لبنان الجديد لا يبنيه نظام قديم

لبنان الجديد لا يبنيه نظام قديم







ليس بعد الانفجار المروّع في مرفأ بيروت، اكتشف اللبنانيون أن النظام الطائفي في بلدهم تجاوزه الزمن، وإن كان ملائماً في «اللحظة الغضّة» بعد خروج الاستعمار الفرنسي، لم يعد يناسب زمناً باتت فيه الحدود بين الدول مجرد رسم جغرافي يحفظ الأمن لكنه لا يمنع رياح الأفكار والجدل الحضاري من الهبوب بكل الاتجاهات.

ليس بعد الانفجار المروّع في مرفأ بيروت، اكتشف اللبنانيون أن النظام الطائفي في بلدهم تجاوزه الزمن، وإن كان ملائماً في «اللحظة الغضّة» بعد خروج الاستعمار الفرنسي، لم يعد يناسب زمناً باتت فيه الحدود بين الدول مجرد رسم جغرافي يحفظ الأمن لكنه لا يمنع رياح الأفكار والجدل الحضاري من الهبوب بكل الاتجاهات.

زعيمان من السلطات الثلاث في لبنان كرّرا أخيراً ما يقوله لبنانيون عاديون في المقاهي والمجالس وعلى مواقع التواصل، وما قاله زياد الرحباني قبل أربعين سنة عن «زمان الطائفية».

رئيس الجمهورية بلبنان ميشيل عون يطالب بتغيير النظام السياسي في لبنان ونقله من «المحاصصة» إلى «المواطنة» وإلى بناء «الدولة المدنية». رئيس البرلمان نبيه بري بدوره يعتبر أن أخطر ما كشفته كارثة المرفأ، عدا عن عناصر الدولة الفاشلة، هو سقوط هيكل النظام السياسي والاقتصادي بالكامل، ولا بدّ بالتالي من تغيير في هذا النظام الطائفي باعتباره علّة العلل.

صحيح أن بعض المسؤولين اللبنانيين يتحدث بين الحين والآخر عن ضرورة تغيير النظام الطائفي، رغم أنهم جزء منه، لكن الأصح أن الأصوات تصاعدت أكثر بعد انفجار مرفأ بيروت، وأكثر تحديداً بعد دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إحداث «تغيير حقيقي» في النظام ووضع «ميثاق سياسي جديد».

ويحكم لبنان المتعدّد المذاهب والأديان نظام محاصصة طائفية وسياسية تتمسك به طبقة سياسية لم تتغير منذ عقود. وهذا النظام يقوم على التوافق المشروط بالإجماع، وهذا الإجماع يستحيل تحقيقه في أغلب الأحيان، وهذا يعني شللّ الدولة ووقف القرارات مهما كانت أهميتها، أي المراوحة في المكان وعدم التقدّم للأمام.

لذلك فإن «الدولة المدنية» هي المخرج من الشلل، ومن موروثات الطائفية وارتداداتها، ومن المحميات والخطوط الحمر والمحاصصات التي تكبّل أية إرادة بنّاءة وتفرمل أي خطوة نحو الإصلاح.

كلام كهذا قاله رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب، إذ ذكر في بيان استقالته أن الفساد أكبر من الدولة في لبنان. وكلام كهذا يقوله محتجون في الشارع منذ شهور، ويردده نشطاء كثر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

الآن توافق اللبنانيون على تكليف السفير مصطفى أديب بتشكيل حكومة جديدة، فما الذي يفعله أديب إذا وجد نفسه مكبّلاً بالقيود الطائفية؟. في كلمته بعد التكليف، وعد بتشكيل سريع لحكومة كفاءات فاعلة وقادرة على تحقيق الإصلاح.

كلام جيد، لكن كثيرين في لبنان يرونه حالماً ورافعاً سقف التوقّعات. فالتكليف عادة ما يكون أسرع نسبياً من التأليف الذي لا سقف زمني يحده ولا مهل زمنية تضبطه، وكثيراً ما أخذ تشكيل بعض الحكومات في لبنان شهوراً.

دائماً هناك فسحة من الأمل، لكن مساحات الإحباط أوسع في واقع تكرّس خلال عشرات السنين، وحقق بسببه الطبقة السياسية المتنفّذة امتيازات ومكاسب متراكمة. ومن الصعب تصوّر أية عملية بناء لدولة مركزية قوية خالية من التقسيم الطائفي والمناطقي، إذا كانت هذه العملية تجري بأيدي الطبقة السياسية نفسها.

سنضطر لانتظار تشكيل الحكومة الجديدة، وما بعد التشكيل، فلربما يحصل متغيّر تبنى عليه مداميك أمل، لكن الثابت أن لبنان الكبير الذي مضى على إنشائه مئة عام، جدير بنظام سياسي على مقاسه الحضاري.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً