أسر مدمني مخدرات تعاني فراغاً واكتئاباً بعد تعافي أبنائها

أسر مدمني مخدرات تعاني فراغاً واكتئاباً بعد تعافي أبنائها

كشفت مديرة إدارة الفئات الأكثر عرضة للضرر في هيئة تنمية المجتمع، الدكتورة هدى السويدي، أن أسر مدمني مخدرات تعاني الاكتئاب والفراغ بعد علاج أبنائها من التعاطي، بسبب ما يعرف بـ«الاعتماد المتواطئ»، الذي يجعل الأسرة تدور في فلك الابن المدمن، وتشعر بأن العناية به هو إنجازها الوحيد في الحياة، فتتحول لمعوق يمنع علاجه دون أن تشعر.

«الاعتماد المتواطئ» يصيب 99% من الأسر التي تسخّر حياتها للابن المدمن


  • الدكتورة هدى السويدي: «الثقافة الإماراتية حيال الإدمان تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة».



كشفت مديرة إدارة الفئات الأكثر عرضة للضرر في هيئة تنمية المجتمع، الدكتورة هدى السويدي، أن أسر مدمني مخدرات تعاني الاكتئاب والفراغ بعد علاج أبنائها من التعاطي، بسبب ما يعرف بـ«الاعتماد المتواطئ»، الذي يجعل الأسرة تدور في فلك الابن المدمن، وتشعر بأن العناية به هو إنجازها الوحيد في الحياة، فتتحول لمعوق يمنع علاجه دون أن تشعر.

وقالت لـ«الإمارات اليوم» على هامش ملتقى حماية، الذي نظمته شرطة دبي، أخيراً، إن دراسة حديثة شملت 257 من نزلاء المؤسسات العقابية، كشفت أن 26% من المتعاطين تأثروا بمتعاطين آخرين في أسرهم، وبلغت نسبة وجود أخ متعاط من بين هؤلاء 87%.

وأضافت أن كثيراً من الأسر تفهم الاحتواء بصورة خاطئة، فتوفر للابن المدمن سبل الراحة كافة بعد خروجه من السجن، ما يسهل عودته إلى التعاطي سريعاً، لأنه لا يعاني أي خسائر أو أضرار بسبب سلوكياته، لافتة إلى أن مؤشر التعافي من الإدمان على مستوى الدولة يراوح بين 25 و30%، معتبرة أنها نسبة جيدة مقارنة بالنسب العالمية.

وتفصيلاً، قالت السويدي إن الأسرة تمثل رأس الحربة في رحلة العلاج من الإدمان، بنسبة لا تقل عن 50%، فإما تشجع ابنها على العودة إلى التعاطي بتزويده بكل ما يحتاجه، كأنه نزيل في فندق، فتمنحه النقود والسيارة والغرفة التي يتعاطى فيها، أو أنها تكون مساندة لعلاجه بإشعاره بأنها ليست طوعاً له.

وأضافت السويدي، أنها نصحت آباء بطرد أبنائهم المدمنين من المنزل، فيقول أحدهم، إذا طردته فسيجد مكاناً آخر للتعاطي، ونرد عليه بأنه «يتعاطى في جميع الأحوال، لكنه على الأقل لن يجد مأوى في منزل أسرته».

وأكدت أن المدمن السابق يجب أن يشعر بأنه سيخسر كثيراً بعودته إلى التعاطي، كأن يضطر إلى الطلاق من زوجته، أو الابتعاد عن أطفاله، أو طرده من المنزل، لأن هذه الخسارات تزيد رغبته في التعافي حتى يسترد ما فقده.

وتابعت «الرغبة هي الخطوة الأولى والرئيسة في التعافي من الإدمان، فلا أحد يستطيع إجبار مدمن على العلاج والتأهيل، لكننا مسؤولون فقط عن تزويده بالمساعدات التي يحتاجها، لذا أقول دائماً لنزلاء (عنبر عونك) بالإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية في شرطة دبي، (لستم أبطالاً خارقين، ولن تستطيعوا إكمال رحلة العلاج بأنفسكم في الخارج)».

وتابعت أن الأسر تحتاج إلى علاج مثل المدمن تماماً، لافتة إلى أن نسبة كبيرة من الأسر تصل إلى 99% تعاني «الاعتماد المتواطئ»، وهو الحاجة إلى حاجة ابنها المدمن إليها، مثل أب وأم متقاعدين يجريان وراء ابنهما في كل مكان، مراكز الشرطة ومراكز التأهيل والمستشفيات، وفجأة يتعافى هذا الابن المدمن، ويجد الأب والأم نفسيهما في حالة فراغ واكتئاب، لأن محور حياتهما توقف فجأة.

وأوضحت أن مركز عونك يتولى كسر حلقة الاعتماد المتواطئ، بتوعية الأسر وإخراجها من المعادلة، فلا تظل مثقلة بهموم هذا الابن، الذي يبتزها ويضغط عليها ويستغلها عاطفياً، وفي النهاية يتضرر الجانبان بشدة، مؤكدة أن هذه إشكالية كبرى وتصل في كثير من الحالات إلى أن الأسرة نفسها لا تريد أن يشفى الابن، لأن هدفها الرئيس في الحياة يتحول إلى كيفية حل مشكلاته، وعندما تحل هذه المشكلات ينعدم الهدف الذي تعيش لأجله.

وأشارت إلى أن امرأة سخّرت نفسها لشقيقها المدمن، وأهملت أسرتها الخاصة، فطلقها زوجها، وابتعدت عن ابنها، وحين تعافى شقيقها من الإدمان، جاءت تبكي لأنها لم تعد تجد ما تفعله، واكتشفت أنها خسرت كل شيء.

وقالت السويدي، إن «الثقافة الإماراتية حيال الإدمان تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، فالأفراد سابقاً كانوا يخشون الحديث عن الإدمان، لكننا مثل أي مجتمع آخر عرضة لمثل هذه الأمراض»، لافتة إلى أن المركز حقق أخيراً إنجازاً مهماً، هو عقد اجتماع أسري لـ19 أسرة من إجمالي 20 نزيلاً، بعنبر عونك، في السجن المركزي، ولم ترفض سوى أسرة واحدة.

وأوضحت أن الاجتماع ركز على تعزيز وعي الأسر بمسؤوليتها ودورها كشريك أساسي في دعم أبنائها المتعافين خلال مرحلة الرعاية اللاحقة، ووقايتهم من الانتكاسة، وإتاحة المجال لهم للعودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية، وتولي الأدوار المنوطة بهم على صعيد الأسرة والمجتمع.

وتم استعراض عدد من المحاور لتعريف الحاضرين بطبيعة الإدمان، وسبب تصنيفه كمرض، ومواصفات الشخصية الإدمانية، والتحديات الحياتية والمشكلات الأسرية التي تواجه المتعافي خلال مرحلة الرعاية اللاحقة.

كما تم استعراض الأثر النفسي والاجتماعي المصاحب للإدمان والاضطرابات التي تستمر مع المتعافين، وتحتاج إلى ملاحظة وعلاج.

وكشفت السويدي، أن المركز وضع برامج لعلاج الأسر نفسها، حتى لا تعاني البؤس من ناحية، ولا تدفع أبناءها إلى العودة للتعاطي مجدداً، لافتة إلى أن مواجهة المشكلة بشجاعة يساعد الجانبين على تجاوزها.

وأوضحت أن الأسر الإماراتية في السابق كانت تتجنب كلياً الإفصاح عن إدمان أحد أبنائها، لكنهم يجلسون معاً الآن، ويتبادلون المعلومات والنصائح والتجارب، مشيرة إلى أن هناك تحولاً كبيراً في إدراك أن الإدمان مرض، وله عوامل وراثية كذلك، ومن أبرز أعراضه، ارتفاع احتمالات الانتكاسة.

وقالت السويدي «لا نستطيع رغم ذلك منع الأسر من علاج أبنائها في الخارج، إذا كانت تعتقد أنها تحافظ بذلك على سرية الحالة، لكن نؤكد في المقابل أن المركز يتعامل بكل سرية مع الحالات التي تلجأ إليها للعلاج والتأهيل، لأن الهدف الأساسي هو حماية المجتمع من الإدمان»، لافتة إلى أن البعض يعتقد أننا نبلغ الشرطة عن الشباب الذين يلجأون إلينا، لكن الشرطة ذاتها تحرص على احتواء المدمنين القابلين للعلاج، دون اتخاذ إجراءات قانونية حيالهم.


خطة مؤجلة للتعاطي

أفادت مديرة إدارة الفئات الأكثر عرضة للضرر في هيئة تنمية المجتمع، الدكتورة هدى السويدي، بأن كثيراً من المتعاطين السابقين تكون لديهم أفكار مخزّنة بمثابة خطة مؤجلة للتعاطي، لذا يعمل فريق العمل بمركز «عونك» على اكتشافها، لافتة إلى أن هناك مستويات علاجية مرتبطة بشدة المرض ونوع التعاطي وطبيعة المشكلات التي يمر بها أثناء علاجه وتأهيله.

وأوضحت أن «البعض يمر برحلة علاج جيدة، وحين نبدأ في تمكينه مجتمعياً من خلال توفير وظيفة له، نكتشف أنه يعاني في تعامله مع الناس، ويشعر بتوتر وغضب عند أول مشكلة، فنعمل من جانبنا على تدريبه وتوعيته بكيفية التعامل مع هذه الضغوط، واحتواء غضبة وقلقه وتوتره، كما نعمل على وضع خطة وقاية للانتكاسة، حين نرصد علامات تحذيرية تؤشر لاحتمالات حدوثها».

الأسرة تمثل رأس الحربة في رحلة تعافي الابن المتعاطي من الإدمان.

26 %

من المدمنين تأثروا بمتعاطين آخرين في أسرهم.

رعاية لاحقة

قالت مديرة إدارة الفئات الأكثر عرضة للضرر في هيئة تنمية المجتمع، الدكتورة هدى السويدي، إن مركز «عونك» يقدم الرعاية اللاحقة للمتعاطين الذين يتجاوزن فترة العلاج الأولى، ويوفر برنامجاً مدروساً وشاملاً، يتضمن مساقات تأهيلية ونفسية وأسرية واجتماعية.

وأشارت إلى أن البرامج النفسية تركز على كيفية التعبير عن المشاعر، واستعادة المتعاطي ثقته بنفسه، وكيفية التمييز بين الأفكار الإيجابية والأفكار السلبية، التي يمكن أن تجره إلى التعاطي مجدداً، موضحة أن البعض قد يتقدم في العلاج لعام وعامين، ثم يرتد مجدداً إلى التعاطي.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً