“العائدون من أحضان داعش”.. معضلة تواجه العالم

“العائدون من أحضان داعش”.. معضلة تواجه العالم

تظل قضية العائدين من فلول تنظيم داعش الإرهابي، واحدة من أعقد الملفات المطروحة علي الساحة الآن، خاصة بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بإطلاق سراح الدواعش الذين ترفض دولهم استلامهم، إيذانا بإعلان خلو سوريا من التنظيم نهائياً، مع اقتراب انسحاب القوات الأمريكية منها. لاسيما في ظل احصائيات تقدر وجود أكثر من 5 آلاف أوروبي داعشي، يفترض …




أرشيفية


تظل قضية العائدين من فلول تنظيم داعش الإرهابي، واحدة من أعقد الملفات المطروحة علي الساحة الآن، خاصة بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بإطلاق سراح الدواعش الذين ترفض دولهم استلامهم، إيذانا بإعلان خلو سوريا من التنظيم نهائياً، مع اقتراب انسحاب القوات الأمريكية منها.

لاسيما في ظل احصائيات تقدر وجود أكثر من 5 آلاف أوروبي داعشي، يفترض أن يكون للمجتمعات والدول الأوروبية دور في احتوائهم بما حملوه من أفكار وأيدولوجية متطرفة ومتشددة تنذر بكوارث عدة وخلل بالأمن القومي لدول العالم، الأمر الذي دفع بعض المتخصصين إلى القول بضرورة تبني التجربة المصرية في التعامل مع المراجعات التي نفذت لعناصر الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، إبان عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

مخاوف أوروبية
ومن ثم تواجه كثير من الدول الأوروبية ظروفا مختلفة تغلب عليها الحظر والخوف من فكرة العودة، جسدها البعض من خلال الحديث عن الخشية من التعصب واستمرار حمل الأفكار ذاتها رغم العودة إلى الوطن الأم، مما دفع كثير من الكتاب الغربيين الحديث عنها والتأكيد عليها ومنها ما قاله “إيمانويل بيفيا” الصحفي بجريدة (لو ديفوار) الكندية، من أن كندا” تواجه تحديا كبيرا، بشأن العودة المحتملة للرعايا الكنديين في صفوف “داعش” والمحتجزين في السجون السورية، ليمضي في حديثه قائلا: علينا أن نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، فالعائدون، سواءً كانوا رجالا أم نساء، يُشَكِّلون خطرا أكبر من كونهم متطرفين، فهم متعصبون، جنود بربريون، مقاتلون متعطشون لسفك الدماء.

وتابع: إن هؤلاء المسجونين “على قيد الحياة” حاليا، ويتبنون المواقف التي تُثير تعاطف الكنديين نحوهم، ولكنهم لا زالوا متعصبين، مستعدين للقتل لإخضاع “الكفار” الذين يمثلون في نظرهم أي مجتمع ديمقراطي وثقافته، وإعادتهم إلى “كندا” يعني وضع الشعب الكندي في خطر محقق، وعلى الرغم من أن هذه الفظائع قد ارتُكِبَت على أرض غير الأرض الكندية، إلا أنَّ “كندا” لا يمكنها إلا أن تعتبر هذه الجرائم التي قاموا بها جرائم ضد الإنسانية، إنَّ العدالة الكندية لديها الأدوات المناسبة لمحاكمة العناصر التي تقوم بارتكاب هذه الوحشية، حتى لو لم تكن هذه الجرائم مرتكبة علي أراضيها، والقانون بشأن الجرائم التي تم ارتكابها ضد الإنسانية هو قانون دولي، و”كندا” يقع علي عاتقها أن تقوم بتطبيقه ضد مواطنيها الكنديين الذين انضموا لـ”داعش”.

سقوط التنظيم
وبالرغم من الأرقام التي أظهرها تقرير صادر عن مركز “سوفان” البحثي في الولايات المتحدة الأمريكية، بشأن جنسيات عناصر التنظيم الذين عادوا لبلادهم في الفترة من مارس(آذار) 2016 وحتى أغسطس(آب) 2017، وتمثل فترة العودة الكبرى، فإن هناك ما لا يقل عن 5600 عنصر عادوا، يمثلون 33 دولة، في مقدمتها روسيا والتي عاد إليها 400 عنصر، من واقع 3500 تم تجنيدهم، تليها المملكة العربية السعودية بأكثر من 3 آلاف عنصر عاد منهم 760 عنصرا، ثم الأردن بـ3 آلاف عنصر، عاد منهم 250 عنصرا، وتونس بأكثر من 2500 عنصر، وعاد منهم 800 عنصر، وفرنسا بنحو 1800 عنصر، عاد منهم 271 عنصرا، إلى جانب المغرب بنحو 1700 عنصر، عاد منهم 100 فقط، وتركيا بـ1600 عنصر عاد منهم 1000 عنصر، وأزبكستان بـ1600 عنصر، ولم يعود منهم أحد، وألمانيا 900 عنصر، وعاد منهم 350 عنصراً، فيما شهدت بريطانيا التحاق 800 عنصر، عاد منهم 450 عنصراً، أي ما يزيد عن النصف.

برامج تأهيلية
يقول مشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، الدكتور حمادة إسماعيل شعبان، إن “العائدون من داعش” مصطلح شهد تغيرا كبيرا بعد سقوط تنظيم داعش الإرهابي في معاقلهم الرئيسة في “سوريا” و”العراق”، فقد كان هذا المصطلح قبل سقوط التنظيم يُطلق على من انخدع بدعاية التنظيم الضالة والمضللة في الفضاء الإليكتروني، وذهب إلى سوريا أو العراق وانخرط في صفوف التنظيم، ثم بعد فترة اكتشف كذب التنظيم وتزييفه وخياناته التي يرتكبها كل يوم في حق الإسلام، ومن ثم قرر العودة إلى بلاده مرة أخرى.

وأضاف شعبان أن معظم هؤلاء وإن كانوا بعد عودتهم قد تعرضوا فترة لمتاعب نفسية بسبب ما شاهدوه من قتل وسفك دماء، وحرق وذبح وجرائم وحشية، إلا أنهم يمكن استيعابهم مرة أخرى، وتصحيح مفاهيمهم، وتوعيتهم دينيا بسبب رغبتهم الداخلية ونفورهم من العنف، وإن كان ذلك سيحتاج إلى وقت طويل ومجهود كبير وتكاتف من جميع من يتعامل منهم، وعرضهم على أطباء نفسيين، وعلماء دين، ومتخصصين في الجماعات المتطرفة من أجل تصحيح مفاهيمهم المغلوطة التي جعلتهم يُقبلون على مغامرة غير محسوبة النتائج كان من الممكن أن تنتهي بهم قتلة ومجرمين ومحرومين من أدنى معاني الإنسانية.

وأشار إلى أنه بعد سقوط التنظيم واندحاره في سوريا والعراق اختلف مصطلح “العائدون من داعش” إذ لا يمكن الجزم بما إذا كان هؤلاء العائدون لا يزالون ينتهجون العنف ويحملون الفكر المتطرف أم لا؟ وقد استطاع تنظيم داعش الإرهابي خلال الفترة من 2014 وحتى 2017 من استقطاب عدد كبير من المقاتلين من جنسيات مختلفة، لافتاً إلى ذكر بعض الإحصائيات أن عدد المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى التنظيم يبلغ 40 ألف مقاتل، من أكثر من 80 دولة حول العالم، موضحا أنه لا شك أن عودة هذه العناصر إلى بلادها بعد سقوط التنظيم في سوريا والعراق يمثل إشكالية كبيرة تؤرق العديد من الحكومات في العالم، خوفا من أيديولوجية العنف التي يتبناها هؤلاء، وخوفا من أن يقوموا بعمليات إرهابية بعد عودتهم، لاسيما وأن معظمهم ما كان ليعود مرة أخرى إلى بلاده لولا سقوط التنظيم، وهذا يدل على أنه لا يزال معتنقا للفكر المتطرف ومؤمنا به.

وحول مشكلة الاستيعاب من عدمه، أكد إسماعيل، أنه من الواجب مواجهتها والاستعداد لها، ووضع برامج تأهيلية لهؤلاء يشرف عليها علماء نفس واجتماع ومتخصصين في الجماعات المتطرفة، والحديث مع هؤلاء العائدين ومعرفة أسباب انضمامهم لتنظيم داعش على وجه الخصوص دون غيره من التنظيمات الأخرى، وما الذي رأوه في التنظيم وأعجبهم، وما الذي رأوه ولم يعجبهم؟ وما الذي توقعوا رؤيته ولم يجدوه والعكس؟ كل هذه الأسئلة ستسهم كثيرا في تحديد أسباب انتشار فيروس العنف التطرف ومن ثم ستساعد في إيجاد حلولٍ جذرية له.

وتابع: كما أنها ستساعد أيضا في فهم العقلية المتطرفة وتحديد ملامحها الأمر الذي سينعكس على المجتمعات في المستقبل، وسيجعلها تتخذ إجراءات وقائية تحمي شبابها من الوقوع في براثن جماعات العنف والإرهاب.

المراجعات الفكرية
بينما أشار القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، منتصر عمران، إلى ضرورة العلاج الفكري أولا، من خلال تبين خطأ وزيف ما كانوا عليه سابقاً، موضحاً أنه عندما تسقط في وجدان عنصر داعش أن ما كنت تعتنقه من فكر ليس هو الإسلام الصحيح، وأنه مذنب وليس مأجور، فهنا تقضي عنده فكرة القتال من أجل الاستشهاد.

وقال عمران ، إن تنظيم داعش بالفعل يحمل أعضائه الفكر المتطرف وهو الذي من الممكن أن يكون له تأثير سلبي على عقول المحتكين بهم في مصر، خاصة في بيئة فيها العوز والقبضة الأمنية وأن مرحلة الإعادة والتأهيل والدمج في المجتمع من جديد، تحتاج إلى خطوات جادة من قبل النظام يأتي في أولها هو إقناعهم بخطأ الفكر والطريق حتى يكون اتخاذ مثل هذه الإجراءات لضمان التأهيل التربوي والنفسي، لإعادة الدمج لهؤلاء في المجتمع المصري.

وأوضح عمران، أنه من خلال التجربة التي حدثت في مصر أواخر القرن الماضي مع عناصر الجماعة الإسلامية، بدأت مرحلة الإعادة من داخل السجون ومن خلال كتب ألفها قادتهم ونظمت محاضرات وندوات ودروس لإعادة تأهيلهم فكريّا من خلال تصحيح الأفكار المتطرفة والمفاهيم المغلوطة التي تم زرعها سابقا في عقولهم، لأن محاربة الفكر واسقاطه هو بداية التأهيل ليسهل بعد ذلك دمجهم في المجتمع المصري ثم هذه الخطوة تأتي خطوة أخرى تتولاها الأجهزة الأمنية، بحيث تكون عناصرهم تحت المراقبة اليومية وتتحول مكاتب المتابعة الأمنية، إلى مكاتب مثل مكاتب الأخصائيين الاجتماعين بحيث إذا واجهت أي عنصر مشكلة من مشكلات الاجتماعية أو الأمنية يتم حلها وخاصة توفير فرص عمل مناسبة لهم، وهذا ما تم مع عناصر الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد في مصر.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً