الادّخار أول دروس الذكاء المالي

الادّخار أول دروس الذكاء المالي

من الحصالة الملونة الصغيرة بدأت الأحلام الكبيرة، ومن درهم يُستثمر يومياً من مصروف الجيب، رُسمت خطط صغيرة لشراء دمية أو لعبة جديدة، كان هذا في الماضي، كانت الأحلام على قدر المعطيات آنذاك، كانت البراءة عنوان كل الأحلام والبساطة عنوان كل المحيط الكوني، وكان العالم المادي عالي التكنولوجيا، مجرد خطط على ورق، أو مشاهد في أفلام.

من الحصالة الملونة الصغيرة بدأت الأحلام الكبيرة، ومن درهم يُستثمر يومياً من مصروف الجيب، رُسمت خطط صغيرة لشراء دمية أو لعبة جديدة، كان هذا في الماضي، كانت الأحلام على قدر المعطيات آنذاك، كانت البراءة عنوان كل الأحلام والبساطة عنوان كل المحيط الكوني، وكان العالم المادي عالي التكنولوجيا، مجرد خطط على ورق، أو مشاهد في أفلام.

اليوم مع التطور التكنولوجي الهائل، وطغيان العالم المادي على الأحلام البريئة برز السؤال، هل تلاشت تلك الأيام وبراءة الطفولة، هل أصبحت الحصالات مجرد ديكور في غرف الأطفال، وباتت أحلامهم بلعبة جديدة قاب قوسين أو أدنى من الدخول حيز التنفيذ في أقرب متجر للعب أو الحلوى بغض النظر عن المبلغ المالي المدفوع؟ لماذا أصبحت اللعب باهظة الثمن اليوم ـــ والتي كانت حلم الطفولة في الماضي- مركونة ومهملة؟ ولماذا أصبحت مجاراة بعض الأبناء لصيحات الموضة هاجساً وهوساً.

ضبط

المال خادم جيد.. وسيد فاسد، حكمة قليلة في عدد كلماتها، كبيرة في معانيها، ترسم مساراً تربوياً جديداً وإشكالية حاضرة غائبة، في كيفية جعل «الحصالة الصغيرة» بداية مميزة لاستثمار المصروف الجيبي، فمن دون أدنى شك، كل زمن وله طريقة وأسلوب معين في التعامل مع الأبناء، وفي عصرنا الحالي، ومع المغريات الكثيرة، وتنوع الاهتمامات، فإن تسليط الضوء على تعزيز الثقافة المالية وضبط سلوك الادخار ضرورة مُلحة، وقيم أساسية وجد بعض الخبراء ضرورة تضمينها في المناهج الدراسية لتعليمها علماً في المدرسة، وتعزيزها سلوكاً داخل محيط الأسرة، وبذلك ينشأ الإحساس بالمسؤولية المالية بالتدريج عند الأبناء، إذ يؤكد الكثير من الخبراء أنه عندما يتعلم النشء قيمة المال يتحصنون بقيمة حياتية لا تقدر بثمن ويصبحون قادرين على إدارة مستقبلهم المالي بشكل أمثل.

بوادر

هل يرث «الأبناء» سلوك الآباء؟ سؤال محوري أثاره الدكتور شافع النيادي، مدرب التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، مؤكداً أن كل أساليب التربية التي يتبعها الوالدان لتعزيز سلوك الادخار لن تكون مجدية إلا إذا كان سلوك الآباء في الإدارة المالية جلياً أمام أطفالهم، فبوادر التعلم الأولى تبدأ من السلوك السائد في محيط المنزل، وزرع سلوك الادخار يجب أن يوجد في الآباء قبل تعزيزه في الأبناء، وإلا لن تكون نتائج هذه التربية مثمرة، فتعليمنا لأبنائنا يبدأ من ذواتنا.

alt

ورغم ذلك يؤكد النيادي أن الكثير من أولياء الأمور يغفلون عن أهمية تعزيز الثقافة المالية عند الأبناء، فالثقافة المالية تبني الذكاء الاجتماعي عند الطفل، لذلك فمن الأهمية بمكان زرع ثقافة الادخار عند الأبناء، من خلال خلق منهجية وسطية فلا يكون الابن مسرفاً وفي الوقت نفسه لا ينغلق على نفسه ويكون بخيلاً، فالوسطية وحسن إدارة استخدام المال هي الحد الفاصل، والحوار مدرسة تربوية نواتجها ناجعة، فكلما جلسنا مع أبنائنا وحاورناهم وجعلناهم يدركون أهمية ضبط آلية الصرف والادخار وأهميتها على المدى الطويل، سيسهم ذلك في تحفيز الطفل وتوسيع مداركه، وتعزيز ثقته بنفسه وقدرته على تحمل المسؤولية.

ثقافة

ويشدد النيادي أنه لا بد من أن نمسك بالعصا من النصف، ولكيلا يكون الابن مادياً جداً، كل همه الادخار وتكوين ثروة، إذ من الأهمية بمكان أن نربي الطفل على ثقافة أخرى مهمة وهي ثقافة العطاء، فليس الهم الأكبر في الكم والتجميع، إنما في غرس ثمرة البذل والصدقة ومساعدة الغير، فهو واجب ديني وتربوي مهم ومثمر يسهم في تعزيز شخصية الطفل وإحساسه بالغير.

الحلول كثيرة ومتنوعة سلسة، تتناغم حسب طبيعة وشخصية الطفل، هذا ما يؤكده النيادي، إذ إن تخصيص مصروف جيب أسبوعي أو شهري للأبناء، والطلب منهم أن يقوموا بعمل خطة في كيفية صرفه وما هي الأمور الأساسية ومن ثم المهم والأقل أهمية، وكيف يدخر الابن جزءاً من هذا المصروف، ومن الأفكار المهمة أيضاً جعل الإدارة المالية ضمن المناهج الدراسية منذ المراحل المبكرة، حتى تنشئ هذه الثقافة من الصغر، ولا ننسى، العلم في الصغر كالنقش على الحجر.

مسؤولية

يعترض أحمد خليفة، مهندس وولي أمر، على اعتقاد البعض أن الإدارة المالية للأطفال ليست ذات أهمية، قائلاً: الأطفال لم يولدوا ولديهم حاسة سادسة بإدارة المال وواجبنا تعليمهم وتدريبهم، لتجنب إحدى الظواهر السلبية في عصرنا الحالي وهي البذخ وعدم تحمل إدارة المال، وبالنسبة لي أحاول زراعة مهارات الإدارة المالية عند أبنائي خلال توعيتهم بأهمية المال، وأحاول أن أوضح لهم كم هي طويلة ساعات العمل فهذا يسهم في إيصال رسالة مفادها أن كسب المال ليس بالأمر السهل.

alt

ويضيف: هناك بعض الاستراتيجيات التي أنصح باستخدامها مع الأطفال، أهمها تعريفهم بأن المال يؤخذ مقابل عمل ونتيجة لمجهود نبذله، ولكي نقوم بذلك فلا بد من أن نكلف الأبناء بمهام إضافية تناسب مرحلتهم العمرية ثم نكافئهم على إنجازها، هذا إضافة إلى أهمية تعليمهم كيفية الادخار من مصروفهم اليومي، وما حصلوا عليه من الأعياد والمناسبات، وتعليمهم أن المال وجد لكي نحسن استخدامه في ما ينفعنا وفي ما نحن فعلاً بحاجة إليه.

أسلوب

الإدارة المالية أسلوب حياة معاصر وتكنيك مثالي لتربية الأبناء، هذا ما يؤمن به عبدالله الشحي، مدرب حياة وولي أمر، قائلاً: الثقافة المالية عند الأطفال، من أهم الأمور التي لا بد أن يتعلمها الطفل حتى يتعود عليها وتتحول لثقافة بجانب التربية، ويحدث ذلك خلال الجلوس مع الأطفال والتحدث معهم عن تخصيص مبلغ مالي شهري لكل منهم حيث على الطفل أن يتدبر أموره المالية خلال الشهر، ويجب توضيح ما هي احتياجاته الشهرية، وعلينا أن نصطحبهم معنا للتسوق حتى تكون لديهم فكرة عن معنى التسوق، وشراء المستلزمات فمن هنا نبدأ بزرع الخطوة الأولى في عقولهم وكذلك سينظر الطفل للأشياء بنظرة مختلفة.

alt

وتابع: كان الطفل في السابق يطلب ما يريده ولا يعرف القيمة أو المبلغ المالي ولكن عندما يكون لديه مبلغ محدود فعليه أن يصرفه خلال الشهر وبما هو ضروري وأن يستقطع جزءاً منه كونه توفيراً.

فالطفل هنا يبدأ تعلم كيف يدير حياته من الجانب المالي وكذلك يبدأ يرى قيمة الأشياء الحقيقية وفي الوقت نفسه يبدأ يشعر بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه أهله فيصبح فرداً مؤثراً ومشاركاً فعالاً في الأسرة من خلال عملية الاستقطاع والتوفير الشهري، ومن الطبيعي أن يكون هناك عدم التزام كامل للأبناء من ناحية كمية الصرف التي تنتهي قبل نهاية الشهر.

تنظيم

تقول أم عبدالله، موظفة، إنها تحاول تنظيم السلوك المالي لأبنائها من خلال تعويدهم على ارتباط الأموال بأحداث معيّنة مثل المكافآت والخروج في يوم العطلة، أي أنها لا تترك الأمر مرهوناً بالطلب والإلحاح في أي وقت. وتؤكد مريم أحمد، أم وربة منزل، قائلة إن هذا الأمر يحتاج تعويد الأطفال على التنظيم، وذلك من خلال ثبات الوالدين وعدم خضوعهما لمتطلبات الأطفال التي لا تنتهي، والجانب المادي مهم، يشعرهم بالمسؤولية وضبط إسرافهم وإلحاحهم على أمور قد لا تكون ذات أهمية كبرى.

أنشطة

أكدت أم عمر، معلمة وولية أمر، أن الطلبة بشكل عام لا يستوعبون بسرعة مفاهيم القيمة المالية، لأنهم يعتمدون على آبائهم في شراء احتياجاتهم وتحقيق رغباتهم، ومن هنا، لا بد في التفكير بإيجاد منافذ عملية تعرفهم إلى أهمية ادخار المال ليكونوا أفضل تعاملاً مع مسؤولياتهم المالية في المستقبل، وأشارت إلى الحاجة الملحة إلى إيجاد أنشطة لاصفية لتمكين الطلاب مع التعرف إلى كيفية الاستثمار ووضع الميزانية وأساليب الدفع والادخار، فهذه مبادرات ذات أهمية كبرى، ستعود على الطلبة بالنفع الكبير حاضراً ومستقبلاً.

السماء لا تمطر ذهباً

يؤكد الخبراء والمتخصصون أن تعويد الطفل على تبنّي المقولة الشهيرة إن «السماء لا تمطر ذهباً» من أهم الأساليب التربوية التي تسهم في تقويم السلوك المالي للطفل، وإن تنمية الذكاء المالي لدى الطفل من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق الأسرة. ويجب تعريف الطفل الفرق بين الضرورات والحاجات الملحة والأشياء الأخرى التي يمكن الاستغناء عنها أو إرجاؤها، كذلك يجب تطبيق مبدأ «أوَ كلما اشتهيت اشتريت؟» والتي تساعد الأطفال على تقنين رغباتهم.

«اصرف صح»

يعد برنامج «اصرف صح» الذي أطلقته مؤسسة الإمارات في عام 2013 المبادرة الأكبر من نوعها، والتي تعنى بالتوعية المالية وتعزيز الثقافة المالية في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يُركز البرنامج على تمكين الشباب ماليّاً وتقديم المشاريع والأنشطة، التي من شأنها أن تحدث أثراً إيجابياً في حياتهم، ويسعى البرنامج لبناء الشراكات لإحداث تأثير اجتماعي مستدام يضمن التوعية المالية لشباب اليوم وتعزيز استقلالهم المالي.

مال الإمارات

تحت عنوان «المال في الإمارات بين الماضي والحاضر» أصدرت كل من خديجة قدسي وسارة مافريناك كتاباً تثقيفياً للأطفال باللغة الإنجليزية، وتأتي هذه الخطوة لدعم الجهود في نشر الوعي لدى الأطفال في الدولة حول أهمية الادخار وقيمة العمل لقاء كسب المال من خلال تقديمهما العديد من ورش العمل المخصصة لطلبة المدارس في الإمارات من أجل غرس الثقافة المالية لديهم بأسلوب محبب وترفيهي.

«فلس بلانيت».. دعوة إلى ترشيد الاستهلاك

أسس الموظف الشاب، سعد الربيعان، أكاديمية «فلس بلانيت»، والتي تعد الأولى من نوعها على مستوى دولة الإمارات، في تنظيم وإعداد دورات تعليمية وبرامج تدريبية مبتكرة للأطفال والشباب، من عمر سبع سنوات حتى الـ17، عن طرق الادّخار وترشيد الاستهلاك، والابتعاد عن التبذير، لزرع «الثقافة المالية» عند الأطفال منذ الصغر، والابتعاد عن الاقتراض عند الكبر، وإعطائهم الطرق الصحيحة للثقافة المالية وكيفية جني الأموال.

alt

وقد راودته فكرة إنشاء الأكاديمية عندما لاحظ أن معظم مواطني الدولة مدينون بسبب غياب ثقافة الادخار وترشيد الاستهلاك، ويسرفون في شراء الكماليات، ما دفعه إلى إنشاء أكاديمية متخصصة في تدريب الأطفال والشباب منذ الصغر على عدم الاقتراض، وعلى الادّخار قدر المستطاع.

وأشار إلى أن الأكاديمية تقدم أربع مهارات أساسية، هي: فنون التوفير والادخار، وفنون جني المال، ومهارات الاستثمار، إضافة إلى مهارات الصرف الحكيم، لافتاً إلى أن عادات الادخار والصرف والتعامل مع المال تختلف من مجتمع إلى آخر، وأكد أنه رصد تفاعلاً كبيراً من أولياء أمور الأطفال مع هذه المبادرة.

صفحة تناقش اهتمامات القراء وتتفاعل معهم

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً