350 كم على “طريق ميناء الفضاء”: بانتظار الفرسان الجدد!

" قبل ستين عاماً، هل تتخيل كيف كانت لتكون هذه الرحلة؟". يضحك آسكار، سائق التاكسي الكازاخستاني، معلقاً على تذمر البعض من حالة الإرهاق التي توقعوا أن تصيبهم بعد أن علموا عن طول الرحلة التي تبدأ بعد الوصول إلى العاصمة أستانة، مروراً برحلة طيران داخلية إلى مدينة كيزيلوردا، ومن ثم الانتقال الثالث براً لمسافة 270 كيلومترا…

350 كم على “طريق ميناء الفضاء”: بانتظار الفرسان الجدد!

” قبل ستين عاماً، هل تتخيل كيف كانت لتكون هذه الرحلة؟”. يضحك آسكار، سائق التاكسي الكازاخستاني، معلقاً على تذمر البعض من حالة الإرهاق التي توقعوا أن تصيبهم بعد أن علموا عن طول الرحلة التي تبدأ بعد الوصول إلى العاصمة أستانة، مروراً برحلة طيران داخلية إلى مدينة كيزيلوردا، ومن ثم الانتقال الثالث براً لمسافة 270 كيلومترا…

” قبل ستين عاماً، هل تتخيل كيف كانت لتكون هذه الرحلة؟”. يضحك آسكار، سائق التاكسي الكازاخستاني، معلقاً على تذمر البعض من حالة الإرهاق التي توقعوا أن تصيبهم بعد أن علموا عن طول الرحلة التي تبدأ بعد الوصول إلى العاصمة أستانة، مروراً برحلة طيران داخلية إلى مدينة كيزيلوردا، ومن ثم الانتقال الثالث براً لمسافة 270 كيلومترا حتى الوصول إلى “ميناء بيكونور الفضائي”، المكان الوحيد في العالم الذي تنطلق منه كل الرحلات المأهولة بشرياً إلى الفضاء. وذلك استعداداً للحدث الذي ينتظره الجميع في الإمارات والعالم العربي، كما العالم، بصعود أول رائد فضاء إماراتي إلى “المحطة الدولية للفضاء” بعد أيام قليلة.
في واقع الأمر، فإن آسكار الذي غزا الشيب شعره، وعاصر الحياة في العقود السابقة في هذا المكان تحت حكم مديد للاتحاد السوفييتي، كان يشير في تعليقه إلى حقبة الخمسينيات من القرن المنصرم، وتحديداً العام 1955 الذي بدأ فيه بناء ميناء بيكونور.. سراً، حيث بني في البداية كقاعدة لتجارب الصواريخ البالستية العابرة للقارات، ومن ثم لاطلاق صواريخ أخرى، لكن شهرته العالمية ذاعت بشكل كبير حين انطلق منه رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين إلى الفضاء.

تسامح وبناء

ينتمي آسكار إلى الاثنية الكازاخية وملامحه، رغم تقدم سنه، لا تزال تشير إلى تدفق طاقته، كما كل شيء في البلاد التي لا تتوقف ورش البناء فيها عن العمل. وفي أستانة بالإمكان تبين ذلك من اللحظة الأولى لمغادرة “مطار نور سلطان الدولي”، حيث تمتد الأبراج الحديثة الشاهقة، جنباً إلى جنب مع دعامات خط المترو الذي يجري بناؤه، وخط الأشجار التي لا يزيد عمرها على 15 سنة وهو العمر الفعلي لنهضة المدينة الحديثة، وصولاً إلى وسط المدينة ما وراء النهر. ثمة لافتات تحمل عبارات باللغة الإنجليزية لكن الحروف الروسية لا تزال هي المهيمنة. الزوار إلى المدينة معظمهم من رجال الأعمال الذين يتوافدون من كل مكان لحضور المؤتمرات الدولية التي اشتهرت المدينة بتنظيمها على مستوى القارة الأورو-آسيوية.

“نحن هنا بلد متنوع الاثنيات والأديان. لدينا المساجد والكنائس والمعابد، وهدفنا العيش دوما بتسامح”، تقول راديا، احدى الموظفات في المطار، فنشير اليها أننا نأتي من الإمارات، بلاد التعايش والتسامح في الشرق الأوسط.

تاريخ مديد

الطريق الطويلة التي تشبه السهوب، تمتد فيها حقول الأرز التي تشتهر كيزيلوردا بزراعته وتصديره. السهول لها تاريخ طويل، بوسع من يعرفه أن يتخيل الكثير من الأحداث والخيول التي ركضت فوقها لتصل إلى آلاف الكيلومترات خارج هذه الرقعة من الأرض، ويشتبك تاريخ فرسانها مع تاريخ الناس في إيران وأفغانستان وصولاً الى العراق والشام والأناضول غرباً، وحتى قلب القسطنطينية. فمن هنا، بالقرب من المكان المسمى حديثاً كيزيلوردا، جاء قبل حوالي ألف عام مؤسس دولة اعتبرت من إحدى أكبر الدول في تاريخ الإسلام وإقليم وسط آسيا، كما لعبت دوراً مهماً في زمن العباسيين والحروب الصليبية والصراع الإسلامي البيزنطي: دولة السلاجقة. ازدهرت هذه الدولة وتوسعت قبل أن تتفكك الى دويلات صغيرة بعد حوالي 120 سنة من نشوئها.
” تاريخ هذه الأرض طويل جداً ومتشعب. الأفضل ألا نركز على الأرض طالما نحن في الطريق إلى ميناء الفضاء”، يعلق أحد الركاب في السيارة، ممازحاً، فيجيبه آخر:” لا يمكن أن تفهم المستقبل إن جهلت التاريخ. لقد كان العرب ذات يوم فرساناً على خيولهم والآن نتوجه جميعاً للاحتفاء بفرسان مختلفين، ينتمون إلى ثقافة آمنت بالتقدم والمستقبل ولكن أيضاً آمنت بعدم إهمال التاريخ وأهمية استئناف الحضارة.. إنهم فرسان الفضاء الجدد”!

رابط المصدر للخبر