناه، وأن تستبدل بـ”القيادة المتطرفة” -أولاً وقبل كل شيء بن غوريون- شخصيات أكثر اعتدالاً.

إلا أن معلومات مردم بك المسربة أفشلت العملية البريطانية كون أن تفاصيلها وصلت إلى قيادة الهاغاناه قبل شهرين، وبالتالي نجا بن غوريون من الاعتقال، بعد أن ذهب إلى باريس.

في ديسمبر (كانون الأول) 1946، ضغط رئيس المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط، العميد إيلتيد نيكول كلايتون، على الرئيس السوري آنذاك شكري القوّتلي، أول رئيس بعد الاستقلال عن الانتداب، من أجل تنحية سعد الله الجابري بسبب رفضه في تطبيق مخطط “سوريا الكبرى” واستبداله بجميل مردم.

والهدف من ذلك، بحسب التقرير الإسرائيلي، تمكين مردم من ضمان أغلبية برلمانية للخطة. لكن مردم بدأ آنذاك ينأى بنفسه عن البريطانيين – على الرغم من استمرار المخابرات البريطانية في رؤيته وكيل موثوق به – وإبداء استعداد أكبر للتعاون مع الفرنسيين.

فكان حذر مردم آنذاك سفيره في لندن من مؤامرات “أصدقائنا البريطانيين الذين يحذروننا من محاولات فرنسية لتهييج الشارع بين الدروز والقبائل البدوية في الصحراء السورية ضد الحكومة في دمشق، ولكن في الحقيقة عملاؤهم مسؤولون عملياً عن ذلك”.

مكّنت عودة مردم من القاهرة الفرنسيين من إدارته مباشرة لسورية دون أي وساطة. وفي صيف 1946، أقامت فرنسا علاقات دبلوماسية مع سوريا وأنشأت قنصلية في دمشق يعمل فيها عملاء المخابرات تحت ستار دبلوماسي. تمكن هؤلاء الممثلون من لقاء مردم بصفتهم الرسمية دون إثارة الشكوك.

وقبل انتهاء حرب 1948 التي نشبت في فلسطين بين كل من الأردن ومصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية ضد المقاتلين اليهود، قدم جميل مردم بك استقالة حكومته في ديسمبر (كانون الأول) 1948، معلناً انسحابه التام من العمل السياسي، نظراً لهزيمة الجيوش العربية في فلسطين، وعاش سنواته الأخيرة في القاهرة حيث رفض مراراً دعوات جمال عبد الناصر للترشح لرئاسة الجمهورية معلناً لاحقاً اعتزاله العمل السياسي بشكل رسمي.

وتوفي جميل مردم بك في مصر عن عمر ناهز 65 عاماً يوم 28 مارس (آذار) 1960، وأعيد جثمانه إلى دمشق حيث ووري الثرى في مدافن الأُسرة المردمية.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً