فرنسيس الأول.. داعية المحبة والسلام

فرنسيس الأول.. داعية المحبة والسلام

«اجعلني يارب أداة لسلامك، فأضع الحب حيث البغض، والمغفرة حيث الإساءة، والاتفاق حيث الخلاف، والحقيقةَ حيث الضلال، والإيمان حيث الشك، والرجاء حيث اليأس، والنور حيث الظلام، والفرح حيث الكآبة».هذا جزء من صلاة القديس فرنسيس الأسيزي الذي اختار بابا الفاتيكان حمل اسمه، وهو الاختيار الذي كشف مبكراً عن الخلفية التي جاء منها، وطريقته المتوقعة لإدارة الكنيسة، إذ …

emaratyah

«اجعلني يارب أداة لسلامك، فأضع الحب حيث البغض، والمغفرة حيث الإساءة، والاتفاق حيث الخلاف، والحقيقةَ حيث الضلال، والإيمان حيث الشك، والرجاء حيث اليأس، والنور حيث الظلام، والفرح حيث الكآبة».
هذا جزء من صلاة القديس فرنسيس الأسيزي الذي اختار بابا الفاتيكان حمل اسمه، وهو الاختيار الذي كشف مبكراً عن الخلفية التي جاء منها، وطريقته المتوقعة لإدارة الكنيسة، إذ يعرف القديس فرنسيس، الذي بزغ اسمه في القرن الثالث عشر بأنه كان من أتباع التيار الإصلاحي، واشتهر عنه رفضه لحياة الترف، مفضّلاً الزهد والتقشف. وكان من أكثر المهتمين بمساعدة الفقراء، ومن أوائل من نادوا بإعادة بناء الكنيسة.
وخلال لقائه مع الإعلاميين بعد انتخابه، قال البابا، إن الاسم الذي اختاره يشير إلى القديس فرنسيس بوصفه رجلاً يدافع عن السلام في عالم تتقاذفه الحروب، وعن دفاعه ومحبته للطبيعة في عالم يتجه نحو التلوث.
في مارس/آذار 2013، اعتبرت الصحف العالمية انتخاب البابا فرنسيس «ثورة في تاريخ الكنيسة»، وتصدرت صورته أغلفة الصحف الكبرى حول العالم التي وإن اختلفت عناوينها، فقد اتفقت على وصفه ب«الرجل الذي يحمل رسالة المحبة حول العالم». وتجلى الاهتمام الكبير في مشاركة 2800 شبكة تليفزيونية و6000 مراسل صحفي في تغطية المجمع المغلق دون إطلالة البابا الأولى، واحتل الحدث المركز الثاني بأكثر التغريدات على تاريخ «تويتر» بمعدل 137.000 تغريدة في الدقيقة.
وبعد انتخابه اختارته مجلة «تايم» الأمريكية رجل العام 2013، وأشارت إلى أنه منذ تنصيبه على الكرسي البابوي، انتهج طريق المصالحة والتسامح بين الأديان، مؤكداً أهمية احترام ومحبة المهاجرين إلى الدول الأوروبية، والتوفيق بين الدين والحداثة، والحوار مع الأديان الأخرى.
كان إصلاح الكنيسة عنوان أولى الرسائل التعليمية للبابا التي صدرت في 180 صفحة تحت عنوان «فرحة الإنجيل»، وفيها قدّم مشروعاً لإحداث تحوّل في الكنيسة الكاثوليكية يتمنى فيه أن تصبح «كنيسة فقيرة للفقراء»، وفيها حاول تحقيق التوازن بين التقاليد والإصلاح قائلاً: «الكنيسة التي تمارس النقد الذاتي يجب أن تكون منفتحة للتطورات المعاصرة، دون الخروج عن المبادئ الأساسية».
وصاغ البابا قناعته بالنسبة للواجب المسيحي الأول وهو التوجّه إلى المحتاجين في محاولة للقضاء على أسباب الفقر قائلاً: «إن السبب الرئيسي لكل الشرور الاجتماعية والعنف هو التوزيع غير العادل للثروة في العالم. إن النظام الاقتصادي الحالي غير عادل».
ويهدف البابا منذ انتخابه إلى تخليص الكنيسة الكاثوليكية من المركزية الشديدة، إضافة إلى تعزيز المجالس الأسقفية الوطنية والإقليمية، كما لم يستبعد إصلاح البابوية ذاتها عبر مساهمة أشخاص غير رجال الدين، والنساء بشكل أفضل في إدارة شؤون الكنيسة.
امتلك البابا فرنسيس الشجاعة لانتقاد الفضائح التي ألحقت العار بالكنيسة الكاثوليكية بسبب قضايا التحرش بالأطفال المتهم فيها عدد من الكهنة والأساقفة في عشرات الكنائس حول العالم، ولم يكتف البابا بالإدانة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالتعاون مع لجنة التحقيقات الدولية التي شكلتها الأمم المتحدة لحقوق الطفل في جنيف، وأمر بتشكيل لجنة لحماية القاصرين في الكنيسة، مؤكداً أن فضائح التحرش بالأطفال شكلت«عاراً»، وجعلت من الكنيسة موضوع «سخرية» وأن المدانين بها «أشخاص لاعلاقة لهم بالرب».
وفي إبريل/ نيسان 2016، اختار البابا، جزيرة ليسبوس اليونانية لتكون وجهته الأولى بعد تنصيبه لإعلان تضامنه مع أزمة اللاجئين خاصة السوريين الذين تتقاذفهم المراكب المتهالكة، والأمواج العاتية، وتلقي بهم على الشواطئ الأوروبية. وأكد حينها أن «أزمة اللاجئين» تعد أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. وزار البابا مركز «موريا» لتسجيل اللاجئين، والتقى هناك أطفالًا مهاجرين غير مصحوبين بذويهم، قبل أن يقف دقيقة صمت حداداً على أرواح من هلكوا أثناء عبور البحر المتوسط بحثاً عن حياة أفضل.
وفي العام 2016، أعلن البابا عن زيارته للكنيسة السويدية التي كانت تحتفل بذكرى إطلاق مارتن لوثر لحركة الإصلاح التي تسببت في اندلاع حروب دينية وطائفية أشعلت أوروبا لعدة قرون، ليضع بذلك نهاية لقطيعة دامت 500 عام بين اللوثرين والكاثوليك.

البساطة

منذ كان رئيساً للأساقفة بالأرجنتين، اشتهر البابا فرنسيس بالبساطة والبعد عن التكلف. وخلال الأيام الأولى من حبريته أجرى تعديلات عديدة على التقاليد البابوية، فاحتفظ بالصليب الحديدي الذي كان يرتديه كرئيس للأساقفة، ولم يرتد الصليب الذهبي كما فعل سابقوه. كما أطل بالرداء الشهير الذي يطلق عليه «غفارة أو بطرشيل» عادية بيضاء اللون، بدلاً من الحمراء التي يفرضها التقليد. وخلال استقباله الكرادلة في اليوم الأول بعد انتخابه 2013، كان واقفاً، كما توجه لمصافحة بعضهم، مغادراً مصطبة وقوفه التي يطلق عليها «العرش البابوي»، كما خرق مجموعة أخرى من قواعد البروتوكول المتعلقة باستقبال الكرادلة والسفراء، ورفض الإقامة في القصر الرسولي المقابل لساحة القديس بطرس، وفضّل بيت القديسة مرثا، وهو نزل صغير لاستقبال ضيوف الفاتيكان، ليكون بذلك أول بابا منذ «بيوس العاشر» لا يتخذ من القصر الرسولي مقراً دائماً لسكناه.

تعزيز الحوار مع الإسلام

بعد انتخاب البابا، رحب رجال الدين المسلمون في الأرجنتين بخبر انتخابه، وقالوا في بيان: إنه «أظهر نفسه دائماً كصديق للمجتمع الإسلامي»، وأنه شخص يقف موقف «الداعم للحوار». زار البابا خلال رئاسته أساقفة بيونس آيرس مسجداً ومدرسة إسلامية في المدينة، ودعا إلى تعزيز العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والإسلام.
الأمين العام للمركز الإسلامي في الأرجنتين، قال إنه خلال عقد من الزمان ساهم البابا مساهمة فعالة في الحوار بين المسيحيين والمسلمين، وأنه «ترك تأثيراً كبيراً في تاريخ العلاقات بين الأديان الموحدة».
وبعد انتخابه أرسل شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب برقية تهنئة للبابا فرنسيس الأول، واصفاً اختياره ب «انفتاح على المستقبل»، وكان الأزهر قطع علاقته من الفاتيكان لعدة سنوات خلال عهد البابا بنديكت السادس عشر بسبب تصريحاته المثيرة للجدل والتي ربطت بين الإسلام والتطرف.

الطريق الوحيد

لخصت رسالة البابا فرنسيس الأخيرة احتفالاً باليوم العالمي للسلام 2019، الذي يحتفي به العالم مطلع يناير/كانون الثاني سنوياً، فلسفته نحو نبذ العنف، واحترام وقبول الآخر. وقال فيها «بعد مرور مئة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، وفيما نتذكر الشباب الذين سقطوا خلال تلك المعارك والمدنيين الذين عانوا، نعرف أكثر من الأمس، الدرس الرهيب الذي تعلمنا إياه الحروب بين الإخوة، إن السلام لا يمكنه أن يقتصر أبداً على توازن القوى والخوف وحسب. إن إبقاء الآخر تحت التهديد يعني تحويله إلى مجرد سلعة وحرمانه من كرامته. ولهذا السبب نؤكد من جديد أن التصعيد في الترهيب، فضلًا عن انتشار الأسلحة الخارج عن السيطرة، يتعارضان مع الأخلاق ومع البحث عن وفاق حقيقي، فالترهيب الذي يمارس على الأشخاص الأكثر ضعفاً، يساهم في نفي شعوب بأكملها في بحث عن أرض سلام. وبالتالي لا يمكن قبول الخطابات السياسية التي تميل إلى اتهام المهاجرين بجميع الشرور وتحرم الفقراء من الرجاء. كما ينبغي التأكيد أن السلام يقوم على احترام كل شخص، مهما كان تاريخه، واحترام القانون والخير العام، والخليقة التي أوكلت إلينا، والغنى الأخلاقي الذي نقلته إلينا الأجيال السابقة. بالإضافة إلى ذلك، يتوجه فكرنا بشكل خاص إلى الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع الحالية، وإلى جميع الذين يلتزمون في حماية حياتهم وحقوقهم. هناك طفل من بين ستة أطفال في العالم يعاني من عنف الحرب أو عواقبها، وهذا إن لم يتم تجنيده ليصبح جنديًّا بدوره أو لم يصبح رهينة للجماعات المسلحة. إن شهادة الذين يعملون للدفاع عن كرامة واحترام الأطفال هي ثمينة للغاية من أجل مستقبل البشرية».
وأضاف: «إن السلام، في الواقع، ثمرة مشروع سياسي كبير، يقوم على المسؤولية المتبادلة والترابط بين البشر، إنه ارتداد القلب والروح، ومن السهل التعرف على ثلاثة أبعاد لا يمكن الفصل بينها لهذا السلام الداخلي والجماعي: السلام مع الذات، من خلال رفض التشدد والغضب ونفاد الصبر. والسلام مع الآخر القريب والصديق، والغريب والفقير، فنتجاسر على اللقاء ونصغي إلى الرسالة التي يحملها معه. السلام مع الخليقة، من خلال إعادة اكتشاف عظمة هبة الله ومسؤولية كل منا».

سفير «العالم الجديد»

منتصف الشهر الماضي، تلقى البابا فرنسيس، ملايين الرسائل المهنئة بعيد ميلاده الثاني والثمانين، والذي صادف الاحتفال السادس منذ انتخابه العام 2013، ليصبح أول بابا منتخب من العالم الجديد (القارة الأمريكية)، كما أنه أول بابا من الرهبنة اليسوعية. وخورجيه برغوليو الاسم الأصلي للبابا الذي ولد في بوينس آيرس لعائلة مهاجرة من إقليم بيمونتيه الإيطالي. وتذكر عائلته محبته للغناء، وتنميته هذه الموهبة من خلال الاستماع إلى برامج الموسيقى الكلاسيكية على جهاز الراديو مع والدته وأشقائه الأربعة.
وعمل والده في السكك الحديدية، وعمل برغوليو في مهن عدة في طفولته وشبابه حتى حصوله على دبلوم كفني كيميائي، ثم قرر في الحادية والعشرين الالتحاق بالرهبنة اليسوعية. وفي العام 1969 رسم كاهناً، واختير رئيساً إقليمياً للرهبان اليسوعيين في الأرجنتين 1973. وفي 1992 نال السيامة الأسقفية، وفي 1996 عين رئيس أساقفة على بوينس آيريس، وأصبح كبير أساقفة الأرجنتين. في2001 عينه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني كاردينالا في الكنيسة الكاثوليكية، ومهد ذلك الطريق أمام انتخابه أول بابا في العام 2013 يأتي من القارة الأمريكية ومن الرهبنة اليسوعية. بعد استقالة البابا بنديكت السادس عشر، توجه برغوليو إلى روما للمشاركة في «الكونكلاف»أو «المجمع المغلق»؛ حيث انتخب في 13مارس/آذار من العام نفسه بابا للكنيسة الكاثوليكية.

توثيق الرحلات

قدم المخرج الألماني الشهير ويم ويندرز وثائقياً بعنوانPope Francis: A Man of His Word، أو فرنسيس رجل يحترم كلمته يستعرض مجموعة من المقابلات والمواقف المميزة التي تخللت رحلات البابا حول العالم. وفي الفيلم يظهر البابا فرنسيس المعروف بمواقفه الداعمة للسلام متحدثاً باللغة الإسبانية وعدد من اللغات، فهو يجيد 8 لغات حية ويغرد بها على حسابه على تويتر.
يكشف الفيلم الذي حصل على موافقة مسبقة من الفاتيكان على إنتاجه، قناعات البابا وإيمانه ورغبته المتواضعة في الحديث والتواصل مع كل الناس. ويظهر البابا في الإعلان الترويجي وهو يلقي خطاباً يحض على السلام بداية من السلام الأسري والسلام الدولي خاصة في الأراضي الفلسطينية.

روح رياضية

لايجد البابا حرجاً في إبداء عشقه للرياضة، إذ استقبل العام الماضي في الفاتيكان أعضاء فريقه المفضل سان لورينزو San Lorenzo بطل الدوري الأرجنتيني لكرة القدم، وتلقى منهم قميصه كهدية تذكارية، كما استقبل قبلها أعضاء المنتخبين الأرجنتيني والإيطالي على هامش مباراة ودية جمعتهما في روما، وطلب من اللاعبين أن يصلوا من أجله، وذكرهم بأنهم قدوة ومثل أعلى، كما تلقى منهم هدايا تذكارية من كرات وقمصان موقعة، وشتلة زيتون مقدمة من النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي في لقاء وصفته وسائل الإعلام بأنه بين الأرجنتينيين الأشهر في العالم.

مغرد بين الشباب

«البابا المغرد» كما يحلو لبعضهم تسميته، يتابع صفحته الرسمية باللغة الإنجليزية على «تويتر» نحو 17.8 مليون متابع.
قبل فترة ثارت ضجة كبيرة بعد التقاطه صورة «سيلفي» مع مجموعة من الطلاب في أبرشية إيطالية، وانتشرت الصورة في وسائل التواصل بسرعة خيالية وأعيد تغريدها ملايين المرات. ويولي البابا اهتماماً خاصاً بوسائل التواصل لإدراكه تأثيرها المتزايد في حياة الملايين من البشر. وفي كلمته بمناسبة اليوم العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي 2019، قال البابا«الشبكة العنكبوتية اليوم هي مورد لزمننا. إنها مصدر معرفة وعلاقات كانت متعذرة فيما مضى. إن كانت الإنترنت تمثل إمكانية مميزة للحصول على المعرفة، فهي أيضاً أحد الأماكن الأكثر عرضة للتضليل والتشويه المتعمد للوقائع والعلاقات الشخصية التي غالباً ما تأخذ شكلاً من أشكال النيل من المصداقية. علينا أن نعترف أن شبكات التواصل الاجتماعي، تساعدنا من جهة لتربطنا ببعضنا بشكل أكبر، لكنها تقدم من جهة أخرى استعمالاً تلاعبياً للمعلومات الشخصية يهدف للحصول على مكاسب على الصعيد السياسي أو الاقتصادي بدون الاحترام الواجب للإنسان ولحقوقه».

أزهروا وأثمروا

يولي البابا فرنسيس اهتماماً خاصاً بالشباب، ويأتي على ذكرهم في كل خطبه وعظاته، ودائماً يدعوهم إلى التمسك بجذورهم، والاعتناء بثقافاتهم. وفي كلمته بمناسبة انعقاد اليوم العالمي للشباب من السكان الأصليين قال «اعتنوا بجذوركم، وأزهروا، وأثمروا، وكما قال أحد الشعراء إن كل ما تحمله الشجرة من أزهار يأتيها مما هو مدفون تحت التراب. إنها بالفعل جذور، ولكنها توجه نحو المستقبل، وهذا هو تحدي اليوم».
وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للشباب 2018، خاطبهم البابا قائلاً «ما هي مخاوفكم؟ ما الأمر الذي يشغل أعماقكم أكثر؟ إحدى المخاوف الموجودة في الخلفية، عند الكثيرين منكم، هي الخوف من ألا تكونوا محبوبين، ومرغوبين، الخوف من ألا تكونوا مقبولين لما أنتم عليه. كثيرون هم اليوم الشباب الذين يشعرون أن عليهم أن يكونوا مختلفين عما هم في الواقع، محاولةً منهم للتماشي مع معايير غالباً ما تكون مصطَنعة ولا يمكن بلوغها. ينقحون باستمرار صورهم الشخصية، مُختبئين وراء أقنعةٍ وهويات مزيفة، حتى يكادوا أن يكونوا هم أنفسهم زائفين. ولدى الكثيرين الهوس في الحصول على أكبر عدد من الإعجاب. وينبع من هذا الاحساس بالنقص، والكثير من المخاوف وعدم اليقين».

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً