تقنيات العصر.. سبب آخر للطلاق

تقنيات العصر.. سبب آخر للطلاق

سجلت محاكم الدولة ارتفاعاً كبيراً في حالات الطلاق لأتفه الأسباب، وهي ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع، وعلى الرغم من الجانب المأساوي لتلك الظاهرة التي تستحق الوقوف عندها، إلا أن بعض أسباب الطلاق التي تتضمن عرائض الدعوى تحمل غرابة يصعب تصديقها؛ لأنها تتجاوز السخافة بأشواط، فحين يكون بسبب الدعاوى في المحاكم رفض زوج شراء بطاقة شحن لهاتف زوجته…

emaratyah

سجلت محاكم الدولة ارتفاعاً كبيراً في حالات الطلاق لأتفه الأسباب، وهي ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع، وعلى الرغم من الجانب المأساوي لتلك الظاهرة التي تستحق الوقوف عندها، إلا أن بعض أسباب الطلاق التي تتضمن عرائض الدعوى تحمل غرابة يصعب تصديقها؛ لأنها تتجاوز السخافة بأشواط، فحين يكون بسبب الدعاوى في المحاكم رفض زوج شراء بطاقة شحن لهاتف زوجته بمبلغ 50 درهماً، ورائحة المدواخ، فهذا دليل على أن هنالك مشاكل وأمراضاً مجتمعية تصيب الجيل الحالي ويجب تحصينه منها، أو أن تضع إحدى الزوجات شارة إعجاب «لايك» على منشور لاحد «الأصدقاء» الافتراضيين على صفحتها، فيتسبب في طلاقها.
من الطبيعي أن تكون هناك علاقة بين ارتفاع نسبة الطلاق وبين التغييرات الاجتماعية التي تتسارع في المجتمع، غير أن ما يسترعي الانتباه أن المحاكم أصبحت تعج بقضايا الطلاق التي سببها مواقع التواصل الاجتماعي بعد فترة وجيزة من الزواج، وكأن ما كان ميثاقاً غليظاً أصبح مجرد ارتباط تافه يمكن أن ينفك في أية لحظة بعد فترة وجيزة من الزواج.
واحدة من تلك القضايا التي تكشف الظاهرة قضية الشابة العشرينية في محكمة العين حيث إنها رفعت دعوى طلاق للضرر إزاء مشاكل وتراكمات كثيرة بينها وبين زوجها كان آخرها بسبب رفض زوجها شراء بطاقة شحن لهاتفها بمبلغ 50 درهماً، وعندما سألها القاضي عن السبب الرئيسي في طلبها للطلاق، وفي إصرارها على الانفصال عن زوجها، قالت: «إنه لا ينفق عليها بالشكل الذي ترجوه، إضافة إلى رفضه في آخر موقف شحن هاتفها النقال لتتصل بصديقاتها».
مؤكدة أنها تحمّلت ظروف زوجها المادية لمدة عام كامل، وليست لديها الاستطاعة الكافية لتتحمل ظروفه المادية القاسية في نظرها، وراتبه الذي لا يكاد يوفي حجم صرفها الشهري على نفسها، وتوفير احتياجاتها الشخصية لاسيما وأنها غير موظفة وتمتلك شهادة الثانوية العامة فقط.
من جهته دافع الزوج عن نفسه بأنه غير بخيل، ولكنه يصرف على زوجته بقدر استطاعته، موضحاً أن رفضه أخيراً شحن هاتفها النقال هو السبب الرئيسي الذي دفعها لطلب الطلاق،وفي قضية أخرى في ذات المحكمة طلبت امرأة الطلاق من زوجها، والسبب رائحة المدواخ، إلا أن المحكمة أحالت قضيتهما إلى لجنة الإصلاح الأسري إزاء إلحاح الزوجة على الطلاق.
وبحسب سجلات المحاكم، فإن احد الازواج اقدم على طلاق زوجته بعد أشهر من زواجهما بعد ان اكتشف انها ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان قد نبهها إلى ضرورة التخفيف من حركات دخولها ومشاركتها على هذه المواقع، فاستجابت له في بداية الزواج، إلا انه عاد واكتشف تواجدها مجدداً ومشاركتها مع بعض أصدقائها الافتراضيين مواضيع نقاشات لم ترق له حسب كلامه أمام المحاكم، وقال إنه لفت نظرها إلى وجوب احترام خصوصية الأسرة وعاداتها، والقيم التي تربوا عليها، وهي تقول إنها لم تخرج عن حدود الأدب المتعارف عليه، وإن كل مشاركاتها في حدود أصدقائها على الصفحة.
ويقول الزوج إنه نبهها مرارا وتكرارا، الا انه فوجئ في احد الأيام بأنها تضع شارة إعجاب «لايك» على منشور لاحد الأشخاص أبدى تحسسه منه، وأبلغها بذلك شخصياً إلا أنها لم تستجب لرغبته، وهي بحسب كلامها أن شارة «لايك» لا تعني شيئاً، هي فقط اعجاب بما نشر، فتفاقم الخلاف واستفحل، وزاد إلى أن تطلقا بعد أن فشلت واسطات الاصلاح.

يؤدي الأعمال المنزلية

ومن بين أغرب أسباب الخلاف بين الزوجين التي شهدتها محكمة الأسرة طلب عروس عربية الطلاق من زوجها بعد أسبوعين فقط من الزواج، وذلك بعد أن ضاقت ذرعاً من مكوثه في المنزل بشكل دائم، وأدائه العديد من الأعمال المنزلية.
ويدير الزوج متجراً ناجحاً لبيع الملابس، يعمل فيه العديد من الموظفين، وبالتالي فهو قادر على قضاء وقت طويل في المنزل، يمضيه في التنظيف وإعادة ترتيب الأثاث، وهذا ما جعل زوجته غير قادرة على العيش معه بهذه الطريقة.
وتقول الزوجة إن زوجها يتصرف كربة منزل، فعلاوة على القيام بجميع الأعمال المنزلية، لا يسمح لها بتقديم المساعدة، وقضت محكمة الأحوال الشخصية في دائرة محاكم رأس الخيمة بطلاق مواطنة من زوجها، على الرغم من مرور أسبوع واحد على زواجهما، وأيدت محكمة استئناف الأحوال الشخصية الحكم.
وكانت المواطنة قد أقامت دعوى ضدّ زوجها المواطن، تطالب فيها بالطلاق منه، بسبب خلافات زوجية وقعت بينهما خلال فترة زواجهما التي استمرت أسبوعا واحدا. وأقامت الزوجة الدعوى القضائية ل«تضررها من زوجها نفسياً واجتماعيا»، وشرحت الزوجة، التي خرجت من منزل زوجها وأقامت في منزل أسرتها، أن زوجها يشتمها بألفاظ بذيئة، ما سبب لها أضراراً نفسية ومشكلات اجتماعية
وفي ابوظبي قرر رجل هجر زوجته، وغاب عنها متعمداً إلى مكانٍ مجهول لكنه قرر أن يكون التواصل بينهما عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أدى فعلياً إلى تضرر الزوجة من غيابه عنها وعن طفليهما، فقررت اللجوء إلى محكمة أبوظبي الاتحادية لرفع دعوى طلاق.

النضوج المعرفي

يقول الدكتور سالم زايد الطنيجي الخبير التربوي والاجتماعي، نظراً للعصر الذي نمر فيه،وهو عصر السرعة وتقلب موازين الحياة، والتقدم الحضاري والتكنولوجي، وسرعة نقل المعلومات وانتقال الإنسان من مكان الى آخر، ورغبته الاجراءات السريعة أدى ذلك كله الى أن الشاب يتزوج بسرعة ويطلق بسرعة لأتفه الأسباب.
وكذلك عدم النضوج المعرفي من ناحية المهارات الأسرية والابتعاد عن الاحتكاك بالعادات والتقاليد المحافظة على القيم، ومنها احترام المرأة ومعرفة مكانتها ومنزلتها، ولعل هذا يعود الى أن الشاب يتزوج غالباً بمال غيره إما من الوالدين أو من منح زوجية، فما جاء بسهولة يذهب بسهولة، بالإضافة الى قلة التوعية الداخلية «الأسرة»والخارجية «المدرسة والمجتمع»، وانعدام تصور عواقب الطلاق.
ويلخص علاج هذه الظاهرة بالنقاط الآتية: دراسة شاملة وثقافة واعية في قضية الزواج من النظرة الإيجابية والنظرة الأخرى بما فيها من مسؤوليات وعقبات، وإرجاع الأمور الى الكتاب والسنة وأصحاب التخصص والعلماء، وضرورة الاستشارات الأسرية في حالة الخلافات والنزاعات، واستشارة متخصص بدلاً من التسرع في اتخاذ القرار، وضرورة دخول دورات تدريبية لاكتساب مهارات جديدة نافعة

أسر متماسكة

وأشارت الدكتورة نجوى الحوسني الأستاذ المساعد في جامعة الإمارات، إلى أن الفتيات في عصرنا هذا، ينظرن للزواج على أنه حفل أسطوري وفستان زفاف فاخر، وقضاء شهر عسل في أوروبا، معتبرات أنه مناسبة للتباهي، ومظهر للبذخ والإنفاق، بهدف بلوغ حظوة اجتماعية استثنائية، فلا تدخر الأسر باختلاف مستوياتها الاجتماعية الغالي والنفيس لإنجاح ليلة العمر، بل يلجأ عدد كبير منها إلى الاقتراض، لضمان إخراج عرس أسطوري، متغافلات عن الهدف الرئيس من الزواج الذي شرعه الله من أجله، وذلك بسبب الانفتاح الإعلامي وقنوات التواصل الاجتماعي، التي تنقل لهن باستمرار حفلات الأعراس الفاخرة، وكأنه سباق.
وحضت الآباء والأمهات على توعية أبنائهن وبناتهن بقدسية الزواج، مشيرة إلى أنه في السابق كان الأب والأم يقولان لابنتهما لحظة زفافها «لا تأتينا إلا بكفنك»، في إشارة إلى عدم التفكر في الانفصال عن زوجها مهما حدث، أما الآن، فإذا جاءت الزوجة غاضبة لبيت والديها، يحرضاها على زوجها، ما دفع الجيل الحالي لاستسهال مسألة الطلاق.
وأشارت إلى أن هناك العديد من المؤسسات القائمة بدورها في توعية الشباب والفتيات بأهمية رباط الزوجية وقدسيته، من أجل تكوين أسر متماسكة، مثل هيئة تنمية المجتمع، ووزارة تنمية المجتمع، والجمعيات النسائية وغيرها، الذين يقدمون الكثير من البرامج التوعوية والإرشادية للطرفين، إلا أنها تشهد حضوراً خجولاً، ومطلوب تجاوب طرفي العلاقة الزوجية مع مثل هذه البرامج.

الانترنت وتغول التكنولوجيا

في حين ينظر الخبير الاجتماعي الدكتور خالد المري، الى المسألة من منطقة ابعد حيث ويقول: هناك إغفال من قبل الأسرة لخطورة الأنترنت وتغول التكنولوجيا على الجيل الحالي، ما ينعكس سلبا على جميع افراد الاسرة وفي مقدمتهم الزوجان. ولقد اصبح لدينا آباء وامهات «الكترونيون»، وهم بعيدو الصلة عن الآباء البيولوجيين،وذلك أمر يربي جيلا غير محصن ضد الانفلات الأخلاقي الذي تأتي به رياح التقنية، ونحن الآن أمام جيل يعيش على هامش التاريخ بفعل التكنولوجيا، وذلك سيفرض عليه مشاكل اجتماعية وخيمة وعلى رأسها الطلاق لأتفه الأسباب، فهناك نساء صغيرات في السن لا يدركن حقيقة الزواج ولا حجم الاعباء الملقاة عليهن أمام اولادهن وأنفسهن ومجتمعهن..
لذلك في حالات كثيرة تكون قراراتهن بطلب الطلاق مدمرة لهن ولأسرهن دون وجود أسباب جوهرية وناتجة من عالم افتراضي.
أن الزواج علاقة ثنائية يؤسسها طرفان هما الزوج والزوجة، وبالتالي على كل من الطرفين أن يراعي مشاعر الطرف الآخر ويبذل قصارى جهده لكي يكون الزواج ناجحا وسعيدا، لافتة الى أنه ليس بالضرورة أن كل زواج ناجح يكون زواجا سعيدا.

عرائض الدعوى

وأكد المحامي عبدالله الكعبي، أن بعض الزوجات اللاتي يتقدمن إلى المحكمة لطلب الطلاق، لسن دائماً على حق، ولكنهن يطلبنه رغبة في الابتعاد عن أزواجهن، وإنهاء هذه العلاقة العظيمة معهم، والشاهد على ذلك، أن الكثير منهن يفشلن في إقناع القاضي بالضرر الواقع عليهن من الأزواج،لأن أغلب عرائض الدعوى أسبابها تافهة وغير موضوعية.
وأضاف: للطلاق أسباب كثيرة، تختلف نِسَبها من المجموع العام للحالات المتعلقة به، إلا أن الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي من قبل شريحة من الأزواج الشباب، بات في مقدم الأسباب المؤدية إلى الطلاق، وفق ما نلاحظه من خلال القضايا التي نراها في اغلب محاكم الدولة.
وأشار إلى خطورة عرض الزوجة مشكلتها مع زوجها على مواقع التواصل الاجتماعي بأسلوب رخيص، يخلو من الحياء والخصوصية والستر، ويتنافى مع تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا المحافظة، لكي يرشدها المتابعون والقراء للحل.
عندما تتصرف بعض الزوجات بهذه الطريقة للوصول إلى حل مع شريك حياتها، أو زيادة عدد متابعيها، فإنها لا بد أن تتلقى تعليقات وعبارات تتضمن إهانة للزوج، الذي يصر على طلاقها عندما يقرأ تلك التعليقات، لأنه بالتأكيد لا يسمح بنشر تفاصيل العلاقة الزوجية للعامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

مشكلة نفسية

وتقول الدكتورة خولة أحمد المير استشارية الطب النفسي، إن ظاهرة الطلاق لأتفه الأسباب والتي تحدث خلال السنة الأولى من الزواج هي مشكلة نفسية اجتماعية ويرجع سببها في الأغلب إلى غياب التكافؤ بين الطرفين، وسوء اختيار أحد الطرفين للآخر، وأن أحد الطرفين يتظاهر بشخصية بعيدة كل البعد عن شخصيته الحقيقية وهي سلوك نفسي سلبي ينتهجه كثير من المقدمين على الزواج والذي في النهاية يؤدي إلى الطلاق السريع بأسباب واهية خلال الشهور الأولى وليست السنة الأولى من الزواج لأنها سمة زواج بني على الكذب وغياب الحقيقة والحب والتفاهم وهي أساسيات الزواج السعيد.
ومن أسباب الطلاق لأسباب غير منطقية التعجل في الزواج وعدم النضج بين الزوجين، وعدم جودة الاختيار وافتقاد المهارات الاجتماعية التي تمكن الأسرة من محاصرة المشكلات والقدرة على الحل بدلاً من أن تصل إلى الطلاق. ويرى أن صفة مطلق أو مطلقة باتت من الأمور المحتملة بالنسبة للأجيال الجديدة وأصبح شيئاً عادياً أن أتزوج وأطلق من جديد، وأن الجيل الحالي أكثر جرأة في الإقدام على الطلاق بدلاً من بذل مجهود فى حل المشكلات، وهو ما يقلق المجتمع بعد أن أصبحنا الآن نسمع عن زواج المصلحة والبيزنس وأنماط زواج جديدة علينا.
وهنا لابد من تفعيل دور الطب النفسي الذي هو بعيد للمساعدة في حل مشكلاتنا في ظل الغياب الأسري وانشغال الأهل بالمال والأعمال، وأيضاً تفعيل دور الأسرة قبل الزواج ومساعدة أحد الطرفين للتعرف بدقة على الطرف الآخر، ولكن بعد الزواج لابد أن يكون التدخل بحذر، وأغلب حالات الطلاق السريع لأتفه الأسباب نتيجة التسلط الأسري أو التدخل الأسري الخاطئ.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً