الاغتيالات الناعمة.. أدوية صارت أسلحة في الصراع السياسي

الاغتيالات الناعمة.. أدوية صارت أسلحة في الصراع السياسي

في صراعه من أجل البقاء، اهتدى الإنسان، قديماً وحديثاً، إلى الوسائل والأسلحة التي يدافع بها عن نفسه، سواء ضد الأعداء الخارجيين أو الأمراض التي تهاجم جسده.

في صراعه من أجل البقاء، اهتدى الإنسان، قديماً وحديثاً، إلى الوسائل والأسلحة التي يدافع بها عن نفسه، سواء ضد الأعداء الخارجيين أو الأمراض التي تهاجم جسده.

وفي السياق التاريخي لهذا الصراع، طوّر الإنسان وسائل البحث، وصولاً لأحدث المختبرات والتقنيات. لكن الصراع لم يكن من أجل البقاء فحسب، إنما أخذ في المجتمع الطبقي، منحى الصراع على الثروة والأرض وحتى الفضاء. وكمسار ونتيجة، أصبحت أبحاث اختراع الأدوية تتّجه إلى تحويلها من أسلحة دفاعية بيولوجياً إلى أسلحة هجومية. الأسلحة البيولوجية باتت مصطلحاً عسكرياً يحمل العوامل المُسببة للأمراض والأوبئة، بدلاً من أن تكون أسلحة ضد الأمراض.

وبطبيعة الحال فإن الاغتيالات السياسية تندرج ضمن الصراع السياسي، ولعلها الوجه الآخر لتعنيف الصراع ونقله إلى مرحلة التصفية الجسدية، فمن يقوم بالاغتيال السياسي ليس إلا لإلغاء الآخر وطمسه والقضاء عليه بصرف النظر عن تبعات الاغتيال ونتائجه.

الغموض الواضح

كثيرة هي حالات «الوفاة» التي نسبت إلى المجهول وأقفل ملفاتها على الغموض الذي اكتنفها. فالزعيم الراحل جمال عبدالناصر رحل في 28 سبتمبر 1970، على نحو مفاجئ ولم يكن الكشف الطبي احتوى شيئاً عن جلطة أو نوبة قلبية، وحينها أشارت أصابع الاتهام على الفور إلى إسرائيل، وظهر على الساحة وبقوة اسم أخصائي العلاج الطبيعي للرئيس.

وقد أُلقي القبض عليه وأُغلقت عيادته ومركزه للعلاج الطبيعي وأُعلن عن عدم أهليته لممارسة المهنة وأن درجته العلمية‮ «مزورة‮».

وكان الملك فاروق توفي عن عمر يناهز 45 عاماً في منفاه بإيطاليا، بعدما شعر بضيق في التنفس واحمرار في الوجه، وقرر الأطباء بأن رجلاً مثله يعاني ضغط الدم المرتفع وضيق الشرايين لابد أن يقتله طعام مثل ما تناوله. لكن تقارير مصرية تحدثت عن فرضية اغتيال بالسم نفذها «جارسون» يهودي عمل لمدة شهر بمطعم «ايل دي فرانس» المفضل لدى الملك.

البارانويا القاتلة

وبعدما اختفى عن الأنظار لفترة، رحل الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين بعد «مرض عضال» فتّت عظامه ومصّ لحمه قبل أن يودي بحياته، وأشيع وقتها عن فرضية اغتيال نفذتها مخابرات أجنبية بمادة الثاليوم القاتلة في طعام بومدين، وهو ما عُرف بعدها بأعراض «البارانويا».

وكانت وفاة اللواء عمر سليمان، الرجل الثاني في نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مفاجئة، حيث توفي بمستشفى «كليفلاند كلينيك» الأمريكية بعد مضاعفات مفاجئة بالقلب والكلى.

رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004 من أكثر الحالات في التاريخ الحديث وضوحاً في «الموت الغامض»، إذ أكدت زوجته سهى عرفات مراراً، كما غالبية الفلسطينيين، بأنه تعرض لاغتيال بالسم قبل نقله لأحد مستشفيات باريس حيث تُوفي هناك، وقررت السلطات الفرنسية والفلسطينية فتح تحقيق موسع حول وفاته بعدما تبين بالفحص المجهري لمتعلقاته وجود آثار لمادة البولونيوم المشع، فأصبح ضرورياً استخراج رفاته لإخضاعه للتحليل.

وثائق كاشفة

alt

المحلق الصحافي الأمريكي الشهير واين مادسن، وهو ضابط سابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي، كتب مؤخّراً أن وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكية «NSA» كشفت علناً كيف أنها وشركاءها يعترضون خط البيانات الطبية وحتى شحنات الأدوية والمعدات الطبية لإحداث الاغتيالات السياسية التي تبدو وكأن وراءها «أسباباً طبيعية»، ما أثار التكهّنات بشأن حالات وفاة غامضة تعرّض لها العديد من الزعماء والقادة السياسيين والعلماء.

مادسين أضاف أن وكالة الأمن القومي تجمع عن الأفراد المستهدفين بيانات تتضمّن الأدوية والجرعات، ونتائج الاختبارات الطبية، وبصمات الحمض النووي، والمعدات الطبية مثل أجهزة غسيل الكلى، ومكونات العلاج الطبي عن بعد (عبر الإنترنت)، بالإضافة إلى استخدام «ممرضات» يقمن بإعطاء جرعات مميتة للضحايا، وفقاً لواين مادسن.

وكان مادسن ادعى سنة 2006 بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA» استغلت برنامجاً للعمليات السرية حول العالم، أعد بعد هجمات 11، بغرض ملاحقة الإرهابيين، لتصفية شخصيات سياسية. وقال إن برنامج Worldwide Attack Matrix، والتي يمكن ترجمته حرفيا بـ«مصفوفة الهجوم العالمي الشامل»، أتاح للاستخبارات الأمريكية اغتيال عدد من الشخصيات السياسية، في إفريقيا وآسيا.

الحديث عن البرنامج ليس جديداً حيث تناوله الصحافي الأمريكي الشهير بوب ودورد في سلسلة مقالات نشرت في الواشنطن بوست عام 2002، والتي أثارت ضجة كبيرة حينها. لكن الخارجية الأمريكية نفت بشدة تلك الاتهامات.

طعام بوتين

القادة السياسيون باتوا يأخذون بجدية هذه النوع من الأسلحة، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستخدم أحد كلابه المدرّبة لتذوّق طعامه خوفاً من الاغتيالات الغربية. وخلال قمة مجموعة الـ20 في استراليا سنة 2014، استخدم بوتين متذوقي طعام لاختبار طعامه.

في يونيو 2018، حيث عقد اللقاء التاريخي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. كانت الإجراءات الأمنية التي اتخذها كيم لافتة للجميع، فقد جاء بالسيارات والطعام من كوريا الشمالية، ولم يستخدم شيئاً من الدولة المضيفة، سنغافورة. لقد جلب معه كل شيء، حتى المراحيض.

وحين جاء موعد التوقيع على الوثيقة المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، لم يلمس الزعيم الكوري أي شيء على الطاولة.. نظر إلى شقيقته التي هرعتْ إليه بالقلم الذي جاءتْ به من كوريا الشمالية، ورفض التوقيع بالقلم الذي جاء به طاقم البروتوكول السنغافوري. هذه الإجراءات من زعيم كوريا الشمالية رسَّخ ذلك «الخوف» من وسائل الاغتيال الجديدة.. الاغتيال بالمرض.

قبل ذلك، تحدّث أطباء كبار من فنزويلا عن فرضية اغتيال الرئيس الراحل هوغو شافيز بسلاح المرض، عبر نقل خلايا مريضة إلى جسده. وزاد من أهمية تصريحات الأطباء تصريح الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والإعلام الفنزويلي بأن هناك طابعاً اصطناعياً للمرض الذي تعرَّض له شافيز وأودى بحياته على نحو سريع نسبياً.

لقد سبق لشافيز نفسه أن تحدث في خطاب له متسائلًا: «كيف يمكن إصابة ثلاثة رؤساء في أمريكا اللاتينية.. رؤساء البرازيل وبارجواي وفنزويلا في وقتٍ واحدٍ بنفس المرض الخطير.. إنها مؤامرة صحيّة، وطريقة جديدة في الاغتيال». وأضاف «إنّ الرؤساء المرضى هم أبرز زعماء أمريكا اللاتينية المناهضين للولايات المتحدة. لا يمكن القول إن مرض الرؤساء الثلاثة في لحظة واحدة، بنفس المرض – وكلهم معارضون – مجرد مصادفة. وحتى بموجب علم الاحتمالات لا يمكن أن يحدث ذلك».

«مرضى» بالجملة

وذكر تشافيز أن رئيسة الأرجنتين كريستينا فيرنانديز، ورئيس الباراغواي فيرناندو لوغو، والبرازيلية ديلما روسيف وسابقها لويس أوناسيو لولا داسيلفا، وقال كل هؤلاء اكتشف لديهم داء السرطان خلال فحوصات مؤخراً وكلهم قيادات من اليسار. وأضاف «ربما يكونون استعملوا تكنولوجيا متطورة لا تترك أحداً يشك (…) لا أدري إنني أفكر فقط».

وكان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، الذي كان هو نفسه هدفاً لمحاولات اغتيال بيولوجي عدة من قبل وكالة المخابرات المركزية قال لشافيز: «شافيز خذ حذرك..» إلى آخره من التحذير الذي ذكرناه أعلاه.

«روي كارول» الخبير الأمريكي في الشؤون الفنزويلية صنّف في صحيفة الغارديان، الاتهامات الخطيرة التي ترى أن شافيز اغتيل بسلاح بيولوجي بأنها غير صحيحة وجزء من نظرية المؤامرة، فيما وصفت وزارة الخارجية الأمريكية هذه الاتهامات بأنها «سخيفة».

هجمات صوتية

في 2016 اشتكى دبلوماسيون في السفارة الأمريكية بهافانا، بأنهم تعرضوا لهجمات صوتية غامضة أكثر من مرة. ولم يحدد المحققون سبب تلك الحوادث، بيد أن المسؤولين الأمريكيين قالوا لشبكة CNN إنهم مقتنعون بأن شخصاً استهدف الدبلوماسيين بجهاز متطور لم يسبق نشره من قبل. وقال مسؤولون أميركيون وكنديون إن الدبلوماسيين الكنديين عانوا من مشاكل صحية مماثلة. وفي الأمم المتحدة نفى وزير الخارجية الكوبي برونو رودريجيز باريلا أن تكون كوبا متورطة في هجمات على الدبلوماسيين.

وفي 2018، استدعت الحكومة الكندية أسر دبلوماسيين يعملون في كوبا، في الوقت الذي حققت الحكومة في «أعراض صحية غير عادية» أبلغ عنها موظفوها في العام الذي سبق. وقالت إدارة «غلوبال كنغز كندا»، المعنية بالشؤون الدبلوماسية والقنصلية حينها إن الأعراض ظهرت في بعض الحالات «بشكل أقل حدة» قبل أن تتأكد مجدداً.

وفي 2018، حذرت السفارة الأمريكية في بكين المواطنين الأمريكيين المقيمين في الصين من الإصابة بأمراض صوتية غامضة، كمثل تلك التي أصابت الأمريكيين في كوبا. وقال التنبيه إن أي شخص يعاني من «أي أعراض أو أحداث جسدية غير مألوفة وغير مبررة أو ظواهر سمعية أو حسية أو مخاوف صحية أخرى» ينبغي أن يطلب المشورة الطبية.

وأوضحت التقارير الأمريكية أن المرض الغامض الذي يبدو أنه نجم عن أصوات غير مفسرة يتم سماعها في منازل الدبلوماسيين في الصين، مشابهاً لسلسلة من الحالات التي ضربت الدبلوماسيين الأمريكيين والكنديين وعائلاتهم في كوبا.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن أحد موظفي القنصلية في مدينة قوانجتشو الجنوبية، التي تم إخلاؤها بالفعل من الصين، ظهر أنه لديه أعراض «متناسقة» مع حادثة كوبا، بعد سماع أصوات غريبة في شقته وإظهار علامات دماغية مماثلة.

من المؤكد أن الحديث عن شخصيات بعينها تعرضت للاغتيال بالمرض، أمرٌ يصعب حسمه، لكن ما هو محسوم حقّاً هو أن «الاغتيال الناعم» بات أحد الأسلحة في الصراعات السياسية.

سلاح قديم طوّرته الصراعات السياسية

alt

لم تكن بداية استخدام الأسلحة البيولوجية في العصر الحديث خلال الحرب العالمية الأولى عندما استخدمها الجيش الألماني، أو خلال الحرب العالمية الثانية عندما استخدمتها القوات اليابانية ضد الصينيين، بل قبل ذلك بكثير. البداية الفعلية لاستخدام الأسلحة البيولوجية كانت قبل الميلاد بنحو 14 قرناً، فقد استخدمها الأشوريون ضد أعدائهم، واستخدمها المهاجرون الأوروبيون ضد الهنود الحُمر في أمريكا، وتم استخدامها في الحروب الأهلية الأمريكية عام 1863.

وعندما غزا جنكيز خان أوروبا في القرن الـ 13، قال إنه أطلق العنان عن غير قصد لسلاح بيولوجي مخيف وهو طاعون الماشية أو الطاعون البقري، وهو فيروس يؤثر على الماشية، الماعز، الثيران، والزرافات.

واستخدمت بريطانيا بكتيريا الجمرة الخبيثة bacillus Anthra سلاحاً بيولوجياً في الحرب العالمية الثانية على جزيرة جرونارد الأسكتلندية، واستخدمتها الوحدات اليابانية في منشوريا خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وفي عام 1979 وقعت أكبر حادثة استنشاق لجراثيم الجمرة الخبيثة، ذلك عندما أطلقت خطأ في المركز البيولوجي العسكري في سفيردلوفيسك في روسيا، ما أدى إلى إصابة 79 شخصاً، ولم ينج من الموت إلا 111.

بطانيتان ومنديل

وأرسلت القوات البريطانية في عام 1763 عدوى مرض الجدري إلى رؤساء القبائل الهندية، ما أدى إلى قتل معظم السكان الأصليين بسبب انتشار الوباء، ذلك عندما أرسل قائد القوات البريطانية بطانيتين ومنديلاً ملوثين بالجدري إلى رؤساء هذه القبائل كهدية.

وفي عام 1980 أعلنت المنظمة عن القضاء على المرض نهائياً، بالرغم من ذلك ما زالت كل من روسيا والولايات المتحدة تمتلك نُسخاً من الفيروس في مختبراتها. وحلّ في الصين وباء الطاعون عام 1940، عندما قامت القوات اليابانية بإسقاط قنابل تحتوي على البراغيث المصابة من الطائرات.

وفي 2008 اتهم الرئيس الزيمبابوي الحكومة البريطانية باستخدام الكوليرا سلاحاً بيولوجياً أدى إلى مقتل مئات الأشخاص للإطاحة بنظامه.

سم البوتولينوم

ومن الأسلحة البيولوجية المفضلة من بين برامج الأسلحة البيولوجية سم البوتولينوم، نظراً لقوته، كما أن من الصعب اكتشافه إلا بعد حدوث الإصابة، ففي عام 1990 وجهت الجماعة اليابانية أوم شينريكيو سم البوتولينوم لأهداف سياسية عديدة.

واستخدم العديد من البُلدان لفحة الأرز كسلاح، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بجمع عينات من الفطريات الضارة والمسببة لأمراض المحاصيل في هجوم محتمل على آسيا، بعد أن قامت باستخدام المحاصيل المقاومة للفطريات كأسلوب دفاعي للحفاظ على محاصيلها.

الأسلحة البيولوجية تمتاز عن النووية في دقتها المتناهية، حيث إنها تتعامل مع الكائنات الحية باختلافها، فالحروب البيولوجية لا تقتصر على نشر الأمراض والأوبئة بصورة مباشرة ضد العدو، لكن قد يستخدمها البعض لإلحاق الضرر بمصادر الغذاء، وقطع الإمدادات الغذائية الأساسية للعدو، ما يؤدي إلى نشر المجاعات.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً