مصلحة الأبناء تحسم حُجية اتفاقات التنازل عن «الحضانة»

مصلحة الأبناء تحسم حُجية اتفاقات التنازل عن «الحضانة»







أكدت المحكمة الاتحادية العليا، أن الحضانة حق للمحضون وليس للحاضن، وأن التنازل عنه يعد باطلاً. فيما أفاد اختصاصيون قانونيون واجتماعيون، بأن مصلحة المحضون تعد الأولى بالرعاية وتعلو فوق مصلحة أي طرف آخر في حالات النزاع حول الحضانة، لذا يجوز للأم المطالبة باستعادة حضانتها لأبنائها مرة أخرى حتى لو تنازلت عنها طواعية في اتفاق موثق كون…

ff-og-image-inserted

قانونيون حذروا من استغلال الأطفال في النزاعات القضائية

أكدت المحكمة الاتحادية العليا، أن الحضانة حق للمحضون وليس للحاضن، وأن التنازل عنه يعد باطلاً.

فيما أفاد اختصاصيون قانونيون واجتماعيون، بأن مصلحة المحضون تعد الأولى بالرعاية وتعلو فوق مصلحة أي طرف آخر في حالات النزاع حول الحضانة، لذا يجوز للأم المطالبة باستعادة حضانتها لأبنائها مرة أخرى حتى لو تنازلت عنها طواعية في اتفاق موثق كون الحضانة ليست حقاً مطلقاً يمكن للحاضن التنازل عنه، بل حق شرعي للمحضون.

وحذروا من استغلال الأطفال في النزاعات الزوجية في ساحات المحاكم، لافتين إلى قضايا مخالعة، تنازلت فيها زوجات، بموجب اتفاق مع أزواجهن، عن حضانة أطفالهن مقابل الحصول على الطلاق، ما يعد خروجاً عن الأعراف والفطرة الإنسانية، مطالبين بإجراء تقييم نفسي للأم التي تتنازل طواعية عن حضانة أبنائها.

وكشفوا عن إصرار بعض الأزواج على انتزاع حق الحضانة من زوجاتهم انتقاماً منهن أو لإكراههن على أمور معينة، أو لتقليل مبالغ النفقة المستحقة للأبناء، وفي المقابل تمارس زوجات أساليب خداعية من خلال التنازل عن الحضانة كسبيل لنيل الطلاق، ثم معاودة المطالبة بها.

ورصدت «الإمارات اليوم» تبايناً في أحكام قضائية بشأن مدى قانونية اتفاق التنازل بين الزوجين عن حضانة الأطفال بين الاعتداد به كمستند قانوني ملزم للطرفين، وبين التأكيد على بطلانه كون الحضانة ليست حقاً مطلقاً للحاضن، والتأكيد على حق الأم في الرجوع عنه والمطالبة بالحضانة.


أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قضية نظرتها حول النزاع على حضانة الأطفال بعد التنازل عنها، على مبدأ قانوني، مفاده عدم جواز الاتفاق بين الزوجين على إسقاط الحضانة أو نفقة الأولاد مقابل الخلع، مشيرة إلى أن قانون الأحوال الشخصية أخذ برأي الحنفية وبعض فقهاء المالكية في هذه المسألة، مشددة على أن الحضانة حق للمحضون وليس للحاضن، وأن التنازل عنه يعد باطلاً.

وفي واقعة أخرى نقضت المحكمة حكماً قضى بإسقاط حضانة أب لابنته البالغة خمسة أشهر، ونقل حضانتها إلى والدتها، وإلزامه بنفقة شاملة للطفلة، موضحة أن الأم تنازلت برضاها عن حضانة طفلتها أمام لجنة التوجيه الأسري في محضر وقع عليه الأطراف وله قوة السند التنفيذي، ولا يحق لأي طرف الرجوع عنه أو فسخه أو تعديله إلا بالتراضي، والساقط بالاختيار لا يعود.

وقال المستشار القانوني، الدكتور يوسف الشريف، لـ«الإمارات اليوم»، إن الحضانة هي حفظ الولد ورعايته، لذا فهي حق للمحضون (أي للأولاد)، وليست حقاً للحاضن أباً كان أباً أو أماً أو غيرهما ممن تجوز حضانتهم، مشيراً إلى أن حضانة الأبناء من أكثر المسائل التي تثار مع بوادر خلافات الزوجين، بل قد يستغلها طرف للضغط على الآخر، فهناك من الأزواج من يصرون على انتزاع هذا الحق من الزوجات بأي طريقة، انتقاماً منهن، أو لإكراههن على أمور معينة، وعلى النقيض تستغلها بعض الزوجات كوسيلة لابتزاز الأزواج وإخضاعهم.

ولفت إلى أنه تواترت أحكام القضاء الشرعي في الدولة على عدم الاعتداد بالتنازل عن الحضانة لأنه لا يُلزم المتنازل ولا يُسقط حقه، بل ولا يُكسب المتنازل له هذا الحق، مطالباً الطرفين بأن يضعا في حسابهما أن الحضانة ليست سلاحاً للانتقام من الآخر، وأن يتمتعا بثقافة الفرقة باحترام.

من جهته اعتبر مستشار قانوني أول، وجيه أمين عبدالعزيز، أن الحضانة أحد مظاهر عناية الشريعة الإسلامية بالطفولة، إذ إن الطفل بحاجة إلى من يعتني به ويرعى شؤونه، وهي من واجبات الأبوين معاً، لكن إذا افترقا تكون الأم أولى بها في مرحلة الطفولة، ولو خالف ذلك مصلحة ولي النفس باعتبارها مظهراً من مظاهر رقي الشريعة الإسلامية، كون النساء أكثر رفقاً وحرصاً على حسن رعايته وأكثر صبراً على تحمل المشاق في سبيل حضانته.

وأضاف أنه حال الطلاق، وتنازل الزوجة حرة مختارة، أو لعذرعن حضانة أولادها سواء كان ذلك بمحرر رسمي موثق، أو باتفاق صلح وتسوية مبرم بين الطرفين، فإن من حقها المطالبة بالحضانة مرة أخرى.

ولفت عبدالعزيز، إلى أن محكمة تمييز دبي أفادت في حكم سابق لها بأنه، وإن كان من المقرر وفق ما يقضي به صريح نص الفقرة الثانية من المادة (110) من قانون الأحوال الشخصية أنه «لا يصح التراضي في الخلع على إسقاط نفقة الأولاد أو حضانتهم»، فإنه من باب أولى في كل حال يتفق فيها الزوجان على الطلاق وإنهاء الحياة الزوجية بينهما فإنه لا يصح التراضي على إسقاط نفقة الأولاد أو حضانتهم، ما مؤداه أن تنازل الأم في اتفاق الطلاق صراحة أو ضمناً عن حضانة أولادها أو نفقاتهم، لا يمنعها من معاودة المطالبة بالحضانة مجدداً، لأن هذا التنازل لا يتعلق بحقوقها الشرعية وإنما بحقوق أولادها الصغار.

وأكد أن الاتفاقات المبرمة بين الزوجين بشأن حضانة الصغير أو نفقته تحوز حجية مؤقتة، فيرد عليها التغيير والتبديل كما يرد عليها الإسقاط بسبب تغير دواعيها، وبالتالي يجوز إعادة النظر في موضوعها إذا تغيرت الأسس التي بنيت عليها وطرأت اعتبارات تقضي الحكم بخلاف ما قضت به الأحكام السابقة أو خلافاً للاتفاقيات المبرمة في هذا الشأن.

وأشار إلى أن تصديق القاضي على عقد الصلح أو اتفاق التنازل عن الحضانة عملاً بنص المادة 79 من قانون الإجراءات المدنية، لا يكون قائماً على مبدأ الفصل بين الخصوم، بل يقتصر على إثبات ما حدث أمامه من اتفاق وتوثيقه بمقتضى سلطته الولائية وليس سلطته القضائية، ومن ثم فإن هذا الاتفاق لا يعدو أن يكون عقداً لا يحسم أي نزاع لاحق بشأن الحضانة.

وأفاد عبدالعزيز، بأن المقرر في مذهب المالكية أنه إذا سقط حق الحاضنة بعذر كمرض لا تقدر معه الحاضنة على القيام بأمور الحضانة فإن هذا الحق يعود لها إذا زال هذا العذر، كما اتجهت بعض الآراء الفقهية إلى أن الحضانة ليست حقاً مطلقاً للحاضنة، وإنما حق لله تعالى وللمحضون نفسه لا يجوز التنازل عنه.

من جانبه حذر أستاذ الثقافة والمجتمع بالجامعة الكندية في دبي، الدكتور سيف راشد الجابري، من الآثار الاجتماعية والنفسية والأسرية السلبية الناتجة عن استغلال الأطفال في النزاعات القضائية، وجعلهم محلاً للمساومة بين الأبوين، مثل السلعة التي تباع وتشترى، وعقد اتفاق للتنازل عنها.

وأكد أنه يجب تفعيل قانون الطفل «وديمة»، وتطبيق العقوبات المشددة على كل من يعرض حياة الطفل للخطر، ويهدد استقراره النفسي والأسري، لافتاً إلى ضرورة أن تخضع الأم التي تريد أن تتنازل عن حضانة أطفالها مقابل الخلع لتقييم نفسي، والعمل على تهذيب سلوكها الفكري الذي أثر على قرارها بالتنازل عن الحضانة الواجبة عليها، والتي لا يجوز لأحد منازعتها فيها، أو الضغط عليها لتسحب منها هذه الخاصية التي فطرها الله عليها.

وأكد أن الأب الذي يساوم على طلاق زوجته خلعاً بسحب حضانتها للأطفال، هو أيضاً في حاجة إلى إعادة تقييم فكري وصياغة ثقافته الأسرية وتدريبه على فهم معاني الأبوة والحفاظ على مصلحة أبنائه ومستقبلهم، واستقرارهم النفسي والأسري، وألا يستغل كرهه لزوجته ليفقدها حضانة أطفالها.

وأكد أهمية تدخل الجهات المعنية في حماية الطفولة في مثل هذه المنازعات التي تهدد استقرار الأطفال، وتجعلهم ضحايا خلافات أبوية غير مسؤولة، وتوفير الحماية لهم والبيئة الاجتماعية المناسبة للتنشئة السليمة والصحية.

فيما أفادت رئيس قسم الدعم الاجتماعي بالإدارة العامة لحقوق الإنسان في شرطة دبي، فاطمة الكندي، بأن هناك متغيرات يجب وضعها في الاعتبار عند إعادة النظر في وضع حضانة الأطفال سواء أسقطت سابقاً بحكم قضائي من أحد الأبوين أو تنازل عنها صاحبها طواعية، لافتة إلى أن أهم هذه المتغيرات تبدل حال الحاضن، كأن يتورط في تعاطي المخدرات على سبيل المثال، أو طرأ عليه شيء يجعله غير أمين على الأطفال، أو توفيت والدته التي حصل على الحضانة بموجب وجودها.

وأكدت أن المعيار الأساسي مصلحة المحضون حتى لو وصل الأمر إلى توفير «حاضن بديل» إذا طرأ ما يخل بأهلية الأبوين، فإذا تنازلت الأم مثلاً عن الحضانة أو أسقطت عنها لسبب ما، وحصل الأب عليها ثم تورط الأب في ما يفقده أهليته، فإن مصلحة الأطفال تقتضي توفير حاضن من الأسرة، لأن من الضروري في القضايا الأسرية مراعاة الجانب الإنساني ومستقبل الأبناء، بالإضافة إلى الشريعة كمرجع أول.


خلافات حول الحضانة

أكدت رئيس قسم الدعم الاجتماعي بالإدارة العامة لحقوق الإنسان في شرطة دبي، فاطمة الكندي، أنه إذا كان القرار يمكن أن يصل إلى حد منح الحضانة لغير الوالدين، فمن المنطقي أن تنتقل من أحدهما إلى الآخر إذا طرأت متغيرات تقتضي ذلك، سواء أسقطت الحضانة من قبل أو تنازل عنها من يطالب بها مجدداً.

وأشارت الكندي إلى أن الخلافات حول الحضانة من واقع مئات الحالات التي تعاملت معها، شائكة ومعقدة ويدخل فيها العناد كثيراً، لذا لا يمكن اعتبار الأحكام الصادرة بشأنها قطعية، بل يجب النظر إلى كل حالة على حدة، فإذا تنازلت أم عن حضانة أطفالها لظروف ما، ثم تبدلت أحوالها فمن حقها المطالبة بالحضانة مجدداً، وبحسب دراسة الحالة ووضعها المستجد ومصلحة الأبناء يُحكم لها أو لا.

3 حقوق للحضانة

أفاد مستشار قانوني أول، وجيه أمين عبدالعزيز، بأن الأحكام القضائية استقرت على مبدأ قانوني عام هو أن الحضانة تتعلق بحقوق ثلاثة: حق المحضون، وحق الأم، وحق الأب، وهذه الحقوق إن اجتمعت وأمكن التوفيق بينها ثبتت كلها، أما إذا تعارضت كان حق المحضون مقدماً على غيره؛ لأن مناط الحضانة مصلحة المحضون.

وأشار عبدالعزيز إلى أنه يجوز للزوجة التي تنازلت طواعية عن حضانة أولادها، وكان المحضون في يد الحاضن المتنازل إليه غير مؤتمن عليه أو يوجد ما يضر بمصلحته ومنفعته، فيجوز لها المطالبة باستعادة حضانتها مرة أخرى تأسيساً على أن مصلحة المحضون هي الأولى بالرعاية طالما كانت أهلاً لها، وتوافرت شروطها التي أوجبتها المادتان (143) و(144) من قانون الأحوال الشخصية في الحضانة، وأبرزها: العقل، والأمانة، والقدرة على تربية المحضون ورعايته، والسلامة من الأمراض المعدية الخطرة، وعدم الزواج بأجنبي عن المحضون، ما لم تقدّر المحكمة خلاف ذلك.

حق المحضون

أكد المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف، أن الحضانة ليست حقاً مطلقاً للحاضن حتى يمكنه التنازل عنه اتفاقاً، إنما هي حق للمحضون نفسه، فلا يجوز لمن ثبتت له الحضانة أن يتنازل عنها، فليس للأم أن تتنازل عن حضانة أولادها، لأن ذلك يُعد تنازلاً عن حق يملكه الغير؛ أي المحضونين أنفسهم.

واعتبر الاتفاق على التنازل عن الحضانة أو الإقرار بهذا التنازل غير نافذ، ويعد من الإقرارات المعدودة في القانون التي يجوز الرجوع فيها، فمن تنازل عن الحضانة يجوز له استعادتها أو المطالبة بها طالما توافرت فيه شروط استحقاقها شرعاً وقانوناً.


• المعيار الأساسي مصلحة المحضون حتى لو وصل الأمر إلى توفير «حاضن بديل».

• أزواج يستخدمون الحضانة سلاحاً للانتقام من الطرف الآخر أو ابتزازه.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً