د. أحمد الطيب.. إمام التسامح والاستنارة

د. أحمد الطيب.. إمام التسامح والاستنارة

يحمل د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين، الذي يلتقي البابا فرنسيس على أرض الإمارات خلال زيارته التاريخية، الرقم 50 بين شيوخ الأزهر العظماء، وال18 بين مفتي الديار المصرية، وال 10 بين رؤساء الجامعة الأزهرية العريقة، فهو الوحيد بين علماء وشيوخ الأزهر الذي جمع بين قيادة كل هيئات ومؤسسات الأزهر الكبرى، رغم زهده في المناصب، وعزوفه عنها.ولد أحمد محمد…

emaratyah

يحمل د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين، الذي يلتقي البابا فرنسيس على أرض الإمارات خلال زيارته التاريخية، الرقم 50 بين شيوخ الأزهر العظماء، وال18 بين مفتي الديار المصرية، وال 10 بين رؤساء الجامعة الأزهرية العريقة، فهو الوحيد بين علماء وشيوخ الأزهر الذي جمع بين قيادة كل هيئات ومؤسسات الأزهر الكبرى، رغم زهده في المناصب، وعزوفه عنها.
ولد أحمد محمد الطيب في 6 يناير/‏‏ كانون الثاني 1946م بقرية القرنة، الواقعة غرب مدينة الأقصر بجنوب مصر، من أسرة ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب.
أتم حفظ القرآن الكريم في «كُتّاب» القرية في العاشرة من عمره، وتلقى تعليمه الأولي في معهدي إسنا وقنا الأزهريين، ثم التحق بكلية أصول الدين، حتى تخرج فيها بتفوق.
حصل الطيب على درجة الدكتوراه عام 1977، ثم سافر إلى فرنسا لمدة 6 أشهر في مهمة علمية إلى جامعة باريس، في نهاية العام نفسه.
وبعد عودته تولى العديد من المناصب القيادية في الأزهر، فعين عميداً لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بقنا عام 1990، ثم مفتياً للديار المصرية عام 2002م، وكان عمره وقتها 56 عاماً، وأصدر خلال فترة توليه الإفتاء نحو 2835 فتوى، مسجلة في سجلات دار الإفتاء المصرية، وظل في هذا المنصب حتى غرة شعبان 27 سبتمبر/‏‏ أيلول 2003.
ثم تولى الطيب رئاسة جامعة الأزهر، وظل رئيساً لها حتى تولى مشيخة الأزهر عام 2010.
بعد توليه المشيخة، حرك الطيب المياه الراكدة في الأزهر العريق، وأعاد علاقاته القوية بكل المؤسسات الدينية في العالم، الإسلامية والمسيحية، وصنع تاريخاً مجيداً للأزهر في ترسيخ قيم وثقافة الحوار والتسامح الديني بين أهل الأديان السماوية.
نال الطيب احترام العالم شرقه وغربه، وتعددت الجوائز والأوسمة ودرجات الدكتوراه الفخرية، التي حصل عليها، تقديراً لجهوده العلمية والفكرية، واعترافاً بفضله في نشر ثقافة التسامح والحوار الحضاري بين أتباع الأديان السماوية.
ويرتبط الطيب بعلاقات متميزة مع قادة وزعماء معظم البلاد العربية والإسلامية، ويعبر دائماً عن اعتزازه بالعلاقة المتميزة بقادة وشعب الإمارات.
وللطيب العديد من الدراسات والأبحاث، والمؤلفات في العقيدة والفلسفة الإسلامية، وكذلك ترجمات وتحقيقات لعدد من المؤلفات الفرنسية عن الفلسفة الإسلامية، فهو يتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، ويترجم من الفرنسية إلى العربية.
وعندما تولى الطيب مشيخة الأزهر، كانت علاقة المؤسسة الإسلامية العريقة يشوبها التوتر مع العديد من المؤسسات الدينية في الغرب، وعلى رأسها الفاتيكان، بسبب تصريحات البابا السابق، وانسياق بعض الكنائس الغربية خلف اتهامات ظالمة للإسلام، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومحاولات «اللوبي» الصهيوني التي لا تتوقف للوقيعة بين الإسلام والغرب، مستغلاً تلك الأحداث الدامية التي أدانتها كل المؤسسات الإسلامية.
وأخذ الطيب على عاتقه تصحيح الصور المغلوطة عن الإسلام في الغرب، ورسم الصورة الصحيحة عن خاتم الأديان السماوية، وخاطب عقلاء الغرب ومثقفيه وحاورهم في عقر دارهم، واستضاف معظمهم للتحاور مع كبار علماء الأزهر داخل أروقة الأزهر، واستطاع بفضل تلك الجهود، وتحليه بالصبر والحكمة، أن يغير من الصورة النمطية المرسومة لديننا الإسلامي، ورسوله العظيم، وعلمائه، ومفكريه القدامى والمحدثين في الغرب.
وخلال السنوات الأخيرة قام الطيب بنشاط فكري وثقافي مكثف في الغرب، وطاف على العديد من المؤسسات الدينية والجامعات الغربية يشرح ويوضح ويتحاور بعقلية علمية متزنة مع العلماء والمفكرين الغربيين، الذين شهدوا له بالموضوعية والكفاءة العلمية والفكرية، وأداروا معه حوارات مثمرة أسهمت في إزالة مفاهيم خاطئة علقت بأذهان كثير من مثقفي الغرب عن الإسلام، ورسوله العظيم، وتوجهات المسلمين نحو غيرهم في عالم اليوم.
ارتكز الطيب في كل زياراته وتحركاته الداخلية والخارجية على أهداف رئيسية، تتمثل في نشر السلام العالمي، ومواجهة التطرف، ونصرة القضايا الإنسانية العادلة، وشهد العالم بأهمية دوره وتأثيره في الحد من التطرف، والإسهام في إرساء السلام، وهو ما أكدته العديد من الشخصيات والقيادات والمؤسسات السياسية والدينية العالمية.
وبفعل جهوده المتميزة، وما يحمله من قيم التسامح الديني والوعي بالمخاطر المحدقة بعالم اليوم، أدرك العديد من قادة المؤسسات السياسية والدينية في الغرب الدور المحوري للأزهر، في مواجهة الإرهاب، وترسيخ السلام العالمي؛ ولذلك شهدت المشيخة توافد العديد من الشخصيات والقيادات السياسية والدينية في العالم، بما يؤكد الدور المحوري والمهم للأزهر على مختلف المستويات.
وكانت لقاءات الطيب مع البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، المتكررة الأبرز والأهم في لقاءاته مع رجال الدين المسيحي، فهما يمثلان أكبر مؤسستين دينيتين في العالم. وخلال تلك اللقاءات كان العنوان الرئيسي هو التأكيد على العمل المشترك من أجل السلام الشامل بين جميع البشر.
وكان للطيب دور بارز في مواجهة أحداث إرهابية أليمة شهدتها مصر، وبعض دول العالم العربي، والغربي، وكانت مواقفه واضحة وحاسمة في إدانة تلك العمليات، ووصف منفذيها ب»الخوارج»، الذين يجب على مؤسسات الدولة محاربتهم، كما أكد ضرورة الاصطفاف الشعبي خلف مؤسسات الدول الرسمية، من أجل القضاء على تلك الجماعات الإرهابية. وفي مصر، حرص الطيب على زيارة المصابين في معظم هذه الأحداث، وشكلت زيارته إلى قرية «الروضة» بشمال سيناء، بعد تعرض مسجدها لهجوم إرهابي غادر أسفر عن استشهاد أكثر من ثلاثمئة من أبنائها، نقطة تحول فاصلة في مواجهة الأزهر للإرهاب، حيث تحدى كل المحاذير الأمنية وأصر على المرور على بيوت القرية لتعزية أهلها ومواساتهم بنفسه، واتخذ عدة قرارات مهمة لمصلحة القرية، من بينها صرف معاش شهري لذوي الشهداء، والتكفل برحلات حج مجانية لهم، وبناء مجمع أزهري متكامل لخدمة أبناء القرية.
ومع تصاعد موجات العنف ضد المسلمين في عدة مناطق في العالم، خاصة مسلمي «الروهينجا» في ميانمار، سعى الطيب إلى إنهاء هذه المأساة الإنسانية، من خلال الحوار، فعقد في الأزهر مؤتمراً للسلام بين أبناء ميانمار، واستمع إلى رؤية الجميع، بغية الوصول إلى تفاهم مشترك. وبعد استمرار السلطات في ميانمار في ارتكاب المجازر بحق المسلمين في البلد، خرج الطيب إلى العالم ببيان متلفز تناقلته وسائل الإعلام العالمية، دعا فيه المجتمع الدولي إلى التصدي بكل السبل لسلطات ميانمار التي ترتكب أبشع أشكال الإبادة الجماعية والتهجير القسري بحق المسلمين في بورما.
وقاد تحركات عالمية لإنهاء هذه المأساة، حيث تواصل مع الدول المعنية بهذه القضية، مثل إندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش، كما دعا المنظمات الإغاثية الإسلامية والعالمية إلى تبني قضية اللاجئين «الروهينجا»، الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية وسط تجاهل وصمت دولي كبير، وأطلق قافلة إغاثية كبيرة برعاية الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، إلى مخيمات اللاجئين «الروهينجا» في بنجلاديش. وكان من المقرر أن يقوم بزيارة مخيمات اللاجئين نهاية نوفمبر/‏‏ تشرين الثاني 2017، لكنه قرر تأجيل الزيارة قبل ساعات من موعدها، عقب الهجوم الإرهابي على مسجد قرية الروضة في سيناء.
ويمثل الملف الفلسطيني بصفة عامة، والقدس بصفة خاصة، حيزاً كبيراً من اهتمام الطيب، فلم يتوقف عن التنديد وإدانة الانتهاكات الصهيونية بحق الفلسطينيين، ورفض قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده إلى القدس، محذراً من التداعيات الخطيرة المترتبة عليه، ومشدّداً على أن القدس المحتلة، وهويتها الفلسطينية والعربية، يجب أن تكون قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، رافضاً طلباً رسمياً من نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، للقائه قائلاً: «كيف لي أن أجلس مع من يزيفون التاريخ، ومن منحوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون؟ ويجب على الرئيس الأمريكي التراجع فوراً عن هذا القرار الباطل شرعاً وقانونا».

تطوير التعليم

على الصعيد المصري، نجح د. أحمد الطيب في تحقيق نقلة نوعية في التعليم الأزهري، لتيسير العلوم من دون تحريفها، والتخفيف عن الطلاب من دون تسطيح عقولهم.
وفى عهده طورت نظم المكتبات والكتب الدراسية، بهدف توعية الطلاب بمخاطر التطرف والإرهاب وتحصينهم من الوقوع في براثن الجماعات التي تنتهج العنف، وإرساء مبادئ المواطنة والتسامح والعيش المشترك، وقبول الآخر.
وشهدت جامعة الأزهر بفضل رؤية الطيب وتوجيهاته، انطلاقة علمية وتعليمية متميزة، ونجحت في تسجيل إنجازات عدة، سواء في ما يتعلق بتطوير العملية التعليمية، وإضافة المزيد من البرامج والشراكات العلمية المتقدمة، أو على صعيد حصد العديد من الجوائز والتكريمات، داخل وخارج مصر.
وحرص الطيب منذ توليه مشيخة الأزهر، على استعادة بريق الجامع الأزهر وأروقته العتيقة، فعمل على تطوير المبنى والرسالة، من خلال الكثير من الفعاليات والندوات، بهدف تقوية التواصل العلمي والفكري والثقافي والدعوي والاجتماعي مع كل فئات المجتمع، وترسيخ المرجعية العالمية لمنهجه الوسطي محليّاً وعالميّاً، ولتجديد الخطاب الديني وفق المنهج الأزهري المستنير في كل ربوع الوطن.
كما شهد مجمع البحوث الإسلامية تحت رئاسة الطيب نشاطاً مكثفاً، باعتباره الهيئة العليا للبحوث الإسلامية، وقام المجمع بدور محوري في تجديد الثقافة الإسلامية وتنقيتها من الشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي، وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفي كل بيئة.

إنصاف

تبنى الطيب رفع الظلم الذي تعانيه المرأة في عالمنا العربي، استناداً لمفاهيم دينية خاطئة، فحرص على إبراز كل ما يظهر تكريم الإسلام للمرأة وإنصافها، إيماناً منه ومن مؤسسة الأزهر بدورها الفاعل في المجتمع، وأنها نصف المجتمع، حقيقة لا عدداً. وخصص الأزهر عاماً كاملاً بغرض النهوض بدور المرأة في جميع المجالات الحياتية والدينية، مع التأكيد والتذكير الدائم بأن تعاليم الإسلام جعلت لها ذمة مالية مستقلة عن الرجل، وسبقت جميع الحضارات في منحها حقوقها كاملة، بعد أن كانت تهمش وتمتهن.
وخاطب الأزهر الجميع بضرورة تعظيم دور المرأة في المجتمعات العربية، واستغلال طاقاتها المهدرة، واحترام حقوقها التي كفلها الإسلام لها.

التضامن الإسلامي

لم يركز الطيب على تحسين علاقات الأزهر بالغرب ومؤسساته الدينية والعلمية والسياسية فحسب؛ بل سبق ذلك كله حرصه على تحسينها مع الدول العربية والإسلامية، فزار دولاً عربياً كثيرة، وقوبل فيها جميعاً وفي مقدمتها الإمارات باستقبال يليق بمكانته وعلمه وفكره وجهوده في نشر التسامح الديني، والذود عن الإسلام في كل مكان يحل به.
وفي إطار حرصه على ترسيخ علاقات الأزهر بالدول الإفريقية، باعتبارها تمثل العمق الاستراتيجي لمصر، وأحد معاقل الإسلام الكبرى في العالم، حرص شيخ الأزهر على تقديم الدعمين العلمي والدعوي لدول القارة، ومساعدتها على مواجهة الإرهاب، كما استقبل العديد من الوفود الإفريقية الرسمية. وكذلك الأمر بالنسبة للقارة الآسيوية، حيث زارت وفود عدة دول، مشيخة الأزهر، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك في المجالات الدعوية والتعليمية.

دور جديد

رغم أن الأزهر الشريف مؤسسة تعليمية بحثية دعوية، إلا أن الطيب استحدث له رسالة إنسانية اجتماعية جديدة، إذ شكل لجنة مصالحة أزهرية تنتشر في كل محافظات مصر، وخاصة محافظات الصعيد حيث آفة الثأر التي تزهق بسبب انتشار ثقافتها المئات من الأرواح البريئة سنوياً، وتولى بنفسه إدارة مصالحات بين عائلات في عدد من المحافظات واستطاع أن يجمع الفرقاء والمتصارعين على مائدة حوار واحدة، وأن يهدئ النفوس، واستعان في ذلك بجهود عائلته وأقاربه ومعارفه من كبار عواقل الصعيد إلى جانب جهود كبار علماء الأزهر وحقن الدماء البريئة، وأعاد الحقوق لأصحابها ونشر ثقافة التسامح بين العديد من الأسر، التي أدمنت الثأر لسنوات طويلة.

مجلس حكماء المسلمين

بفضل جهود وحكمة د. أحمد الطيب فرض مجلس حكماء المسلمين نفسه على الساحة الدولية، وجسد تعاوناً حقيقياً بين دولة الإمارات والأزهر الشريف، إذ عكس دوراً واضحاً في تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة. وتنوعت أنشطة المجلس ما بين عقد المؤتمرات والندوات وقوافل السلام، التي تجوب مختلف أرجاء المعمورة، أو البيانات التي يسجل من خلالها المجلس مواقفه تجاه الأحداث والتطورات الجارية. كما أطلق المجلس حواراً مثمراً بين شباب من العالم الإسلامي والغرب.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً