«صراع المدن».. حلب وعنتاب ونهاية العُزلة

«صراع المدن».. حلب وعنتاب ونهاية العُزلة

شهدت منطقة الشرق الأوسط في سنوات الحرب الأخيرة، سواء في سوريا أو العراق، والمناطق المجاورة، صراعاً طاحناً ليس فقط من الناحية العسكرية، بل حول مكانة المدن في خريطة الاقتصاد والسياسة على الصعيد الإقليمي. في هذا الإطار، تعرضت مدن سورية عديدة، وفي مقدمتها حلب، إلى تحطيم ممنهج. ففي موازاة الصراع العسكري الذي اندلع في المدينة منذ…

شهدت منطقة الشرق الأوسط في سنوات الحرب الأخيرة، سواء في سوريا أو العراق، والمناطق المجاورة، صراعاً طاحناً ليس فقط من الناحية العسكرية، بل حول مكانة المدن في خريطة الاقتصاد والسياسة على الصعيد الإقليمي. في هذا الإطار، تعرضت مدن سورية عديدة، وفي مقدمتها حلب، إلى تحطيم ممنهج. ففي موازاة الصراع العسكري الذي اندلع في المدينة منذ صيف 2012 حتى نهاية 2016، استنزف لصوص الحرب إمكانيات المدينة الصناعية، وقاموا ببيع معامل حلب ومصانعها كقطع خردة في الأسواق التركية، وتم تهجير أصحاب الحرف ومالكي الورش الصناعية، حتى بدت مدينة الصناعة الأولى في سوريا، والرائدة إقليمياً، بلا صناعة.

على هامش التحطيم الممنهج لحلب، كان يتصاعد نجم مدينة تركية صغيرة تقع على التخوم الشمالية لبلاد الشام، وهي غازي عنتاب التي بدت وكأنها تبتلع حلب، بمكانتها وثروتها البشرية. شيئاً فشيئاً باتت عنتاب تشبه حلب، لكنها بقيت نسخة مقلّدة. ففيها تركزت مصانع حلب المسروقة، ليس فقط آلاتها بل مع خبراتها التي خرجت مضطرة، فباتت حلب بلداً يباباً، رغم مرور 3 سنوات على استعادتها من قبل الجيش السوري وحلفائه، ذلك أن المدينة بقيت معزولة عن رئتين كانت تعتمد عليهما في انتعاشتها الاقتصادية، وهي مدن تركيا الجنوبية، ودمشق. فالطريق الرئيسي الدولي الذي يربط جنوب تركيا بحلب سيطرت عليه الفصائل المسلحة التابعة للمعارضة في وقت مبكر، وكذلك بالنسبة للجزء الجنوبي من الطريق المتجه إلى دمشق، والأمر ذاته بالنسبة لطريق اللاذقية الذي يربط المدينة بموانئ البحر المتوسط. وأدى تبدل السيطرة في المناطق الواقعة شمال سوريا وشرقها، وتعدد القوى المسيطرة والمتداخلة، إلى عدم سنح الفرصة لحلب لتتحول إلى مركز يستقطب المدن الصغيرة في محيطها، بل إن بعض المراكز الصغيرة نسبياً، مثل منبج، باتت أكثر حيوية ونشاطاً، من ناحية العبور التجاري، من حلب ذاتها.

ضمن هذا الإطار، ترسم الهزائم الأخيرة لتركيا وأدواتها، وتقدم الجيش السوري في حلب وإدلب، خريطة جديدة للنفوذ في سوريا، مع تسارع وتيرة تحجيم الوجود التركي. ورغم استمرار المعارك في بعض الجيوب المتبقية لتركيا وفصائلها في غرب حلب، فإن الحصيلة الأولية للحملة الأخيرة التي دعمتها روسيا، تكشف عن نقلة استراتيجية، ليس على الصعيد العسكري فحسب، بل في إعادة تأهيل الدولة داخلياً، واستكمال الربط بين عاصمتي الاقتصاد والسياسة: حلب ودمشق، براً وجواً.

ويستأنف مطار حلب الدولي هذا الأسبوع، تسيير أولى الرحلات المدنية، بعد توقف لسنوات، كما ستتم برمجة رحلات إلى القاهرة ودمشق خلال الأيام القليلة المقبلة.

هذا التطور يفتح آفاقاً جديدة كلياً على مستقبل سوريا. فرغم أن استعادة الحكومة السورية لمدينة حلب، قد مضى عليها أكثر من ثلاثة أعوام (منذ نهاية 2016)، إلا أن هذه المدينة، وهي كانت قبل الأزمة، أكبر مدينة من حيث السكان، ليس في سوريا فحسب، بل في كل دول بلاد الشام، بقيت معزولة داخلياً وخارجياً، حتى بعد تحريرها الكامل في نهاية 2016، ذلك أن فصائل المعارضة بقيت في جيوب بالقرب من المدينة، خصوصاً جهتي الغرب والجنوب، وأدى عدم سيطرة جهة واحدة على كامل المدينة ومحيطها، إلى حرمانها من بيئة الاستقرار. في الوقت نفسه، بقيت الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، معطلة للطريق الدولي بين حلب – دمشق، وحلب – اللاذقية، كذلك بقي المطار الدولي في المدينة خارج الخدمة، بسبب عدم توفر بيئة آمنة لتشغيلها، خصوصاً مع بقاء المناطق الغربية لريف حلب، تحت سيطرة المجموعات التركية، وهو ما أدى إلى تعطيل بيئة الانتعاش الاقتصادي في المدينة، كما أدى هذا التعطيل، وهذه العزلة الاقتصادية، إلى حرمان مدن سورية أخرى، كدمشق واللاذقية، من الإمكانات الاقتصادية لمدينة حلب، رغم أنه لم يبق منها الكثير، لكن التاريخ يخبرنا بأن حلب اعتادت مثل هذه الكوارث، واعتادت الانبعاث مجدداً حتى بجهود ذاتية.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً