الخلافات الزوجية.. سوء تفاهم ينقله غياب الوعي إلى المحاكم

الخلافات الزوجية.. سوء تفاهم ينقله غياب الوعي إلى المحاكم

تعصف الخلافات الزوجية بالمودة، وتلقي المحبة والتفاهم والألفة خارج البيت، مستبدلةً بها التوتر والعصبية والعناد، فتتحول المشكلة إلى كرة ثلج تتضاعف سريعاً إثر تحولها إلى صراع يصعب السيطرة عليه، لتكون أروقة المحاكم بديلاً عن التفاهمات والحلول العائلية، ويتجه الطرفان إلى الانفصال ضاربين بمصلحة الأسرة والأبناء عرض الحائط، وهو ما ينعكس سلباً على المجتمع.

تعصف الخلافات الزوجية بالمودة، وتلقي المحبة والتفاهم والألفة خارج البيت، مستبدلةً بها التوتر والعصبية والعناد، فتتحول المشكلة إلى كرة ثلج تتضاعف سريعاً إثر تحولها إلى صراع يصعب السيطرة عليه، لتكون أروقة المحاكم بديلاً عن التفاهمات والحلول العائلية، ويتجه الطرفان إلى الانفصال ضاربين بمصلحة الأسرة والأبناء عرض الحائط، وهو ما ينعكس سلباً على المجتمع.

مختصون في العلاقات الزوجية والأحوال الشخصية أكدوا أن هناك جهلاً لدى الكثيرين من الأزواج بالحقوق والواجبات المتبادلة، وتراخياً في الالتزامات المترتبة على كل طرف تجاه الآخر وتجاه الأبناء والمجتمع، وهذا نابع من ضعف الوازع الديني وقلة الوعي بالمفهوم الحقيقي للزواج وبناء الأسرة، مشيرين إلى أن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في الدولة منذ عام 2005 يساعد على تسريع وقوع الطلاق إذا تعذر الصلح.

وشددوا على أهمية الحفاظ على الأسرار الزوجية وعدم تداولها خارج أسوار المنزل، حتى لو كان ذلك مع أهل الطرفين، وعدم السماح بتدخل أطراف أخرى إلا إذا كان من أجل النصيحة وتقريب وجهات النظر، وإيجاد الحلول المناسبة التي تصب في مصلحة الأزواج.

ودعوا إلى أهمية التحلي بقيم التسامح والتساهل في مثل هذه الحالات التي تجلب لصاحبها وللأبناء التعب والمعاناة النفسية نتيجة الغضب والرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات، محذرين من محامين يحاولون تحقيق مكاسب شخصية بالعمل على تفاقم المشكلة عبر تعدد الطلبات، لافتين إلى أهمية التوجيه الأسري في المحاكم من أجل تقديم النصح للأزواج المتخاصمين، وتقليل عدد حالات الطلاق.

القاضي خالد الحوسني، رئيس محكمة الأحوال الشخصية في دبي، أكد أن احترام الأزواج لبعضهم، تقرب إلى الله، واتباع لأوامره، وليس كما ينظر إليه البعض بأنه تأدية واجب، أو التزامٌ فرضته العادات والتقاليد والموروثات المجتمعية، وهو أيضاً ليس عقداً تجارياً أو شراكة بين اثنين مرهونة بالمنفعة الشخصية لكل منهما، مشيراً إلى أن هناك جهلاً لدى الكثيرين من الأزواج بالحقوق والواجبات المتبادلة، وتراخٍ في الالتزامات المترتبة على كل طرف تجاه الآخر، وتجاه الأبناء، بل والمجتمع، وهذا نابع من ضعف الوازع الديني، وقلة الوعي بالمفهوم الحقيقي للزواج، وبناء الأسرة.

قانون

وأوضح أن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في الدولة منذ عام 2005، ليس طرفاً أساسياً في الخلافات الزوجية، أو سبباً لوقوعها، لكنه يساعد في تسريع وقوع الطلاق إذا تعذر الصلح.

وقال إن قانون الأحوال الشخصية وجد من أجل الفصل في الخلافات الزوجية بعد وقوعها، واتساع حدودها لتصل إلى الطلاق، وليس قبل وقوعها، لأن العلاقة إذا تآكلت داخل البيت، فلا يستطيع القانون ترميمها أو إصلاحها، وإذا ما قلَّت فرص الصلح بين الأزواج المتخاصمين، وتعذر إصلاح ذات البين، فالأفضل هو الانفصال، لأنه لا حياة في ظل وجود خلافات ومشكلات دائمة تكدر صفو الحياة، وتجلب التعاسة والقلق الدائمين لأفراد الأسرة.

وشدد على أهمية الحفاظ على الأسرار الزوجية وعدم تداولها خارج أسوار المنزل، حنى لو كان ذلك مع أهل الطرفين، مشيراً إلى أن هذه القاعدة الذهبية تعكس نضج الزوجين وقدرتهم على إدارة حياتهما من دون مؤثرات خارجية قد تزعزع استقرارهما وتوسع الفجوة فيما بينهما، وعندما يكون الأزواج واعين لحياتهم الخاصة، وناضجين في أفكارهم وتصرفاتهم فإنه يصعب تدخل أي طرف بينهم حتى لو كان هذا الطرف هو الأهالي ولو حاولوا التدخل ينبغي عدم السماح لهم بذلك إلا إذا كان هذا التدخل إيجابياً وفي مصلحة استقرار الأسرة والأبناء، ومن أجل النصيحة وتقريب وجهات النظر وإيجاد الحلول المناسبة التي تصب في مصلحة الأزواج.

وأضاف أن عدم الحفاظ على الأسرار الزوجية سبب رئيسي لظهور الخلافات بين الأزواج وتأزمها، لأن تدخل الأهل في غالب الأحيان لا يكون باتجاه الصلح وحل هذه الخلافات وإعادة العلاقة إلى مسارها الطبيعي، وقد يعتدي أهل الزوجة على الزوج، ويوبخونه، ويسيئون التصرف إليه، والعكس كذلك من أهل الزوج، وهذا الأمر مرفوض، بكل الظروف، لأن لغة الحوار هي التي يجب أن تتسيد وقت الخلافات، ولا لغة غيرها إذا أردنا الحفاظ على كيان الأسرة، واستمرار العلاقة الزوجية.

ورأى رئيس محكمة الأحوال الشخصية أن الزواج من «ثانية» ليس مبرراً للزوجة الأولى لطلب الطلاق من أجل الانتقام و«رد الاعتبار» أو إخضاع الطرف الآخر، مؤكداً أن هذا الطلب ليس من حقها وهو مرفوض شرعاً.

وأشار إلى أن الزواج من «ثانية» ليس خيانة للعشرة مع «الأولى»، داعياً الرجال إلى عدم التسرع في اتخاذ هذا القرار الذي يحتاج إلى حسابات دقيقة ومدروسة خصوصاً وأن مسؤوليات الزواج الثاني تزيد الحمل على كاهل الزوج في مثل هذه الأوقات التي تغيرت فيها المسؤوليات والواجبات وطرق إدارة البيت، وليس كما يتصور البعض بأنه «السفر إلى الجنة»، وليس من الحكمة أو العقل، أن يعدد الزوج، دون أن يكون قادراً على تربية أبنائه ومتابعة شؤونهما واحتياجاتهما، لأنه في هذه الحالة سيخلف لنا مجرمين يؤذون المجتمع وليس أفراداً نافعين وصالحين.

التسامح

وأوضح أن غالبية حالات الخلافات الزوجية التي تصل إلى القضاء من أجل إتمام إجراءات الطلاق، دافعها الرغبة في الانتقام من قبل الطرفين، وفيها نكران للجميل، ونسيان للفضل والعشرة، داعياً إلى أهمية التحلي بقيم التسامح والتساهل في مثل هذه الحالات التي تجلب لصاحبها وللأبناء التعب والمعاناة النفسية نتيجة الأذى الذي يلحق بكل طرف من لدن الطرف الآخر نتيجة الغضب والرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات، فأخلاق الإنسان تظهر وقت الخلافات والنزاعات، وعندها تسقط الأقنعة، وتظهر أصالة القلوب والأخلاق، وبالتالي يتوجب علينا التحلي بقيم التسامح والإحسان وأن نتعامل بأخلاقنا التي تربينا عليها على مائدة ديننا وسنة نبينا والتي ربانا عليها أباؤنا وأجدادنا وقيادتنا الحكيمة، لا أن ننجرف نحو الخطأ بحجة معاملة الطرف الثاني بالمثل، لأن الأصل في المعاملة الأخلاق.

المحامون

وصنف القاضي خالد الحوسني المحامين الذين يترافعون عن الأزواج أثناء نظر النزاعات الزوجية، نوعيْن، إيجابي ونسبتهم قليلة جداً، وسلبي، موضحاً أن الإيجابيين منهم يؤدون دوراً مجتمعياً وأخلاقياً إضافة إلى اختصاصهم من واقع خبراتهم في مثل هذا النوع من القضايا، من خلال تقديم النصيحة والحلول البديلة عن طلب الطلاق، أو تحويل ملف الخلاف إلى المحكمة للمطالبة بالحقوق، وهذا النوع يحرص على مصلحة الأسرة والأبناء والمجتمع، أكثر مما يحرص على مصلحته ومنفعته الشخصية، ويسعى على الدوام إلى التوصل إلى صيغة مشتركة وتسوية ودية بين الأزواج المتخاصمين دون الحاجة إلى نقل هذه الخلافات إلى أروقة المحاكم، أما النوع الثاني السلبي، فيفتقر للمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع، ولا يقدم أي نصيحة إلى الطرفين مهما كانت بسيطة ومهمة، وينظر إلى ملف الخلاف الزوجي على أنه فرصة للربح وكسب المال، ويسعى إلى إطالة أمد الملف، وتعقيده، وربما يحرض الزوج أو الزوجة على زيادة الطلبات من الطرف الآخر حتى لو كان ذلك بالكذب، من أجل أن يرفع نسبة حصته من الأتعاب المالية، وينسى أنه يخسر نفسه بل ويخسر المجتمع ويتسبب في تدمير أسرة وتشريد أبنائها نتيجة جشعه وطمعه. وقال: «عندما يزداد عدد الطلبات أثناء الخلافات الزوجية، تقل فرص الصلح والتسوية بين الأزواج المتخاصمين، وقد يصل عدد الطلبات في بعض القضايا التي ننظرها في المحكمة إلى أكثر من 30 طلباً رغم أن راتب الزوج ضعيف ولا يقدر على تلبيتها وهو ما يعقد القضية ويطيل أمدها على حساب استقرار الأبناء وتوفير احتياجاتهم، وهذا بكل أسف بإيعاز من المحامين الذين يحرضون موكليهم على طلب أكثر من طلب أثناء الخلافات والتقاضي في المحاكم».

الطلاق المحرم

وتوقف القاضي خالد الحوسني عند الحالات التي يكون فيها الطلاق مرفوضاً، وتلك التي يكون الطلاق فيها مطلوباً وربما واجباً.

وقال: «إذا ارتبط الطلاق بظلم يقع على الزوجة أو الزوج أو الأبناء، فإنه يصبح محرماً، وغير مقبول شرعاً وقضاءً، في المقابل يصبح مطلوباً إذا وقع على الزوج أو الزوجة أو الأبناء ظلم من استمرار الحياة الزوجية، وهذه الحالات مرتبطة بسلوك وأخلاق ومعاملة الزوج والزوجة، لكن بشرط أن يكون هذا الطلاق ناجحاً وبإحسان من كلا الطرفين، وعدم نكران للجميل والعشرة والرفقة طوال فترة الزواج، لأن الطلاق الذي يتبعه نزاعات وخلافات وادعاءات كيدية ومطالبات غير معقولة يعقد العلاقة أكثر، فتنزلق إلى مسارات أخرى سيدفع ثمنها الأبناء بلا شك. وأكد أهميه التوجيه الأسري في المحاكم من أجل تقديم النصح للأزواج المتخاصمين، وتقليل عدد حالات الطلاق، و التوجيه الأسري هو المعتمد في القانون وفي المحاكم وليس خارج أروقتها، ولكن هناك أزواجاً لا يرغبون بالتوجه إلى المحكمة لعرض خلافاتهم والحصول على المشورة المطلوبة فيقصدون التوجيه الأسري الخاص وهذا أمر جيد شرط أن يكون هؤلاء الموجهون مؤهلين ومعتمدين ومرخصين.

الحد من الطلاق

من جانبه أكد محمد أحمد العبيدلي المدير التنفيذي لقطاع إدارة الدعوى في محاكم دبي، أن المحاكم حريصة على زيادة الوعي الأسري في المجتمع وخفض نسبة الطلاق، تعزيزاً للأمن والأمان الأسري، وتقوية للروابط الإنسانية الأسرية، بالشراكة مع عدد من الدوائر الحكومية الأخرى ومؤسسات المجتمع المدني لتحقيق هذه الأهداف.

وأشار إلى أن الدائرة أطلقت مؤخراً مبادرة مودة ورحمة، تحت إشراف القاضي خالد يحيى الحوسني رئيس محكمة الأحوال الشخصية، للحد من حالات الطلاق، وزيادة التوعية المجتمعية بالاستقرار الأسري، لافتاً إلى أن معظم حالات الطلاق تتم خلال السنة الأولى من الزواج ومن هنا كان من الضروري التصدي لهذه المشكلة، ومحاولة وضعها في إطارها العملي الصحيح تمهيداً لطرح حلول تخفف نوعاً ما من نسبة الطلاق وإيجاد الحلول المناسبة لتفادي هذه المشكلة، فجاءت مبادرة«مودة ورحمة» للتخفيف من مشكلة الطلاق والهجران وإيجاد الحلول المناسبة ومحاولة لم الشمل وإصلاح ذات البين.

وأوضح أن من بين المبادرات التي تندرج تحت «مودة ورحمة» مبادرة الأسرة الإيجابية الرامية إلى تكريم أفضل الأسر الملتزمة بقيم المودة والرحمة والإيجابية والسعادة، إضافة إلى تخصيص محاضرين لإلقاء محاضرات توعوية للمقبلين على الزواج بالتنسيق مع صندوق الزواج، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي في المواضيع المجتمعية خدمة لهذا الغرض، لافتاً إلى أن محاكم دبي وقعت مؤخراً اتفاقية تعاون مع اتحاد الإمارات لكرة القدم، لتحقيق التوعية المجتمعية في مجال الأسرة، وتقوية الأواصر بين أفراد المجتمع والحفاظ على الأجيال الناشئة، من خلال تقديم منهجية جديدة تتلاءم مع رؤية القيادة العليا في الدولة في مجال التلاحم المجتمعي والتماسك الأسري، وتنظيم ورش تدريبية ومحاضرات هادفة بأسلوب يتناسب مع الأعمار والظروف المعيشية.

وقال: «ستنظم فئة مختصة من محاكم دبي جلسات توعوية أسرية خاصة للاعب معين في حال رغبته، أو الجلوس مع ولي أمره بالتنسيق مع النادي أو الجهة المعنية، بالإضافة إلى تنظيم ورشات تدريبية في مجال الطاقة الإيجابية والتحفيز، وتكريم اللاعبين المتفوقين دراسياً، عن طريق تقديم الجوائز لهم وتشجيعهم».

تغليب الحوار

وشدد موسى غانم البلوشي مدير إدارة الأحوال الشخصية في محاكم دبي على أهمية تغليب لغة الحوار والعقل أثناء نقاش المشكلات الزوجية، مؤكداً أن الخلاف ليس معركة يثبت كل طرف فيها أنه الأقوى بل الهدف الأساسي من الحوار هو حل المشكلة.

وقال: «يفترض أن يكون الحوار والنقاش البناء أمراً طبيعياً وأساسياً في العلاقة الزوجية التي لا تترك تأثيراتها السلبية والإيجابية على الزوجين فحسب، بل تمتد إلى الأولاد وإلى المجتمع من حولهما، وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، بمعنى أن الإنسان يجب أن يسلك الطرق المؤدية إلى التوافق والحل في المشكلات أو الخلافات التي قد تواجه أي زوجين سواء كانا حديثي الزواج، أو مضى على زواجهما عقد من الزمن أو أكثر».

وأضاف أننا نعرف جميعاً أن الإسلام لا يشجع على الطلاق، أو إنهاء أية علاقة بين شخصين حتى لو كانا صديقين، إلا بعد استنفاد الوسائل الكفيلة بحماية وصيانة مقومات هذه العلاقة، وتضمن لها الديمومة فيما هو خير الإنسان، ومن هنا تأتي أهمية أن يتعلم الزوجان لغة الحوار قبل أن يدخلا الحياة الزوجية، وينبغي لأهل الزوجة وأهل الزوج أن يربوا ابنتهم أو ولدهم على كيفية القيام بالواجبات الزوجية، ليس على مستوى الخدمات أو ما إلى ذلك فحسب، بل لا بد من أن يربوهما على كيفية إدارة الحياة الزوجية من خلال التفاهم المشترك، ومن خلال الحوار، وبالدفع بالتي هي أحسن وما إلى ذلك.

تأخرت في عرس شقيقتها فعاجلها برسالة: «أنت طالق»

استعرض أحمد عبد الكريم رئيس شعبة الجلسات الأسرية في محاكم دبي، قصتين واقعيتين، الأولى حول التسرع في اتخاذ القرار الخاطئ من قبل الزوج، والذي انتهى بالطلاق، والثانية حول حكمة زوجة في علاج خلاف نشب بينها وبين شريك حياتها، فكانت النتيجة العودة إلى الوئام والانسجام واستمرارية العلاقة.

وعن تفاصيل القصة الأولى، التي تظهر سوء التصرف وقت الخلاف، قال عبد الكريم: «زوجة مطيعة لزوجها، صابرة ومستقرة، ولا يعاب عليها خُلُق، لكن زوجها فيه عصبية، وأسلوبه فظ نوعاً ما، هو على علم أن أخت زوجته ستتزوج، وأن حفل زفافها في اليوم المعين، وجرى العرف في الأعراس، أن يحدث فيها بعض التأخير، وفي يوم الفرح، طلب منها أن تعود الساعة 12 ليلاً، ولا تزيد، ولما صلت بيت الزوجية الساعة 12 وعشرين دقيقة، لم يفتح لها الباب، وأرسل لها رسالة «أنت طالق»!! لتذهب إلى بيت أهلها، ويتأزم الموقف بينهما، حتى تم طلاقهما، ولو كانت هناك حكمة في التعامل مع بعض الإشكاليات، لما وصلا إلى هذه النتيجة.

زوجة حكيمة

وفي قصة ثانية أسهمت حكمة امرأة في إطفاء نار خلاف مع زوجها، واستطاعت أن تعيد سفينة الأسرة إلى الاستقرار، ويقول عبدالكريم: «اتصلت بي إحدى الزوجات، وقالت لي: حدثت مشكلة بيني وبين زوجي الليلة، مشكلة تحولت لصراخ، وقام بالتلفظ علي بكلام جارح، وخرج من البيت غاضباً، وتساءلت ماذا أفعل؟، قلت لها: هل هذا متكرر؟، قالت: لا، فقلت لها تعاملي مع الموقف بهدوء، اتركيه، بما أن هذا الأمر لا يتكرر ونادر، يعني أنه شخص طيب في أصله، محترم في طريقته، ولكن هذا حال البشر قد يزل الإنسان، المهم أن يتدارك، والشخص الكريم سريع الرجوع، وفي اليوم الثاني أرسلت لي رسالة، قالت لي: زوجي اعتذر لي، وبرر لي موقفه، وأنه لم يقصد هذا الكلام، بل شكرني على ردة فعلي، هي كانت تستطيع أن تخرج من بيتها وتذهب لبيت أهلها وتصعّد الموقف، ولكن هذا هو حال الحكمة عندما تتوفر، وهكذا هو حال الزوج الكريم، الذي لو بدر منه خطأ، رجع وصحح الطريق».

تحذير

حذر ماجد البستكي، موجّه أسري في محاكم دبي، من الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل من قبل الأزواج، وهو سلوك بات يتسيّد الظواهر المجتمعية التي تعصف باستقرار الحياة الزوجية، ويزيد من نسب الطلاق، مشيراً إلى أن هذه الوسائل لا تعكس طبيعة العلاقة بين الزوجين خاصة، بل تروّج لحقائق كاذبة وأوهام غير موجودة على أرض الواقع، وتصل بهما إلى أروقة المحاكم.

وأضاف أن الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي من قبل شريحة من الأزواج الشباب، بات في مقدمة الأسباب المؤدية إلى الخلافات الزوجية وربما الطلاق في بعض الحالات، لا سيما بعد اتساع حزام ظاهرة المظاهر والبهرجة، والتصنُّع والتمثيل على هذه المنصات، وما نراه من صور ومشاهد حميمية بينهما، لا يتعدى كونه خروجاً عن الواقع للتغطية على حقيقة حياتهما المليئة بالمشاكل والخلافات، وربما التورط بديون وقروض لمشابهة الآخرين.

وأشار إلى خطورة عرض الزوجة مشكلتها مع زوجها على مواقع التواصل الاجتماعي بأسلوب رخيص، يخلو من الحياء والخصوصية والستر.

صلح

قال جمال إبراهيم رئيس قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي، إن المحاكم أخذت على عاتقها الكثير من المبادرات، التي تدخل ضمن سياسة التسويات والصلح بين الأطراف المتخاصمين، مشيراً إلى الدور المجتمعي الكبير الذي يلعبه القسم، والآثار الإيجابية الملموسة، جراء الجهود التي يبذلونها قبل وصول الخلاف لمرحلة التقاضي.

ولفت إلى أن قانون الأحوال الشخصية، ألزم القاضي بعرض الصلح على الأطراف، وأن محاكم دبي تحرص على هذا الأمر، ليس فقط أمام القاضي، وإنما من قبل قسم التوجيه الأسري، وفي التنفيذ ما بعد صدور الأحكام.

وأكد أن المحاكم لم تعد اليوم تلك الجهة التي يتنازع فيها الأطراف فحسب، بل أصبح لها دور مجتمعي كبير في حماية الكيان الأسري، بما يتضمنه من زوجين وأبناء، من التشتت والضياع، من خلال توجيه العظة والعبرة لأطراف الدعوى، في جو خالٍ من المشاحنات والتوتر، كمحاولة لتقريب وجهات النظر بينهما، أملاً في فض النزاع ودياً، وتقصير أمد النزاع.

%70

طالب المستشار محمد رستم بو عبد الله المحامي العام رئيس نيابة الأسرة والأحداث في دبي بإعادة النظر في مواد قانون العقوبات الخاصة بالاعتداءات الواقعة على الزوجة من قبل الزوج، والتشدد فيها لجهة العقوبة، خصوصاً إذا تكرر هذا الفعل، مؤكداً أن التساهل في مثل هذه الأفعال يكون سبباً لتمادي بعض الرجال في الاعتداء على زوجاتهم. وأوضح أن 70% من قضايا الأسرة التي حقّق فيها تتعلق بالاعتداء على الزوجة.

وأضاف: هناك حالات كثيرة لا تبلغ الزوجة عن تعرضها للضرب لمرات عدة، ولا شك في أن التساهل مع هؤلاء الأزواج في العقوبة يعطيهم الدافع أو الفرصة ليكرروا اعتداءاتهم وجرائمهم، من باب أن مَن أمن العقوبة أساء الأدب.

وأكد حرص نيابة الأسرة والأحداث على القيام بدورها المجتمعي والإنساني تجاه نشر مفاهيم الخير والعطاء والتسامح، من خلال مبادرات تؤثر على المجتمع بكل فئاته، وتهتم بقضاياه وتوجد حلولاً إيجابية فعالة تصب في إطار سعادته ورضاه واستقراره، وترتقي مع الرؤية والخطط الطموحة لاستشراف المستقبل.

أحمد الحداد: مسؤولية الرجل في الاحتواء أكبر من المرأة

أكد الدكتور أحمد الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أن أولى وسائل علاج الخلافات الزوجية، هي تذكُّرُ الزوجين أمر الله تعالى لهما بحسن العشرة بمقتضى الشرع القويم، خصوصاً الأزواج الرجال في المقام الأول؛ لأن الرجل هو الذي بيده عقدة النكاح ويملك العصمة وله القوامة وهو الذي بذل الكثير حتى يكوِّن هذه الحياة الزوجية، كما أنه الأقدر على التحكم بعواطفه وتسييرها على ما يحقق لهما العيش الهني.

وأوضح أن العِشرة بالمعروف تعني بذل الندى وتحمل الأذى والصبر على البلوى، وبها يتجاوز الزوج كثيراً من المشكلات، فإن المرأة تحكمها العاطفة فإذا سحرت عاطفتها بلين القول وحسن الفعل لانت واعتدلت، وعندئذ تحل المشكلات الطارئة بأحسن حال، فإن لم تقم العشرة بالمعروف على وجهها الكامل فلا أقل من أداء الحقوق التي تجب على كل منهما، اتقاءً لله تعالى وخوفاً منه؛ فإن الله تعالى سائل عن ذلك، وكل منهما راعٍ لحقوق الآخر ومسؤول عن رعيته، وأداء الحقوق فريضة يجب بذلها رضا أو كراهية.

وأضاف أن لم يتحقق المراد من الحياة الزوجية الهنيئة فعليهما البحث عن الأسباب المؤدية إلى الخلاف فإن علم السبب من أحدهما وجب عليه إصلاحه، ومعلوم أن أكثر الأسباب الموصلة إلى الخلاف من جهة الزوج هي أسباب مادية من تقصير في النفقة أو إسراف فيها، وعلاج هذا سهل، وهو أن الله تعالى قد أوجب النفقة بالمعروف وعلى قدر الوسع والطاقة، وكل زوج يعرف سعته، وعلى الزوجة أن ترضى بالمتيسر وإن كانت ترى فيه تقصيراً، فإن رضاها يكثره، والقناعة كنز لا يفنى، وبحسن تبعلها ستجلب الكثير.

وذكر أنه مما يشاع في أسباب الخلاف من قبل الزوج إهمال البيت والعيال والانشغال باللهو واللعب مع الأصحاب، أو الانهماك في العمل نهاراً وليلاً، وهذا في الحقيقة لا يأتي إلا من رغبة عن البيت لما يوجد فيه من نكد من قبل الزوجة، أو عدم رغبته فيها، وعلاج ذلك يكون من قبل الزوجة بإعادة النظر بوضعها في البيت في نفسها وعيالها، فتعالج القصور الذي تقدر عليه من غير تردد، فإن كان هو الراغب عنها، فعليها الصبر والاحتساب وتقارن وضعها زوجة ووضعها مطلقة، ولا شك أن وضعها زوجة مع ذلكم القصور هو خير لها من الترمل والعذاب النفسي، ولها في الصبر الأجر العظيم، والمآل الحسن تجده من أولادها الذين تعيش معهم في كنف أب وراعٍ، وفي حاضر وقتها ومستقبله.

تدخل الأهل

وقال مدير إدارة الإفتاء إن من أسباب الخلافات الزوجية بكثرة هو تدخل أهل الزوجة أو أهل الزوج في حياة الزوجين، فإن هذا التدخل يفضي غالباً إلى ظلم فادح لهما، فإن عصبية أحد الأهلين تعميهم عن مواطن الخير وكوامنه فيهما، وبذلك يكون الأهلون متحملين جرماً كبيراً بضياع الأنبياء أو ترمل المرأة أو انحرافها، وكان الواجب أن يكون أهل كل منهما هو تقريب وجهات النظر والعمل على حل الخلاف الذي قد يكون بسيطاً ويمكن تجاوزه.

ولفت إلى أن علاج هذا التدخل هو تقوى الله تعالى وخشيته من السعي في الإفساد وضياع الأولاد، وأن السعي في الإصلاح له أجر عظيم، كما أن أول علاج له هو عدم إشعار أي من الأهلِين بما يكون بين الزوجين من سوء تفاهم أو حدوث تقصير، فإن الحمية العصبية تعمي عن الحقيقة، ولا سيما من أهل الزوجة، فإنهم يفسدون في الغالب ولا يصلحون، فإن لم يتم هذا العلاج وهو نافع حقاً، فلا بد من الأخذ بوسائل أخرى لعلها تجدي نفعاً، والتي تبدأ بالصلح الذي تكون عاقبته خيراً، والذي يعني تنازل كل منهما عن بعض حقه لإرضاء الآخر، وهو ما ندب إليه الذكر الحكيم لكل منهما، فإن لم ينفع كان لا بد من إشاعته وإظهاره للآخرين بما يسمى بالتحكيم، أي يحكِّم كل واحد منهما من طرفه من هو أهل للنظر، ويقدر على الحل النافع لهما، وعند الحكمين الخبر اليقين من إمكانية الصلح أو الفراق، وحكمهما يكون نافذاً كحكم القاضي، ولعل في الفراق في هذه الحالة ما يكون سبباً لحياة سعيدة لهما بعد تعذر الحياة الزوجية، فما شرعه الله تعالى إلا لمصلحة عباده والفراق براحة مع حفظ الحقوق والمودة وعدم نكران الجميل؛ خير من عيشة ملؤها الكدر والشقاء، ولذلك شرع الله جل ذكره الطلاق والخلع حتى يكون سبيلاً لحياة أخرى لعلها تكون سعيدة.

أمل بالهول: تبادل الآراء يعزز استقرار وتماسك الأسرة

قالت الدكتورة أمل بالهول الاختصاصية النفسية والاجتماعية، إن خلق الألفة، وقنوات التواصل بين الأزواج، يتأتى من الحوار المتناغم الذي ينشئ الأسر المتناغمة المتماسكة. وأضافت: إن التفاعل بين أفراد الأسرة الواحدة عن طريق المناقشة، والحديث عن كل ما يتعلق بشؤون الأسرة من أهداف، ومقومات، وعقبات، ويتم وضع حلول لها، وذلك بتبادل الأفكار، والآراء الجماعية حول محاور عدة، ما يؤدي إلى خلق الألفة، والتواصل.

ولفتت إلى أن معوقات الحوار الأسري المتناغم تتمثل في التراكمات السلبية، وهي في مسارين، الأول خارجي ناتج عن الإحباط الذي يؤدي للغضب، ويولد رغبة في الانتقام من الطرف الآخر، لتكون ردة الفعل على شكل نقد لفظي وشتم، أو عنف جسدي، أو نفسي مثل الصمت والاحتقار والتجاهل، أما المسار الداخلي فهو عبارة عن أمراض نفس جسمية كارتفاع الضغط، والصداع، والقولون العصبي، والحكة الجلدية العصبية، أو أمراض نفسية مثل الخوف والقلق والاكتئاب، وربما يصل الحال إلى الرغبة في الانتحار وإيذاء الذات.

وبينت أن الطريقة الأفضل لحل الخلافات هي الرغبة في حلها، أما العناد فهو التعقيد وزيادة لكل التراكمات والمسارات، مشيرة إلى أن الانفصال بين الزوجين يصبح حلاً لإنهاء الخلافات بينهما عندما تظهر آثار المسارات المذكورة، وتتلاشى فرص الإصلاح. وقالت: إن الطلاق هو الحل الأنسب في بعض الأحيان مثل انهيار الثقة بين الطرفين وتلاشيها، تراكم الخلافات الزوجية مرة بعد مرة حتى يصبح من الصعب حلها، واستخدام العنف سواء الجسدي أم النفسي، والذي يُفقد الشعور بالأمان، ثم استنفاذ كل الطرق والوسائل للإصلاح بينهما.

أحمد عبد الكريم: الخلافات واردة.. والحكمة وسيلة فعالة لعلاج المشكلات

قال أحمد عبد الكريم رئيس شعبة الجلسات الأسرية في محاكم دبي إن الخلافات الزوجية واردة في كل بيت، وتصيب كل علاقة شراكة، ولكن العبرة تكمن في كيفية مواجهتها، وطريقة التعامل معها، فكم من خلاف تافه تحول إلى مراكز الشرطة والمحاكم بسبب تعاملنا الخطأ معه، وكم من مشكلة كبيرة صغرت وربما انتهت بسبب التعامل الصحيح الحكيم وقت المشكلة.

وأضاف: «نحن لا ندعي الكمال، وطبيعي أن يتغير مزاج الإنسان، أو تمر عليه بعض الظروف النفسية كالغضب أو الصمت ونحوه، ولكن هذا مؤقت، المهم في هذا الوقت لا نضغطه بالاتهام، وهناك زوجات تخطئ عندما ترى زوجها في وضع عصبية أو فتور مؤقت من قبله، فتبدأ تتهم الزوج بالتقصير والتغيير، وهذا الأسلوب في حقيقة الأمر يزيد البعدُ والفجوة، في حين أن الأفضل أن تمنحه فرصة لكي يراجع فيها حساباته، وأن تعرف جيداً كيف تتعامل معه بحكمة وهدوء».

وأوضح أنه عند الخلافات الزوجية، هناك خطأ متكرر الحدوث، وهو سرعة اتخاذ القرارات الخطأ الحاسمة كالطلاق، فتجد البعض من الأزواج يقدِّم قرار الطلاق على أي قرار آخر وقت الخلاف، وهذا خطأ كبير، لأنه ليس من الحكمة أن يكون القرار أكبر من الحدث نفسه، وبالتالي يجب على الزوجين أن يتركا لنفسهما مساحة للتفكير قبل اتخاذ القرار في حال ظهور أي مشكلة بينهما، لأن من علامة الحكمة أن يتم النظر لأبعاد القرار قبل اتخاذه.

وذكر أن من الأمور المزعجة المتكررة، خاصة عند الأزواج الجدد، أنه بمجرد الخلاف مع زوجته فإنه يباشر في لفظة الطلاق أو «نحن ما نصلح مع بعض»، أو بعض الزوجات بمجرد حدوث خلاف تطلب الطلاق وتحكم على حياتها أنها نكد وملل، وهذا خطأ، فنحن بحاجة أن ننظر للحياة الزوجية بواقعية، وأنها حياة وعلاقة ليست على وتيرة واحدة، فيها صعود ولحظات جميلة، وفيها نزول ولحظات صعبة، وعند صعوبة الظروف نحتاج أن نفهم بعضنا البعض، نعذر بعض، نتقرب من بعضنا بعضاً، نبعد عن اللوم المتكرر والاتهام الدائم بالتقصير.

إلى ذلك، شدد عبد الكريم على خطورة ركوب موجة وسائل التواصل الاجتماعي، وتقليد الآخرين أو مشابهتهم، والاهتمام بالمظاهر والماركات والسفر، على حساب الاهتمام بالمتطلبات الأساسية، من مسكن وتعليم وصحة، وغيرها من الحاجات الأساسية التي لا يسمح التقصير بها، مشيراً إلى أن هذا الاهتمام الزائف، جلب الكثير من المشاكل والخلافات إلى المجتمع بصفة عامة، والأسرة بصفة خاصة، نتج عنها حالات طلاق، لما رأت الزوجة أن الزوج غير قادر على النفقة عليها لمجاراة نجوم ومشاهير ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وتطرق إلى حرص الموجهين والمصلحين الأسريين في محاكم دبي، على حل الخلافات الزوجية، وتسويتها، وتحقيق الصلح بين الأزواج، وحضهم على عدم الإصرار على الطلاق، خصوصاً إذا كان بينهم أبناء.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً