المفاجأة التي غيرت حياتنا

المفاجأة التي غيرت حياتنا

هل يبدو العالم اليوم كما كنتم تتخيلونه قبل عشر سنوات؟ بالنسبة لنا، الجواب عن هذا السؤال سيكون «نعم ولا» في آن واحد. فمن جهة، ما زال العالم بشكل عام يحرز تقدماً كبيراً كما كنا نتمنى ونتوقع، إذ إن العديد من خطوط الاتجاه التي ظهرت في العقد الماضي ما زالت تسير على نفس المنحى الإيجابي: فعدد…

هل يبدو العالم اليوم كما كنتم تتخيلونه قبل عشر سنوات؟

بالنسبة لنا، الجواب عن هذا السؤال سيكون «نعم ولا» في آن واحد. فمن جهة، ما زال العالم بشكل عام يحرز تقدماً كبيراً كما كنا نتمنى ونتوقع، إذ إن العديد من خطوط الاتجاه التي ظهرت في العقد الماضي ما زالت تسير على نفس المنحى الإيجابي: فعدد الأطفال الذين يبلغون سن الرشد في تزايد، وعدد البنات اللاتي يلتحقن بالمدرسة يزداد من عام لآخر، كما أن هنالك تراجعاً في عدد الأشخاص الذين يموتون جراء الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

ومن جهة أخرى، هناك أحداث لم تكن متوقعة غيرت وجه العالم على نحو لم يكن أحد منا يستطيع التكهن به. ويمكن أن ينطبق هذا على أي سنة تختارها، ولكن في السنة الماضية، بدا وكأن قوى غير متوقعة كان لها تأثير هائل، فبسبب الكوارث الطبيعية المدمرة والنزوح السكاني الذي بلغ مستويات قياسية منقطعة النظير، بدت لنا سنة 2018 وكأنها سلسلة من المفاجآت.

من فوائد المفاجآت أنها تحثنا على العمل، إذ عندما ندرك أن واقع العالم لا يتطابق مع توقعاتنا، فإن ذلك يسبب لنا حالة من الاضطراب.

قبل خمسة وعشرين عاماً، تسببت مفاجأة بتغيير مجرى حياتنا، فبينما كنا نتصفح الجريدة قرأنا مقالاً جاء فيه خبر صادم: مئات الآلاف من الأطفال في البلدان الفقيرة يموتون جراء الإسهال. لقد استوقفنا ذلك الخبر، وأرسلنا بنسخة من المقال إلى والد بيل وقلنا له: «قد يكون بوسعنا القيام بشيء ما حيال هذا الأمر».

لقد شكلت تلك المفاجأة إحدى أهم الخطوات التي قادتنا إلى العمل الخيري، فقد ساهمت في بلورة قيمنا: إيماننا بعالم يستفيد فيه الجميع من الابتكار ولا يموت فيه أي طفل بسبب مرض يمكن الوقاية منه. لكن ما كنا نراه هو عالم لا يزال مليئاً بمظاهر عدم المساواة.

في رسالتنا السنوية لهذا العام كتبنا عن 9 أمور فاجأتنا خلال رحلتنا هذه. بعضها ساعدنا على التفطن إلى أننا بحاجة إلى تغيير الوضع الراهن، فعلى سبيل المثال لم تشهد المراحيض أي تغير منذ قرن من الزمن. وبعضها الآخر يؤكد أن التحول قد بدأ بالفعل، على غرار التكنولوجيا الجديدة التي أخذت تجعل الكتب المدرسية بالية وغير ملائمة لاحتياجات هذا العصر.

ومن الأمور التي فاجأتنا أيضاً التحولات في الحوار القائم عن المشاركة العالمية، فقد تبيّن لنا أن العولمة قضية ذات جانب قومي.

فلفظة «القومية» هي من بين أكثر المصطلحات السياسية المشحونة المستخدمة في القرن الحادي والعشرين. وهي وإن كانت تعني أشياء مختلفة من شخص لآخر (وتحمل دلالات وتلميحات مختلفة) فإن القومية تعني في جوهرها الاعتقاد بأن الواجب الأول لأي شعب يكمن في خدمة بلده.

وحتى إذا قبلنا بهذا المبدأ، فهذا لن يغني أي بلد عن العمل مع سائر بلدان العالم في نظرنا. إذا كنت تؤثر بلدك فهذا لا يجبرك على إهمال باقي العالم. وفي حقيقة الأمر، فإن العكس هو الأصح.

ومن بين الأسباب التي تدفع دولاً كالولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة إلى الاستثمار في المساعدات الخارجية هو أنها تسهم في توطيد الاستقرار في الدول الأخرى وفي الحفاظ على الأمن داخل حدودها.

وعلى سبيل المثال، فإن تعزيز المنظومات الصحية في البلدان الأخرى يقلل من خطر تفشي مرض فتاك على غرار إيبولا في كل أرجاء العالم. كما أنه إذا ساعدنا الآباء في كل أنحاء العالم على ضمان الأمن والتعليم والصحة الجيدة لأطفالهم، فمن الأرجح ألا يحاول هؤلاء فيما بعد الهجرة عبر طرق خطيرة بحثاً عن حياة أفضل.

وهناك سبب آخر يجعل البلدان تستثمر في الصحة والتنمية العالميتين، وهو أن هذه الاستثمارات فعّالة حقاً. فعلى سبيل المثال، التحالف العالمي للقاحات والتحصين بتوفير لقاحات أساسية منذ عام 2000 لأكثر من 690 مليون طفل، أي ما يعادل تلقيح كافة سكان أوروبا تقريباً.

في عام 2019، سيتوجب على الحكومات أن تلتزم من جديد بتمويل «الصندوق العالمي» لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، والذي يعتبر أحد أكبر المشاريع الهادفة إلى تحسين الصحة على صعيد العالم. كما سيحتاج التحالف العالمي للقاحات والتحصين لجمع المزيد من الأموال في عام 2020.

لا يمكننا أن نبالغ في وصف حجم المنافع التي قدمتها هذه المشاريع للعالم، لكننا نخشى أن تكون البلدان الغنية قد بدأت تنأى بنفسها عن القضايا العالمية، وقد تتخذ لاحقاً مواقف تتوخى مصالحها الذاتية فحسب، ما سيجعلها تنظر إلى تلك الجهود على أنها لا تستحق التكاليف المرتبطة بها.

ولهذا نعتقد بأن ارتباط العولمة بالمصالح الوطنية على هذا النحو غير المتوقع يعد وسيلة ناجعة لتغيير آراء الناس الذين قد يعارضون المساعدات الخارجية، وهذه قضية ننوي الدفاع عنها في السنوات القادمة بلا هوادة.

إننا نعلم من خبرتنا الشخصية أن ما يفاجئنا من شأنه أن يكون حافزاً قوياً للعمل، تماماً مثلما حدث لنا مع المقال الذي تحدث عن موت الأطفال بسبب الإسهال. عندما تواجه واقعاً صعباً لأول مرة، فإنك تتفاجأ، ثم تشعر بالغضب ثم تشرع في العمل. وهذا ما يجعل العالم يسير نحو الأفضل.

بقلم: بيل ومليندا غيتس

الرئيسان الشريكان لمؤسسة بيل ومليندا غيتس.

هذا المقال مقتبس من رسالتهما السنوية لعام 2019.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً