الحكمة، والتوازن، والاعتدال، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، هي كلمات السر التي تكشف سر نجاح الدبلوماسية الإماراتية منذ تأسيس الدولة، ما جعلها محط احترام دول العالم، وهو ما تجسده علاقاتها الخارجية المتوازنة مع الشرق والغرب في نموذج يحتذى به للعلاقات بين الدول، ما جعل الإمارات حجر الزاوية في عملية إرساء الاستقرار والسلام في المنطقة والعالم.
ودولة الإمارات خطت نهجاً سلمياً يرتكز على الحكمة والموضوعية في تعاملها مع العديد من القضايا الدولية والإقليمية، كما تضع في سياساتها الخارجية المحافظة على الأمن العالمي والإقليمي على رأس أولوياتها، ما كرس دورها كعاصمة للأمن والسلام.

الحوار والحكمة
وانطلاقاً من إيمانها بأسلوب الحوار لحل المشكلات والنزاعات بين الدول، تتبنى الإمارات سياسة حكيمة في معالجتها لقضية جزرها الثلاث ”طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبوموسى” التي تحتلها إيران منذ 1971، إذ اتبعت ولا تزال نهجاً سلمياً ودبلوماسياً مرناً لإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر بالوسائل السلمية عن طريق المفاوضات الجادة والمباشرة، وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، وحظي هذا النهج بقبول ودعم من دول مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، والمجتمع الدولي، والدول الشقيقة والصديقة.

موقف قانوني
وجميع الإجراءات التي اتخذتها الدولة لاسترداد جزرها الثلاث المحتلة تستند إلى موقف قانوني وحقوقي عبر الاحتكام للشرعية الدولية والقانون الدولي، كما ترى الإمارات أن أفضل علاج للمشكلات القائمة بين الدول هو ما قام بناء على علاقات الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة، مما يفتح آفاقاً رحبة للتعاون المثمر بين الدول في المنطقة الواحدة من جهة وبين دول العالم كافة من جهة أخرى.

الاحتلال
تعود قضية الجزر المحتلة إلى سنة 1971 التي شهدت انسحاب بريطانيا من الخليج، ما نتج عنه الكثير من المشكلات الأمنية والسياسية، أهمها احتلال إيران الجزر الثلاث باعتبارها نقاطاً مهمة للتحكم في الخليج.

الثورة الإيرانية
عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 توسمت الإمارات ودول المنطقة خيراً، وساد انطباع بأن الجمهورية الجديدة ستساعد في حل مشكلة الجزر المحتلة، لكن إيران أعربت عن أن مواقفها ثابتة تجاه الجزر باعتبارها قضية تنطوي على “مصالح إيرانية وطنية حيوية”، وحرص المسؤولون الإيرانيون على إطلاق تصريحات مطاطة وغير مفهومة ومتناقضة أيضاً بالنسبة لموضوع الجزر، كما أنها أرسلت قواتها المسلحة لتحتل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، فضلاً عن تعزيز وجودها العسكري في جزيرة أبو موسى وإخلائها من الوجود الإماراتي بعد حرب تحرير الكويت.

مساران متوازيان
رأت الإمارات أن الأساليب الدبلوماسية تبقى الطريقة الأفضل لمواجهة الاحتلال وحل هذه الأزمة، وعزمت على انتهاج سبيلين متوازيين في تناولها لقضية الجزر، فبدأت بإظهار ما تقوم به إيران في الجزر مع تأكيد عدم قانونية وشرعية ذلك، ثم عملت على تدويل القضية على المستويات المتاحة والممكنة كافة، الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.

وفشلت المحاولات العديدة لحل هذه الأزمة الشائكة بين الإمارات وإيران منذ اندلاعها في 1971، فعقد مجلس الأمن جلسة خاصة في 9 ديسمبر (كانون الأول) 1971 للنظر في قضية الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، باعتباره ”عدواناً منافياً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحق الجوار”، وكان الفشل حليف تلك الجلسة، وفي الدورتين الـ47 والـ48 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 1992 و1993 تطرقت كلمات بعض الوفود العربية والأجنبية إلى احتلال إيران للجزر الثلاث.

المفاوضات المباشرة
وبالمثل، فإن المفاوضات المباشرة بين الإمارات وإيران في أواخر سبتمبر (أيلول) من 1992 لم توصل الطرفين إلى حل ينزع فتيل الأزمة، أمام الرفض الإيراني المتعنت لإنهاء الاحتلال أو حتى مجرد مناقشته، وأكدت التجارب العديدة بين 1971 – 2006 انكسار كل المحاولات التي قامت بها الإمارات والمنظمات الإقليمية والدولية لحل الأزمة على صخرة العناد الإيراني.

وسعت الإمارات لحل الأزمة بكل الطرق السياسية والدبلوماسية السليمة، كما حاولت إقناع إيران بإنهاء احتلالها للجزر والتفاوض حولها أو عرضها على التحكيم الدولي، لكن الأخيرة لم تستجب حتى لهذه الدعوات الصادقة لإنهاء الاحتلال الذي يزعزع استقرار منطقة الخليج العربي، ويعكر صفو العلاقات بين إيران وبقية الدول العربية.

سياسة العداء الإيراني
وفي المقابل تنتهج إيران سياسة العداء في تعاطيها مع قضية احتلالها للجزر، وترفض المثول أمام القضاء الدولي لحل المسألة، وتفتقر إلى حجج وأدلة ادعائها في ملكية هذه الأرض العربية، وعادة ما تنتهج نهج الإسقاط في تبريرها وردودها على دعوة ومطالبة دولة الإمارات بإحالة الملف للقضاء الدولي.

الحقائق التاريخية
وتتجاهل إيران عن عمد، حقائق التاريخ والسيادة الوطنية الإماراتية على الجزر، إذ أن إمارتي الشارقة ورأس الخيمة مارستا كل مظاهر السيادة على الجزر قبل قيام دولة الاتحاد، وأدلة ذلك رفع أعلام الشارقة ورأس الخيمة على الجزر الثلاث، وتطبيق قوانين وأنظمة الإمارتين في الجزر، وتمتع مواطني الجزر بجنسية الشارقة ورأس الخيمة، كما تمتعت حكومتا الإمارتين بكافة الصلاحيات في منح امتيازات استخراج الثروات المعدنية والنفطية في الجزر.

ويكشف التاريخ أن الجزر الثلاث كانت ملكاً للشيوخ القواسم العرب، وبالرغم من أن بريطانيا فرضت الحماية على حكام الخليج العربي ومنهم شيوخ القواسم، إلا أن الجزر الثلاث ظلت تحت حكم إمارتي الشارقة ورأس الخيمة، بل إنه في 1930 رفض حاكما رأس الخيمة والشارقة طلباً من إيران بوساطة بريطانيا شراء جزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى، وبعد 1971، ورثت دولة الإمارات حقوق والتزامات الإمارات السبع المكونة لدولة الاتحاد قبل قيام الاتحاد، وورثت بذلك حقوق والتزامات إمارتي الشارقة ورأس الخيمة على الجزر الثلاث، ولم تعد قضية محلية تخص السلطات المحلية في الإمارتين.

الأهمية الاستراتيجية للجزر
وعلى الرغم من صغر مساحة الجزر الثلاث، فإن لها أهمية استراتيجية بالغة حيث تقع على امتداد طريق ضيق يعبر الخليج العربي نحو مضيق هرمز ومنه إلى خليج عمان، كما أن معظم صادرات دول الخليج العربية النفطية ووارداته غير النفطية تمر عبر هذا الطريق الضيق، كما أن عدداً من حقول النفط والغاز تقع على مقربة من الجزر الثلاث وتزيد من أهميتها الاستراتيجية، ومجمل هذه العوامل تمنح الجزر أهمية استراتيجية متعاظمة حيث توفر لأي قوة تسيطر عليها قدرة حماية الملاحة البحرية، والسيطرة على الحقول البحرية في المنطقة أو مهاجمتها.

الأهمية التاريخية
أما فيما يتعلق بالأهمية التاريخية للجزر الثلاث، فإن الموقع الاستراتيجي المتميز لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى على ممر الملاحة الدولية في الخليج العربي وقربهما من “مضيق هرمز” كان سبباً في جعلهما محط أنظار القوى العالمية الكبرى، القديمة منها والحديثة، فكانت الجزيرتان في الماضي مطمعاً للفاتحين والمستعمرين من اليونان والرومان والبرتغاليين والهولنديين والانجليز والفرس، ومقصداً للسفن العابرة بين المحيط الهندي والخليج العربي كموانئ للاستراحة وملاجئ لحماية السفن من العواصف البحرية والحالات الطارئة الأخرى، فضلاً عن استغلالهما كمراكز للفنارات المخصصة لإرشاد السفن، أما في الوقت الحالي فقد تزايدت أهمية موقعهما الاستراتيجي، خصوصاً بعد تحول الخليج العربي إلى أكبر مخزن للاحتياطي النفطي في العالم.

كما أن اكتساب مضيق هرمز أهمية استراتيجية حيوية جعله من أهم المضايق في العالم، باعتباره المنفذ الذي يمر من خلاله أكثر من 85% من صادرات نفط الشرق الأوسط، ولهذا تتمتع جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى بموقع بالغ الأهمية، بل إن موقعهما الاستراتيجي يكاد يضاهي في أهميته جزيرتي “قشم” و”هرمز” حيث مكنتا إيران بحكم موقعهما ـ من السيطرة على مضيق هرمز والتهديد بإغلاقه في وجه الملاحة الدولية أكثر من مرة.

السيادة الإماراتية
حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على تأكيد سيادتها على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، عبر وثائق تاريخية وسياسية تستند في مطالبها على استعادة الجزر، معتمدة صيغة الحلول السلمية السياسية والقانونية، لكن التعنت الإيراني الناجم عن فقدان أية حقوق مشروعة في تلك الجزر، والمستند إلى آليات القوة في العلاقات الدولية، أعاق إيجاد أية صيغة تسوية دائمة ترسخ الأمن في منطقة الخليج العربي.

التمسك بالحقوق
إن قضية الجرز الإماراتية الثلاث المحتلة تظل على رأس أولويات القيادة الإماراتية، التي دعت وما تزال، الجارة الإيرانية لإعادة الحقوق إلى أصحابها، إما طواعية وإما باللجوء إلى الوسائل السلمية لحل النزاعات الدولية، وفي مقدمتها اللجوء إلى القضاء أو التحكيم الدوليين، في تأكيد على حق الإمارات في السيادة على هذه الجزر، وتمسكها بمرتكزات القانون الدولي.

“لن نتنازل عن حبة رمل واحدة من أرضنا لإيران، فالأرض ملك الشعب وليست ملكاً لعائلة”، كلمات للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تحمل في طياتها رسالة واضحة للعالم أجمع حول الموقف الإماراتي الثابت من قضية الجزر، وتمسك الإمارات بكل حبة تراب من أرضها.