رئيس «المجلس الدولي للطبيعة»: الإمارات صنعت تحولاً نحو نموذج اقتصادي مختلف بإشراك القطاع الخاص

رئيس «المجلس الدولي للطبيعة»: الإمارات صنعت تحولاً نحو نموذج اقتصادي مختلف بإشراك القطاع الخاص

شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أمس، محاضرة بمجلس سموّه بقصر البطين في أبوظبي، ألقاها رئيس المجلس الدولي للصندوق العالمي للطبيعة، بافان سوخديف، تحت عنوان «إعادة تعريف معنى الثروة لتحقيق الديمومة الاقتصادية»، وأكد أن نجاح دولة الإمارات في تقليص اعتماد ناتجها المحلي على النفط…

محمد بن زايد يشهد محاضرة «إعادة تعريف معنى الثروة»



شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أمس، محاضرة بمجلس سموّه بقصر البطين في أبوظبي، ألقاها رئيس المجلس الدولي للصندوق العالمي للطبيعة، بافان سوخديف، تحت عنوان «إعادة تعريف معنى الثروة لتحقيق الديمومة الاقتصادية»، وأكد أن نجاح دولة الإمارات في تقليص اعتماد ناتجها المحلي على النفط والغاز، بنسبة 30%، مقابل 70% للصناعة والتجارة في مجالات أخرى متعددة، جعلها أحد أكثر الاقتصادات تنوعاً في منطقة الخليج، معتبراً أن دولة الإمارات صنعت تحوّلاً نحو نموذج اقتصادي مختلف، من خلال إشراك وتعزيز إسهام القطاع الخاص، بفضل الرؤية الاقتصادية الثاقبة لقادتها.

وبدأ رئيس المجلس الدولي للصندوق العالمي للطبيعة (الذي يعدّ من أكبر الشبكات العالمية للحفاظ على الطبيعة)، محاضرته بالتأكيد على أن العالم يعيش حالياً في عصر الإنسان «الأنثروبوسين»، وهو عصر أصبحت فيه البشرية قوة بيئية تغيّر سطح الكوكب، من خلال استهلاكها الموارد، كما لو كانت غير محدودة، وإساءة إدارة الثروة العامة، لأنها لا تقيس هذه الموارد بشكل صحيح، مشيراً إلى أن «أغلب النظم السياسية والاقتصادية الحالية تقيس النمو بنظرة قاصرة تعتمد على النواتج المحلية الإجمالية لبلدانها، ونسب أرباح وخسائر الشركات باعتبارها عوامل حاسمة للنجاح».

وقال سوخديف، الذي يعد أحد المفكرين الرواد في مجال الاستدامة، وخبير ابتكار، وصوتاً مؤثراً بين صانعي السياسات والمؤسسات البيئية الوطنية التي تركز على التنمية المستدامة: «من خلال هذه النظرة القاصرة، وضعنا مقاييس تعتمد على بعد واحد فقط من ثروتنا، أي الثروة المصنّعة، متجاهلين الأبعاد الأخرى للثروة مثل صحة الإنسان، والمعرفة، والمهارات، وثروة الموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية، وثروة العلاقات القوية والمؤسسات الاجتماعية، سواء كانت رسمية مثل الدساتير والقواعد واللوائح، أو غير رسمية مثل الثقافة والتقاليد والثقة واحترام الآخرين».

وأضاف: «لأن نظرتنا إلى الثروة تقتصر على تلك التي يصنعها الإنسان، أصبحنا كمن يحاول أن يوازن نفسه على كرسي ذي رِجل واحدة، فوجدنا أنفسنا دائماً غير متوازنين بغياب الأرجل الثلاث الأخرى».

وتحدث المفكر الاقتصادي العالمي عمّا يعرف بـ«اقتصاد الديمومة»، قائلاً: «لقد وصف رجل الاقتصاد البريطاني، كينيث بولدينغ، النموذج الاقتصادي للستينات بأنه اقتصاد رعاة البقر، ورأى في مقال كتبه عام 1966 تحت عنوان (كوكبنا سفينة فضاء)، ضرورة بناء اقتصاد مسؤول ودائري، أشبه باقتصاد رائد الفضاء، الذي يدرك محدودية الموارد من حوله، وقبل ذلك بـ20 عاماً، وتحديداً عام 1945، وضع جيه سي كومارابا، وهو اقتصادي يؤمن بأفكار غاندي، مصطلح (اقتصاد الديمومة)، ليشير إلى اقتصاد دائري في طبيعته دائم».

وأضاف سوخديف: «لقد وجد كومارابا خمسة أنواع من الاقتصادات في المجتمع، كل منها يحاكي النماذج الموجودة في عالمنا الطبيعي، ومن بين هذه الاقتصادات هناك نموذجان استغلاليان، أولهما الاقتصاد الطفيلي، الذي يدمر مصدر المنفعة، والثاني الاقتصاد المفترس، الذي يستخدم العنف، لكنه يحتفظ بفرائسه».

ولفت إلى أن الخبير الاقتصادي كومارابا رأى أن النموذج السائد في زمنه كان مزيجاً من النموذجين الاستغلاليين، ولذلك طالب بالانتقال إلى نموذج مختلف يستمد قوته من الأنواع الثلاثة الأخرى، وهي: العاملون من أجل المنافع الفردية أو ما يعرف بـ«اقتصاد المؤسسة»، أو المنافع المشتركة التي تعرف بـ«الاقتصاد التشاركي» أو «اقتصاد الخدمة» اللاأناني، الذي يهدف إلى تحقيق المنفعة العامة.

وأكد سوخديف أن ما سبق يوضح أن «اقتصاد الديمومة» يرى أن الثروة موجودة في ثلاثة مستويات: خاصة ومجتمعية وعامة، وأنه لا يمكن تحقيق رفاهية الإنسان والتعايش السلمي ما لم يُولِ الاهتمام اللازم للفئات الثلاث واستثمارها، مشيراً إلى أن اقتصاد الديمومة يدرك أن للثروة أشكالاً عدة: طبيعية وإنسانية واجتماعية ومنتَجة، وكلها ضرورية للتقدم الاقتصادي.

وقال: «مع ذلك لا يمكن صياغة السياسات الحكومية والاستثمارات التي تستهدف التحسين أو اختبارها، دون مقاييس تراعي جميع مستويات الملكية الثلاثة، وجميع أشكال الثروة الأربعة، لاسيما أن مقاييس اليوم، مثل حسابات الأرباح والخسائر على مستوى الشركة، تقيس فقط التغييرات في رأس المال الخاص لمنتج معين، مع تجاهل الفئات الأخرى، وهذا لا يمكن أن يكون السبيل إلى تحقيق التقدم».

وأضاف: «إذا تتبعنا طبيعة أكبر أزماتنا المالية والاقتصادية الأخيرة (أي أزمة ديون أميركا اللاتينية في أواخر سبعينات القرن الـ20، وأزمة المدخرات والقروض في أوائل الثمانينات، وأزمة الديون الآسيوية من 1997 إلى 1998، وأزمة مشتقات الرهن العقاري سنة 2008)، يمكننا أن نعزوها إلى إساءة فهم المخاطر وإساءة إدارة الائتمان، لكنّ أحد الأسباب الكامنة وراء مثل هذه الممارسات السيئة كان طيش قطاع البنوك والتمويل في ما يتعلق بالحوافز المقدمة والاستجابة لتوجيهات السياسات، التي لم تكن على اطلاع كافٍ، وعاجلاً وليس آجلاً سيتعين على جميع البلدان حل هذه المشكلة المتفشية، المتمثلة في استخدام المنظار الخاطئ في تحقيق التنمية الاقتصادية لمواطنيها».

وتحدث رئيس المجلس الدولي للصندوق العالمي للطبيعة، عن أهمية الاقتصاد الإماراتي إقليمياً وعالمياً، قائلاً إن اقتصاد الإمارات يضم العديد من الصناعات، أهمها البترول والغاز الطبيعي، لكن 30% فقط من الناتج الاقتصادي لها يأتي من النفط والغاز، لأنها باتت تعتمد على التنوع الاقتصادي وتطوير صناعات مثل التطوير العقاري، والألومنيوم، والإسمنت، والأسمدة، وإصلاح السفن التجارية، ومواد البناء، والخدمات اللوجستية، والصناعات اليدوية، والمنسوجات، والأغذية والمشروبات، ومصايد الأسماك، ومن هنا يمكن التأكيد أن أبوظبي أصبحت بالفعل واحدة من أكثر الاقتصادات تنوعاً في منطقة الخليج.

وأضاف: «تتمثل خطة الإمارات الاستراتيجية للسنوات الخمس المقبلة، في التركيز على مزيد من التنويع الاقتصادي، في مجالات التجارة والسياحة، وتحسين التعليم، وزيادة فرص العمل في القطاع الخاص، وهذا يعني أيضاً تقييم أهم المخاطر والفرص المستقبلية باستخدام منظور يدرك الأبعاد العديدة للثروة».

وأكد أن الإمارات تحصل على نحو 99% من الطاقة التي تحتاج إليها من الوقود الأحفوري، بفضل ثرواتها الطبيعية من النفط والغاز، لكنها تدرك أن هذا الوقود يعدّ مجالاً رئيساً لمخاطر «الأصول الجانحة»، التي يجب إدارتها في المستقبل، لافتاً إلى أن الحكومة اتخذت من هذا المنطلق، ومن خلال «الرؤية الاقتصادية 2030» لإمارة أبوظبي، الخطوة الصحيحة تجاه استكشاف قطاع الطاقة المتجددة، حيث خفّضت دعم الوقود وفرضت ضريبة على المشروبات المحلاة والتبغ، ما يعكس مبدأ «فرض الضرائب على الضار».

وقال إن الرؤية الحكومية لقادة الإمارات جعلت الفرص الاقتصادية كثيرة في مختلف المجالات، بما في ذلك الصناعات الأسرع نمواً في الدولة، أي تجارة التجزئة، وقطاع الضيافة، والرعاية الصحية، والأغذية، والمشروبات، والتسويق والإعلان، وليس من المستغرب أن يسهم القطاع الخاص بحصة الأسد في الناتج المحلي الإجمالي للدولة (نحو 70.5% عام 2018)، لذلك فإن أي تحوّل نحو نموذج مختلف لابد أن يتطلب إشراك وتعزيز إسهام القطاع الخاص مثلما فعلت دولة الإمارات.

واختتم سوخديف محاضرته قائلاً: «ما لم يتم إحداث تحوّل اقتصادي وتبني أنظمة القياس الصحيحة ومواءمة الحوافز والمثبطات لقيادة التغيير نحو اقتصاد دائم، فإن سلوك القطاع الخاص المعتاد سيستمر في استنزاف موارد كوكبنا، ما يعرض سبل عيشنا للخطر، ولا يمكن لأيّ منا تحمل عواقب مثل هذا المستقبل».

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً