بيروت.. والانتظار الثقيل على رصيف مرفأ بلا ملامح

بيروت.. والانتظار الثقيل على رصيف مرفأ بلا ملامح

الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء أمس، وقفت بيروت دقيقة صمتاً على أرواح شهداء انفجار مرفئها، بالتوقيت نفسه من يوم 4 أغسطس الماضي، وذلك في دقيقة حزن عارمة وسط قرْع أجراس الكنائس ورفع آذان المساجد. وهناك، قرب الإهراءات، أنيرت الشعلة ووُضع إكليل على النصب التذكاري، وأضيء حقل من 6000 شمعة قرب موقع الانفجار، الذي جعل…

الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء أمس، وقفت بيروت دقيقة صمتاً على أرواح شهداء انفجار مرفئها، بالتوقيت نفسه من يوم 4 أغسطس الماضي، وذلك في دقيقة حزن عارمة وسط قرْع أجراس الكنائس ورفع آذان المساجد. وهناك، قرب الإهراءات، أنيرت الشعلة ووُضع إكليل على النصب التذكاري، وأضيء حقل من 6000 شمعة قرب موقع الانفجار، الذي جعل لبيروت جُمعتها الحزينة، بعدما حوّلها إلى مدينة «مصلوبة» على رصيف مرفأ بلا ملامح لوجهها البحري، فيما يداها تبحثان عن نبْضٍ لقلبها بين الركام.

شهرٌ، بنهاراته ولياليه، والمأساة على حالها من الخسائر والمصائب والغموض. وفي مضامين الذكرى، زلزال ما زالت هزّاته الارتداديّة تنبض في كلّ اتجاه، وحتى تحت الأنقاض، معلنةً إمكانيّة ولادة الأمل من رحم الألم، ومدينة منكوبة تروي حكايا جديدة عن 191 شخصاً قضوا ضحايا الإهمال واللامسؤوليّة، وما يزيد عن 6000 جريح، عدا عن تشوّه وجه العاصمة: شرفاتها، قرميدها، ذكريات أبنائها، حميميّات بيوتها، وحكايات الماضي والحلم بالمستقبل، والتي تناثرت كلّها في دقائق، فيما لا يزال عمّال الإنقاذ يعملون ليل نهار، بحثاً عن ناجٍ محتمل، إسمه مدوّن في سجلّ المفقودين، تحت أنقاض مبنى مدمّر، بما يشبه «المعجزة»، دون جدوى بعد. وفي المضامين أيضاً، دول باتت وجهتها بيروت. فرق إسعاف وإنقاذ وطائرات وبواخر محمّلة بالمساعدات الطبيّة والغذائيّة ومستشفيات ميدانيّة.

وهكذا، حلّت ذكرى مرور شهر كامل على إحدى أسوأ الكوارث التي ضربت بيروت، في 4 أغسطس الفائت، وصورة ما خلّفه من شهداء وجرحى ومفقودين ودمار، في أكثر من ربع العاصمة، هي الواضحة فقط، فيما الغموض ما زال يكتنف الانفجار وأسبابه الحقيقيّة، التي كان يُفترض أن يكشف عنها التحقيق الجاري، ويصارح الناس بها، لكنّه لم يفعل بعد.. وهذا ما يرسم أكثر من علامة استفهام حول سرّ هذا الغموض المريب، وما إذا كان خلف الأكمّة ما خلفها، أو أنّه لم يتوصّل إلى شيء حتى الآن. وهنا تكمن الفاجعة الأقسى من الانفجار نفسه.

«نبْض» تحت الركام

إلى ذلك، جاء إحياء الذكرى كأنّه استعادة كاملة وثقيلة وشديدة الأسى لكلّ ما مرّ على لبنان منذ لحظة الانفجار المزلزِل حتى اليوم، إذ وقف اللبنانيون على مشارف المرفأ وفي الأحياء المحيطة المدمّرة دقائق صمت، استرجعوا خلالها لحظات المأساة التي خطفت أحبّاءهم ودمّرت منازلهم والأرزاق.

أمّا الصمت والتأمل، فجعلا الجميع يسمعون نبضات القلب المجهولة، التي أوقفت القلوب وفتحت الآذان في منطقة الجمّيزة، وقد اعتبرها كلّ لبناني وكأنّها تعود لقريب أو حبيب أو جار أو عزيز فقده. وهنا كان القهر مزدوجاً، إذ بعدما أُعطيت إشارة البدء بالبحث وصولاً إلى حيث النبض، حاول معنيّون أن يوقفوا البحث في الليل، وكأنّ النبض الذي انتظرهم شهراً، يستطيع أن ينتظرهم أكثر، أو كأنّ النبض يعمل «على الدوام».. ذلك أنّ الحقيقة في لبنان، كالرقم، وجهة نظر. فـ«فلاش»، الكلب الذي استشعر النبض خلال مشاركته في البحث مع الفريق التشيلي عن ناجين مفترضين، له أنف يستشعر وليس له «لسان يحكي»، لأنّه لو كان تكلّم لكان أخبر أنّ في لبنان من ينتظرون كلباً ليكتشف نبضهم!

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً