“فاكيتا” .. الكلب – البطل في الثورة الاجتماعية الشيلية

“فاكيتا” .. الكلب – البطل في الثورة الاجتماعية الشيلية

يبدو أن الكلاب قد زُوّدت بمؤهلات جسمانية وحتى روحية ذات مستوى عال للغاية، ولم نكتشف وننتبه، نحن البشر، إلى هذا الأمر بشكل جد مبّكر؛ الشيء الذي يعتبر بمثابة دافع من أجل استحضار التعاطف بين مختلف الأجناس والكائنات. لهذا السبب، فإن أول لقطة استحضرها عن “فاكيتا” ليست هي لحظة رؤيته وسط المسيرات والمظاهرات خلال الثمانين يوما تقريبًا، مبللا ومنهكا، بل هي…

يبدو أن الكلاب قد زُوّدت بمؤهلات جسمانية وحتى روحية ذات مستوى عال للغاية، ولم نكتشف وننتبه، نحن البشر، إلى هذا الأمر بشكل جد مبّكر؛ الشيء الذي يعتبر بمثابة دافع من أجل استحضار التعاطف بين مختلف الأجناس والكائنات.

لهذا السبب، فإن أول لقطة استحضرها عن “فاكيتا” ليست هي لحظة رؤيته وسط المسيرات والمظاهرات خلال الثمانين يوما تقريبًا، مبللا ومنهكا، بل هي لحظة تحركه بسعادة وفرح أمام الذئاب التي كانت تظهر على السطح ثم تنغمس من جديد، بشكل مستمر ومتكرر، في محطة الصيد في مدينة أنتوفاغاستا الشيلية منذ خمس أو ست سنوات على الأقل. كنت أراقبه وهو يقترب، باحتراز شيئا ما، نحو السيارات والشاحنات، أو بينما كان يجري بارتياح شديد وبكل ثقة عبر شاطئنا الساحلي.

غير أنه لا أحد منّا كان يتوقع أن هذا الكلب المتحرر والغريب سوف يلقّننا في المستقبل دروسًا لا تنسى في الإنسانية وفي تقاسم المشاعر والعواطف. إنه درس ذو طبيعة تتسم بالوضوح والحنان والتحرّر. إنه العطف والشفقة في أبهى صورة. إنه فعلا شيء لا يصدق. إنه كلب بضمير إنساني محض، أو حيوان ضال-يجول في الشوارع-يلفت انتباهنا، بشكل كبير للغاية، إلى كيف ينبغي أن نكون متضامنين ومتعاونين في النضال الاجتماعي وسط الشوارع، وأيضا إلى كيف ينبغي أن نكون متعاطفين من خلال التواصل والالتحام مع بعضنا البعض أثناء المسيرات.

يسير بتوتر وأرق، بالتأكيد بسبب طبيعة الحياة التي يعيشها في الشوارع؛ كما أنه يمشي في الوقت نفسه واثقا من نفسه ومحاربا ومتحمسا وفطنا مثل الشباب الأبطال الذين يوجدون في الصفوف الأمامية للمظاهرات. في الواقع، يعتبر “فاكيتا” كبطل وزعيم في مواجهة غطرسة وتجبّر السلطة ومواجهة الرصاص الذي أصاب جسده في الأيام الأخيرة. ما نحتاجه إذن هو أن نتعلّم كيف نكتشف مدى تأثير أو جمال أو مأساة وضعية كلبنا المحارب، سواء في نباحه، أو في تحركه، أو في تعاطفه مع المتظاهرين.

ما هذا الشيء الذي يأسر الآن ساكنة أنتوفاغاستا الشغوفة بـ “فاكيتا”؟ لماذا تم اختياره “كأفضل شخصية لسنة 2019″، متفوقا على مجموعة كبيرة من الأسماء البشرية؟ كان ذلك، بكل تأكيد، بسبب السخاء العالمي لهذا الكلب الذي تقشعر منه الأبدان إيجابيا. وأيضا بسبب قدرته الخاصة والعظيمة على المضي قدمًا وتزعّمه المسيرات من خلال تشجيع الناس وحمايتهم، وكذا قدرته على عدم الاضمحلال أو الاستسلام أمام قنابل الغاز المسيل للدموع.

تجدر الإشارة أيضا إلى الطريقة المثلى لكسب ود الأصدقاء التي علّمها لنا كلبنا البطل، حيث قامت مجموعة من الأشخاص بنقل بطلنا إلى عيادة بيطرية لعلاج وتضميد جروحه التي أصيب بها خلال المظاهرات وحتى يتسنى له المشاركة في مسيرات حاشدة أخرى، والتي تنظّم بالتعاون مع كلبنا-البطل، في التفاتة حقيقية من الوفاء الإنساني نحو هذا الكلب الشجاع.

لا تهم كثرة الدراسات المتعلقة بسلوك الكلاب الأليفة والضالة التي توضّح دور التفاعلات مع الأشخاص. ولا يهم أيضا ما تعنيه فرضية (أو نظرية) الترويض. الشيء المهم عندنا هو ما يعلّمنا الكلب “فاكيتا” بفضل مهارته الاجتماعية المشابهة للمهارة الإنسانية، التي تتجلى في أن نكون شجعانا ومباشرين ومتزعمين قبل كل شيء، خاصة في الشارع وأثناء المواجهة. يبدو، إذن، أنّنا نتوفر الآن على أيقونة رمزية رفيعة المستوى والمنزلة شاهدها وتابعها كثير من الناس، يتعلق الأمر بـ “بطل الشارع” بما تحمله الكلمة من معنى.

إنّ رفيق دربنا الوفي خلال هذه الثورة الاجتماعية يتماثل الآن للشفاء بعد الجروح التي ألمّت به، في انتظار العودة إلى بيته الحقيقي الذي هو الشارع المتحرر. إنّه، فعلا، كلب “عظيم” وشجاع. سيستمر في مرافقة المتظاهرين وسيواصل، بلا شك، تضامنه في الشارع لأن “فاكيتا” يشتغل بشكل جماعي، وفي جو حماسي، وفي التجمهر الحاشد، دون أن يفقد، بالطبع، استقلاليته الرائعة. ستظل هناك طاقة عند “فاكيتا” يتزوّد بها في كل مسيرة وستظل تمثل بالنسبة إلينا أفضل رمز للوحدة في المظاهرات بدون أدنى مجال للشك. نتمنى الشفاء العاجل لـ “فاكيتا”، الكلب المخلص والمحارب.

*أستاذ اللغة الإسبانية دكتور متخصص في العلوم التربوية والآداب والفنون-جامعة برشلونة-إسبانيا

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً