الشيخ المعلّم.. وثيقة للتاريخ والوطن

الشيخ المعلّم.. وثيقة للتاريخ والوطن

كالبدر يسمو في سما عليائها والسيفِ مسلولاً لدى هيجائها يمشي على هذا التراب جلالةً والفكرُ مشغولٌ بفيض عطائها ومحـمد الخـيرات يبـني موطناً بالعلم والتعليم سرّ سنائها

كالبدر يسمو في سما عليائها والسيفِ مسلولاً لدى هيجائها

يمشي على هذا التراب جلالةً والفكرُ مشغولٌ بفيض عطائها

ومحـمد الخـيرات يبـني موطناً بالعلم والتعليم سرّ سنائها

لك هيبةُ الفرسان رغم وداعةٍ تحكي نسور الجوّ في أجوائها

يا سيّد الشجعان، يا ابنَ كرامها من راشدٍ يأتيك كلُّ إبائها

لك في القلــوب مهـابةٌ ومحـبّةٌ تحكي من الأخلاق كلّ بهائها

هذه كلمةٌ أرجأتُ كتابتها منذ أمدٍ ليس بالقصير، بانتظار اللحظة المناسبة، فمنذ أن نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، سيرته الذاتية الباهرة «قصّتي»، التي اشتملت على خمسين قصة هي قصة الوطن والذات والإنسان والمعرفة والإنجاز، وأنا أفكر في كتابة كلمة تتوقف بشكل جوهري عند أحد أعمق الملامح في شخصية سموه، وهي فكرة التعليم بالقدوة والكلمة والقصيدة والإنجاز؛ كي تعرف الأجيال الحاضرة واللاحقة أيَّ رجل هو «بوراشد»، وأيّ عطاء أعطاه، وأي ذخرٍ ذَخَره لمواطنيه، وأيّ عزيمةٍ ضخّها في عروقهم، لتظل سيرته نموذجاً يُحتذى، وقُدوةً يهتدي بها من أراد السير في طريق المجد.

مقتضى حال

وإذا كان مقتضى الكتابة المألوفة أن نبدأ من البدايات الدالة على عمق هذا الملمح وأصالته في شخصية سموه، فقد أحببتُ أن أُخالفَ عن هذه الطريقة وأبدأ مقالتي هذه بواحد من آخر المواقف وأكثرها دلالة على رسوخ نزعة التعليم والحكمة في شخصية هذا القائد الكبير، فقبل أيامٍ معدودة زار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم المنطقة الشرقية من الدولة لتفقّد سير العملية التعليمية، وخصّ مدرسة «القدوة» بزيارة خاصة للاطمئنان على أوضاعها ولتقديم درس بليغ للأجيال، حين قام باستقبال الطالب خليفة الكعبي الذي أنقذ 4 من زملائه بعد جنوح الحافلة بهم، ومبادرته لمساعدة زملائه الذين كانوا على حافة الخطر، حيث استمع سموه إلى الطفل الشجاع، وربت على كتفه وقبّل رأسه تكريماً لشجاعته، مُثنياً على روحه الباسلة ومبادرته إلى اتخاذ هذا الموقف الدال على النضج وتحمل المسؤولية، لتكون هذه الزيارة أروع من تأليف كتاب في الحكمة والتعليم والإرشاد، لأن التعليم بالقدوة المنهج الذي يسير عليه سموه منذ أن تفتّحت عيناه على هذه الدنيا، وراثةً فاخرة من والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كما سيأتي بيانه فيما نستقبل من كلمات هذه المقالة.

أيّ درسٍ أخلاقي عظيم سوف تتعلمه الأجيال وهي ترى زعيمها وقيدومها يزور طفلاً يافعاً لتعزيز قيمة الشجاعة في نفسه، ولرفع معنوياته وتكريم إحساسه الرائع بالمسؤولية، وإذا خطر في بال الناس أن المواقف الفخمة والضخمة هي التي تستحق الإشادة فإنّ سموه له رأيٌ آخر حين يقدم هذا الدرس التعليمي الناطق ببلاغة عن قيمة الفعل الإنساني مهما كانَ مصدره، فإن القائد الملهم هو الذي يلتفت إلى الإنسان لكونه إنساناً، ومن يتذكر سيرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، وكيف كانت جواري المدينة الصغيرات يأخذن بيده الكريمة فلا ينزع منهنّ يداً حتى تكون الجارية هي التي تنزع، وتطوف به في شوارع المدينة، فهذه هي أخلاق الكرام يحملها سيد عن سيد حتى تصل إلى رجال هذا الزمان.

alt

قيمة فريدة

ولأن الكلامَ يأخذ بأعناق الكلام، فأجده من تمام الحكمة في هذا الموطن أن أتوقف عند عمق الإحساس بالوفاء كقيمة أخلاقية فريدة يحرص صاحب السمو على ترسيخها وتجذيرها في نفوس أبناء شعبه من خلال مواقفه الناصعة، وقدرته الخلّاقة على إحياء القيم الوطنية في النفوس كدرس خالد لا يغادر الوجدان، فقبل أيام قليلة نشر سموه على حسابه في «أنستغرام» ذكرى غائرة في الوجدان حدثت معه قبل ستين عاماً، حين كان في العاشرة من عمره المبارك الميمون، حيث كان مع والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وأصرّ على ركوب قمرة القيادة في مترو لندن، ليظلّ هذا الموقف عميق الرسوخ والتجذر في قلب ذلك الفتى اللامع العين كصقر جريء، وظل شديد الوفاء لتلك الرغبة الساكنة في أعماق والده الجليل، حتى كانت سنة 2009م، فكان الإنجاز الفريد في دبيّ المتفردة، وكان لها المترو الخاص بها؛ حيث تحتفي الآن بمرور عشر سنوات على إنجازه كواحدٍ من ملامحها الحضارية الباهرة، واحتفاءً بهذا الحدث التاريخي في مسيرة لؤلؤة الخليج، كتب صاحب السموّ قائلاً: «مترو دبيّ، حلمٌ قديمٌ من أحلام دبيّ، كنتُ في العاشرة مع والدي في لندن عام 1959 عندما أصرّ أن يكون في قمرة القيادة لأحد قطاراتها.

وبعد خمسين عاماً في 2009 أصبح واقعاً. لا يوجد في الحياة مستحيل إذا استطعتَ أن تتخيله».أيّ درسٍ بليغٍ يغرسه صاحب السمو في هذه القلوب المتطلعة إلى القدوة الحسنة، فحين يشاهدون هذا الوفاء العظيم لأمنيات الآباء المخبوءة في الصدور، وهذه الذاكرة الوفية للحظة غائرة في سياق الزمن، وهذه الإرادة الحديدية الجازمة، الماضية كالسيف في إنجاز مترو دبيّ كواحد من المشاريع العملاقة التي تحتاج إلى الجرأة الاستثنائية في اتخاذ القرار، كي تصبح ثقافة تحمّل المسؤولية جزءاً أصيلاً من مكونات الذات الإماراتية، واستمع معي إلى نبرة الفخر والاعتزاز بالإنجاز من كلام صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، الذي لا يتكلم إلا لكي يُعلّم حين قال قبل أيام: «نحتفل غداً بمرور عشر سنوات على إطلاق أحد أهمّ مشاريعنا في دبيّ والإمارات، مشروع مترو دبيّ.

نقل المترو مليار ونصف إنسان خلال عشر سنوات.استشرت في موضوع المترو أعضاء المجلس التنفيذي بدبي في وقتها، رفض البعض بحجة عدم تقبّل ثقافة الناس لاستخدام المترو. وأصررتُ على بدء التنفيذ فوراً»، لتكون هذه النبرة الواثقة هي المُلهمة للأجيال القادمة التي تعتز بهذا القائد الجسور المقدام الذي كانت حياته وما زالت وستبقى سراجاً يضيء الطريق للأجيال الحاضرة والقادمة.

صفحة خالدة

وفي واحد من أروع الدروس الأخلاقية التي يقف المرءُ مشدوها أمامَ روعتها وجلالها وبساطتها وأصالتها، يسطّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وبأحرف من نور ورجولة، صفحة خالدة في تاريخ الوطن والإنسانية حين تظل ذاكرته تحتفظ بحادثة قديمة جداً حصلت له قبل خمسين عاماً، حين كان يعتلي ظهر فرسه في سباق باهر مع كوكبة من فرسان الإمارات وكان من بينهم الفارس الأحبابي الذي كان ينطلق كالسهم الطائر، فما كان من صاحب السموّ إلا أن وازاه في الطريق وقفز ببراعة مذهلة تخطف القلب عن ظهر فرسه وأصبح رديفاً لذلك الفارس البارع، ثم دارت الأيام، وأصيب ذلك الصديق بكسر في فخذه فما كان من صاحب السموّ إلا أن قام بزيارته والاطمئنان عليه، فكان ذلك موقفاً عظيم التأثير في نفس شاعر أصيل تأثر بهذا النبل في الأخلاق وجميل الوفاء من هذا القائد الفارس الشجاع، فجاشت روحه بهذه الأبيات التي تفيض رقة ووفاء وأصالة مخاطباً بها صاحب السمو وسيد الفرسان، حيث يقول:

خـمـسـين عـام مـرّت وكنّها اليـــوم عادت شريط الذكريات القديمه

ما هو غريب الطيب بك يا ابن مكتوم يا رمــز يا مجـد الشيـوخ الحكيمه

فيك التواضع والكرم والوفا دوم مضرب مثل لاهل القلوب الرحيمه

بينك وما بين الحبابي من عـــلوم يوم المهارى تسابق بروق غيمه

مــا كنّـها الا الـــبـرق لا لاح بغيـوم شرواك ذخر وراس مال وغنيمه

الوقت ما ننساك يا ســـيد القوم تبقى عضيد اللي جروحه أليمه

ما خاب من خاواك بالامس واليوم أصيل يا راعي النوايا السليمه

إنّ هذه القصيدة الرائعة تستحق أن تكون مرقومة بماء الذهب؛ لأن فيها تخليداً لمناقب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فهي مرآةٌ صادقة اللمعان في إبراز الصفات الحميدة لفارس الجزيرة؛ شجاعة ووفاء، وهو الدرس الذي نحتاج إليه في كل وقت وحين.

ينابيع الحكمة

هذا، واعلم أيها القارئ الكريم، أنّ الإنسان لا يكون معلماً ناجحاً، فضلاً عن كونه شيخاً في التعليم حتى يكون قد تلقّى حظاً وافراً منه على يد أساتيذ كبار، ولعمر الحق إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان موفور الحظ بالشيوخ الذين جلس إليهم، ونهل من حكمتهم، واختزنت ذاكرته أروع دروس الحكمة من تعاليمهم.

وقد قصّ الكثير طيِّب أخبار هؤلاء الكبار الذين تعلّم منهم أسرار الحياة، فكان في طليعتهم والدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيّان التي خصّها بأروع الصفحات في سيرته الجليلة «قصتي»، حيث كانت المعلم الأول له، فتعلّم منها النشاط والاستيقاظ المبكّر حين كان يشمّ رائحة خبزها الذي كانت تُصرّ هي على صنعه، رغم وجود الخدم في قصرها، فكان ذلك درساً مبكّراً لهذا الفتى اليافع أن يكون قادراً على إنجاز ما يريد ولا يعتمد على الآخرين إلا في حدود ما تقتضيه مصلحة العمل، وهو المنهج الذي نراه بأم أعيننا في مسيرة سموه في جميع مسارات الحياة، حيث نلاحظ بصمته الخاصة في المشاريع الكبرى للدولة تماماً كما نلاحظها في حديث إنساني متواضع مع شيخ عجوز يجلس إليه (بو راشد) ويسأله عن أحواله بطريقته الخاصة.

ولقد ظلت هذه المعلمة الأولى شديدة الحضور في نفس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فمع هذه الشيخة الجليلة تعلّم سموه مفهوم المعلومة الأولى والدهشة الأولى، ولذلك تراه في الصفحات التي خصّ بها والدته يكرر بين الحين والآخر: مَنْ مثلُك يا أمي! من يشبهك يا أمي، وحين واراها الثرى عام 1983 نثر شيئاً من محاسن ومناقب تلك المرأة المعطاءة التي تدخل في صميم تكوينه الروحي والشخصي، وتُلهم أعمق المعاني والدروس في العلم والتعليم، حين وصف صدمة أهل دبي الذين أحبوها؛ لأنها وبحسب كلام سموه: «تعالج مريضهم، وتداوي صغيرهم، وتواسي فقيرهم، وتسمع لنسائهم، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم»؛ فهل تظنون أنّ هناك معلّماً أكثر تأثيراً من هذه المعلمة القدوة التي غرست في قلب (أبي راشد) نخلة الحب لأهل الوطن، وسكبت في روحه أصفى المشاعر التي ستكون هاديه وحاديه في مسيرته القادمة في الحياة؟ لذلك لم يكن مستغرباً أن يُجهش سموه بالبكاء وهو الرجل الصلب على هذه الروح الأليفة، وأن يظل يردد بين الحين والآخر: مَنْ مثلُ أمي؟ مَن مثل لطيفة؟ ورحم الله لطيفة أمّ دبي وصانعة الرجال ومعلمة الأجيال.

ومع والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كان لصاحب السموّ مدرسة أخرى في التعليم، فقد كان والده نبعَ حكمة وصفاء، ورجل دولة من طرازٍ فريد، استلهم من طريقته في الحياة أجمل المناقب، وعلى يديه تلقّى تدريباً مميزاً في مواجهة الحياة، جوهره البساطة والحكمة والحزم والمتابعة الحثيثة للأعمال والاقتراب من الناس، وعدم بناء الحواجز فيما بين الحاكم والرعية، ولذلك نجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يوجّه نقداً لاذعاً في افتتاح سيرته الذاتية «قصتي» لأسلوب الحكم الذي كان يحياه شاه إيران الذي كان يعيش حياة تشبه الأساطير والخرافات القديمة، بينما كان شعبه يرزح تحت وطأة الفقر والعوَز، فظل هذا الدرس عميق الأثر في شخصية سموه، وجعل هدفه الأكبر في هذه الحياة إسعاد شعب الإمارات والسعي في كل ما من شأنه أن يرقى بحياة المواطنين، وهو إنجازٌ ماثلٌ للعيان لا يحتاج إلى الشواهد والأمثلة، وعبّر عنه صاحب السمو بعبارة جميلة نافذة في أعماق القلب، حين قال في كتابه الرائع «ومضات من حكمة»: «أسرعُ وسيلةٍ لتكون سعيداً أن تغرس السعادة في نفوس الناس».

أمّا المعلّم الأكبر في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فهو باني البلاد وحكيم الجزيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، الذي اختص منه سموه بأروع معالم العناية، وتلقى على يديه ثقافة خاصة في الحكم والسياسة، وتعليماً نادراً ظل شديد الحضور والأثر في شخصية سموه، واستمع إليه كيف يتكلم عن هذا المعلم الجليل فيقول: «صحبتُ زايد كثيراً، وتعلمت منه الكثير، تعلمت منه البحث عن مساحات الاتفاق لا الاختلاف، البحث عن المستقبل لا عن الماضي، البحث عن أسبابٍ تُوحّدنا وتجمعنا وتقوينا وترفعنا.

علّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان حيّاً في القلوب والعقول، علّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان عالياً في الحياة وفي الممات». وما أروع ما افتتح به سموه الصفحات التي كتبها بمداد الحب والوفاء للشيخ زايد، رحمه الله، حيث يقول:

الناس صنفان موتى في حياتهمُ وآخرون ببطن الأرض أحياءُ

على يد هؤلاء الشيوخ الثلاثة تلقّى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أعظم قيم الحياة وأكثرها تأثيراً في نفسه، وانطلق بخطىً واثقة نحو صناعة الحياة وغرس قيمة العلم والتعليم كواحدة من أفضل مسارات الحياة للنهوض بالوطن، وحين ختم مقدمة كتابه الرائع «قصتي»، قال: «في هذه المحطات كلماتٌ بسيطة، أودعتها قليلاً من حكمة وكثيراً من محبة، لعلها تُفيد، أو تُلهم، أو تُعلّم، أو تُسهم في بناء الإنسان ورفعة الأوطان».

فكانت فكرة التعليم هي الدافع للكتابة وهي الغاية منها، لأن سموه شديد الإيمان بأهمية التعلم والتعليم كمنهج اختاره للحياة الشخصية والعملية كما ستراه في كثير من الأمثلة والمواقف.

شواهد الإنجاز

واستلهاماً لفكرة التعليم بالقدوة انطلق صاحب السمو في بناء الوطن، فالكلام ما لم يكن مقروناً بالإنجاز فهو لغوٌ زائدٌ على الحياة، لكن الكلام يكون عميق التأثير حين تكون شواهده ماثلة أمامَ العيون، ولكل شيءٍ في الدنيا تفصيل وإجمال، فالإجمال هو هذا الإنجاز المذهل في دبيّ، حيث جعلها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وجهة للعالم، وأما التفاصيل فإن المقال غير قادر على استيعابها على الوجه المأمول.وسبق لكاتب هذه السطور الوقوف عند بعض هذه التفاصيل بمقالات سابقة، لكن هذه المقالة تعتني بفكرة التعليم كفكرة ثقافية تتجسد في أعمال ظاهرة للعيان لا نحتاج إلى ذكرها للدلالة عليها.

لكنّ سموه الذي قدّم هذا النموذج العمليّ الباهر في التعليم لم يبخل على شعبه بصياغة أفكاره ضمن عبارات مكثفة، تتغيّا بثّ فكرة التعليم في النفوس والقلوب والأرواح؛ لأنه يعلم مدى فاعليتها بتحريك الساكن واستنهاض الهمم، وتحفل كتبه جميعها بشذراتٍ فريدة في هذا السياق، كانت وما زالت وستبقى بعون الله دليلاً أميناً لأبناء الوطن الساعين لرفعة شأنه وتشييد إنجازاته، فالكلمات الصادقات تفعل في القلوب فعل الماء في التراب، فتنبت فيها من كل زوجٍ بهيج.

لقد لفت صاحب السمو الأنظار إلى أهمية التعليم في حياة الأمم وكونه سبباً للنهضة وبناء الحضارات، فكتب بقلم الإخلاص والمحبة لشعبه عبارات خالدات ستظل سراجاً متوهجاً بالنور يضيء لهم الطريق، ويأخذ بأيديهم إلى المجد والرفعة، استمع إليه حفظه الله وهو يقول: «أحد أهمّ دروس التاريخ قديمهِ وحديثهِ هو أنّ نهضة الدول والشعوب والحضارات تبدأ بالتعليم، وأنّ مستقبل الأمم يبدأ من مدارسها» وهذا درسٌ بليغ تشهد به حركة التاريخ، ولعل تاريخنا العربي الإسلامي خير الشواهد على ذلك، فحين أراد الله تعالى رفعَ شأن العرب خاطبهم بتلكم الكلمة الجليلة الفخمة «اقرأ باسم ربّك»، لتنطلق طاقاتهم بعد ذلك فهماً وإبداعاً وتحريراً للبشرية من الأوهام وعبادة الأصنام، فهل بعد هذه المنزلة الرفيعة من منزلة، وهل بعد مجد العلم من مجد؟ واستمع معي إلى هذه الترنيمة البديعة من شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو يحثّ أفواج الشباب نحو العلم الذي تتأسس عليه الحضارات، وترتقي به الأمم والثقافات، حيث يقول:

تُبنى الحضارات بالعقل الذي رجحا وبالعزيمة نهجاً بان واتّضحا

ومن يجدّ يجدْ في الجِدّ مطلبه ومَن على العلم ألقى حلمه نجحا

ولا يكتفي صاحب السمو بتحريك الهمم نحو التعليم الذي ربما يكون روتينياً في سياق من السياقات، ولكنه يحثّ أبناءه ومواطنيه على عشق التحدي واختيار مسار التفوق في الحياة، فبحسب عبارة سموه: «لا يعشق القِمم إلا أصحاب الهمم، والتفوق يبدأ بحلم وطموح، ويكبر بتحدٍّ وعزيمة إلى أن يصبح أسلوباً وطريقة حياة، ثم حباً وعشقاً للمراكز الأولى، ونجاحات وإنجازات عظيمة».. بهذه الكلمات النابعة من قلب يعشق التحدي ويجعله نمط حياة تنطلق الطاقات الهادرة في قلوب أبناء الوطن، ويلتفّ الجميع حول قائدهم الشجاع المقدام، فيكون ذلك درساً هو الأبلغ في حب الوطن والسعي في نموّه وازدهاره.

وليس هذا الكلام مجرد أحلام تُدغدغ عواطف الشباب بل هو رؤية واثقة بالمستقبل وتعبير جازم عن الثقة بالشباب وطاقاتهم، الشباب الذين يخاطبهم صاحب السمو بقوله: «لا تنظروا للبدايات الصغيرة بل احلموا بالنهايات الكبيرة»، في إشارة ذكية من سموه إلى كثير من الأحلام التي كان يتمناها حين كان شابّاً يمشي مع والده ويحمل معه هموم الوطن، ويقدّم له المشروع تلو المشروع، فيبتسم له، إشارة إلى القبول والرضا، ثم يقول له «الناموس»، تعبيراً عن اكتمال الرؤية وقوّة العزيمة، ولو ظل صاحب السمو راضياً بأحوال دبيّ القديمة لظلت مدينةً متواضعة الإمكانيات لا يعرفها إلا أهلها، لكنّ دبيّ اليوم مدينة عالمية بالمعايير العالمية وليس بالدعوى الفارغة والكلام والأحلام.

وتأكيداً لهذا المغزى، وشحذاً للطاقات، يبدد صاحب السمو كل مظاهر الروتين والكسل التي ترافق العمل الوظيفي، ويريد للوظيفة أن تكون مسار إبداع وإنجاز وليست ملاذاً للكسالى والمقصّرين، فيقول في ذلك كلماته المشهورة التي تحرك الصخر مخاطباً بها شباب الوطن: «إذا نظرتَ إلى الوظيفة الحكومية على أنها مجرد وظيفة، فستكون أنت مجرد موظف»، ثم يقول بلغة تفيض بالعزيمة وبَعث الهمة: «لا تُمارس عملك كموظف، بل مارسه كقائدٍ يحبّ وطنه، وكصانعٍ يعشق صنعته، وكفنان يُبدع فنّه».

إنّ هذه العبارة الأخيرة تستحق أن تكون أيقونة في العمل يضعها كل موظف على مكتبه، ويتذوّق دلالاتها كل صباح لتكون مصدر إلهام ونبع عطاء له وهو يمارس عمله بشوق ورغبة وانتماء للوطن، فعلى هذه السواعد يشمخ بناء الوطن، وبهذه العزائم تظل راياته خفاقة في الأعالي.

ويرتقي صاحب السموّ بالإنسان من خلال هذه الرؤى الصافية النابعة من ثقافته العميقة وخبراته الأصيلة، فيرشده إلى مكانته العالية في هذا الكون من خلال العمل والإنجاز الذي تنهض به الحكومات المبتكرة فيقول: «الحكومات المبتكرة تُطلق طاقات الشعوب وترفع من قيمة عقل الإنسان، وتُحقق الحكمة الربانية في أن نكون خلفاء الله في أرضه»، وهذا لعمر الحق نمط فريد في ثقافة العمل والإبداع وهو أن يكون الإنسان واعياً بدوره الوجودي الذي خُلق من أجله وهو أن يكون خليفةً لله تعالى في أرضه تحقيقاً لقوله تعالى الذي كرّم الإنسان بهذا الاستخلاف العظيم، وأسجد له ملائكته بعد أن قال لهم: «إني جاعلٌ في الأرض خليفة»، فكان هذا المجد الجليل للإنسان الذي يكاد في لحظات غفلته ينسى هذا التكريم الإلهي ويشتغل بالترهات ويرضى لنفسه بالدون من منازل الحياة.

وتأكيداً لعمق هذا المعنى، يلفت صاحب السمو نظر الإنسان إلى أن الحياة السهلة الخالية من التحديات لا قيمة لها، وإذا كانت البلاد في هذه المرحلة تنعم بالخير الوافر، فإن سموّه يحرص دائماً على تذكير الأجيال الناشئة بصبر الآباء والأجداد وكيف بذلوا الغالي والنفيس من أعمارهم في سبيل تقدم الوطن ورفعته، وفي هذا السياق يقول سموّه: «الحياة السهلة لا تصنع الرجال ولا تبني الأوطان، التحديات هي التي تصنع الرجال، وهؤلاء الرجال هم مَنْ تُبنى بهم الأوطان»، فالمعادلة في فكر سموّه ناصعة والطريق واضحة، وحين يختار سموّه فريق عمله يكاشفه بهذه الحقائق، فإن كان من أصحاب العزيمة فحيّهلاً، وإلا فهو ممّن لا يصلح للعمل مع هذا القائد الجسور المقدام.

رؤية خالصة

سيدي صاحب السموّ: تضيق المساحات بتعداد مناقبكم، واستلهام رؤاكم، وسرد المواقف الرائعة التي ترشد الشباب وتغرس فيهم فكرة العلم والتعليم، وهذا شيءٌ ليس بمستغرب من فارس باسل نذر حياته لوطنه، وانتهج العلم والتعليم سبيلاً للارتقاء بالوطن والإنسان، وتجذرت فكرة التعليم في وجدانه حتى أصبحت رؤيته الخالصة للحياة، ينشرها في كل مكان فيسترشد بها الإنسان، وتصهل لها الخيل الأصايل حين ترى معلّمها «بوراشد» قادماً من بعيد وهو يترنم بصوته الأصيل الجليل:

مِنْ علّم الخيل أن باسمي تناديني وأني إذا جيت من البعد إتلقّاني

تفرح بقربي وتمازحــني وتحييني وإن غبت عنها على نار إترياني

وتحس بي وبشعور تشمّم إيديني يا كنّها في المشاعر نفس الانساني

سلام على قلبك الطيب أيها المعلم الجليل، وسلام عليك راعياً للوطن وقائداً للفرسان، وأميراً للقوافي وسيّداً للبيان.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً