«مؤتمر وارسو».. يضع طهران على المحك

«مؤتمر وارسو».. يضع طهران على المحك

«نقول للشركاء في الشرق الأوسط: لن نغادر المنطقة»، رسالة واضحة حملها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في تصريحاته على هامش جولته الأخيرة في المنطقة، تؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال عند التزامها بأولوياتها التي حدّدتها سلفاً في المنطقة، والمتمثلة في دحر الإرهاب ومواجهة إيران، وبالتالي فقد جاء الحشد الأمريكي لمؤتمر وارسو ضد السياسات الإيرانية دحضاً…

«نقول للشركاء في الشرق الأوسط: لن نغادر المنطقة»، رسالة واضحة حملها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في تصريحاته على هامش جولته الأخيرة في المنطقة، تؤكد أن الولايات المتحدة لا تزال عند التزامها بأولوياتها التي حدّدتها سلفاً في المنطقة، والمتمثلة في دحر الإرهاب ومواجهة إيران، وبالتالي فقد جاء الحشد الأمريكي لمؤتمر وارسو ضد السياسات الإيرانية دحضاً للاعتقاد الذي ساد خلال الأسابيع الماضية بأن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا من شأنه أن يُحدث فراغاً في المنطقة ككل تستفيد منه إيران بصورة أو بأخرى من خلال تخفيف الضغط عليها.

أهمية مؤتمر وارسو، الذي تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى حشد المجتمع الدولي ضد سياسات نظام الملالي، يمكن استشفافها من ردود الأفعال الإيرانية على المؤتمر، فمُنذ أن أعلن وزير الخارجية الأمريكي في الحادي عشر من يناير الجاري عن انعقاد قمة في العاصمة البولندية يومي 13 و14 فبراير المقبل بخصوص إيران ومن أجل «دفع طهران للتصرف كدولة طبيعية، لخلق الاستقرار وتهيئة فرص السلام في الشرق الأوسط»، لم تهدأ عاصفة التصريحات والمواقف الإيرانية التي تُبرز حجم القلق الذي ينتاب نظام الملالي من ذلك المؤتمر الذي وصفه مراقبون بأنه أشبه بـ«حلف وارسو» في عام 1955، وأعاد للأذهان المؤتمر الذي عقدته 4 قوى دولية في غوادلوب بفرنسا، في عام 1979 الذي تم خلاله الاتفاق على ضرورة رحيل نظام الشاه في إيران آنذاك.

وتهدف الولايات المتحدة الأمريكية من المؤتمر المناهض لسياسات طهران إلى «دفع إيران للتصرف كدولة طبيعية».

دلالة التوقيت

أما توقيت انعقاد المؤتمر فهو يحمل دلالة ورمزية سياسية خاصة، ذلك أنه ينعقد في الذكرى الأربعين لـ«الثورة الإيرانية»، كما يقول الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني محمد المذحجي، في حديث لـ«البيان» من لندن عبر الهاتف، حيث اعتبر أن تلك الرمزية بمثابة رسالة إلى النظام الإيراني بأن يعمل على تغيير سلوكه العدائي تجاه المنطقة العربية، ويكف عن تدخّلاته السافرة في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. ويسعى المؤتمر لإنشاء تحالف واسع ضد إيران، علاوةً على أنه من المرتقب أن يليه مؤتمر آخر يجمع المعارضة الإيرانية على طاولة واحدة في مارس أو أبريل المقبل.

أهمية مؤتمر وارسو يُمكن أن يتم فهمها من خلال التصريحات والقرارات الإيرانية الغاضبة جداً من انعقاد ذلك المؤتمر، وفق المذحجي، الذي يوضح أن تشبيه مؤتمر بولندا بمؤتمر غوادلوب المنعقد في عام 1979 تشبيه دقيق، لكنّ مؤتمر وارسو أوسع من غوادلوب الذي ضم 4 دول فقط هي: (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا وألمانيا الغربية)، والآن الحديث يدور عن حضور أوسع بكثير يضم عشرات الدول، موضحاً أن الولايات المتحدة وعلى لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو، حددت 12 شرطاً على إيران الاستجابة لها، وهي شروط يتوجب مع بعضها تغيير النظام الإيراني بعيداً عن الحالة «الثورية والعقائدية» أو الطائفية التي تعتمد عليها طهران.

وعلاوة على ذلك، فإن مؤتمر وارسو يعتبر «جزءاً من الترتيبات والتحضيرات التي تعمل عليها الولايات المتحدة لفرض نظام إقليمي جديد يكون العرب جزءاً أساسياً فيه، في إطار تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي المعروف بالناتو العربي «MESA»، وهذا ما يقلق إيران وتركيا بالتحديد؛ لأنه يفقدهما نفوذهما في المنطقة»، وفق المذحجي.

وزير الخارجية البولندي غاسيك تشابوتوفيتش كان قد أكد في بيان له أن «بولندا وإن كانت من الدول المؤيدة للاتفاق النووي، إلا أن هذا لا يمنع أن الاتفاق نفسه لا يحجّم قدرة إيران في القيام بأنشطة تزعزع أمن واستقرار المنطقة»، وقال إن المأمول من المؤتمر هو أن يحدث نوعاً من التقارب من الموقفين الأوروبي والأمريكي بخصوص إيران. وأعلن أنه تمت دعوة 70 دولة للمشاركة.

سياسات عدوانية

وفي الوقت الذي يواصل نظام الملالي سياساته العدوانية في المنطقة وتدخلاته المختلفة في شؤون دولها منطلقاً من هدفه الرئيسي المتمثّل باستعادة الماضي الإمبراطوري وفرض الهيمنة على المنطقة، فإن المُجتمع الإيراني من الداخل يعاني الأمرّين من انعكاسات تلك السياسة على الداخل، وهو ما تظهره المؤشرات الاقتصادية المتدنية والأزمات الطاحنة التي يعاني منها الإيرانيون الذين يحتجون من آن لآخر ضد نظام الملالي وسياساته التي أفضت إلى تفشي الكثير من الظواهر المجتمعية السلبية كازدياد رقعة البطالة والإدمان والفقر وغير ذلك، ومن ثم يأتي المؤتمر في واقع تسود فيه بطهران مقومات الثورة، وبالتالي يعيد للأذهان ما حدث في عام 1979.

وفي ظل هذا الوضع يقول الخبير في الشؤون الإيرانية علاء السعيد، لـ«البيان» إن «الظاهر من المؤتمر الدولي الذي دعت إليه الولايات المتحدة أن واشنطن تسعى إلى خلق رأي عام مجتمعي عالمي ضد إيران».

استمالة

ويقول الباحث بالمنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية محمد خيري لـ«البيان» إن الولايات المتحدة تسعى من خلال مؤتمر بولندا إلى استمالة العالم والمزيد من الدول تجاه موقفها من العقوبات على إيران، وذلك بما يتماشى مع واحدة من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية والمرتبطة بمواجهة إيران، وبالتالي تسعى واشنطن إلى إضافة واستمالة المزيد من الدول إلى الإجراءات التي اتخذتها ضد إيران.

ويتابع خيري قائلاً: «المؤتمر يُعيد لأذهان الإيرانيين مؤتمر غوادلوب الذي تم خلاله إقرار إسقاط نظام الشاه، فإيران بالتالي تتخوّف بصورة كبيرة منه وتداعياته؛ لأنه يذكرها بمؤتمر عام 1979، خاصة أن مؤتمر وارسو يأتي في وقت يعيش المجتمع الإيراني حالة اهتراء واسعة، ويشهد كل مقومات الثورة ضد النظام القائم».

وفي تصور الباحث في الشؤون الإيرانية، فإن عام 2019 -وفي ضوء ما شهده عام 2018 من قرارات ومواقف شكلت إرهاصات لتطور جذري- من المتوقع أن يكون عام اضمحلال نظام الملالي، لا سيما أن النظام الإيراني نفسه لم يتخذ أية إجراءات اقتصادية تُهدئ من مقومات الثورة عليه، في ضوء ما يعاني منه الإيرانيون من أوضاع صعبة متمثلة في انتشار الفقر والبطالة والإدمان وغيرها من الأزمات، خاصة ما تعكسه المؤشرات الاقتصادية في إيران والتي تكشف عن عمق الأزمة التي يعاني منها المجتمع الإيراني في ظل سياسات النظام القائم.

كابوس مرعب

«مؤتمر وارسو يمثل كابوساً مرعباً للنظام الإيراني؛ فهم يستعيدون إلى الذاكرة مؤتمر غوادلوب، علاوة أن مؤتمر بولندا يعني بدء العد التنازلي لتحييد إيران وكسر شوكتها وإيقاف تمددها وفرض عزلة إقليمية كبيرة؛ فالمؤتمر قمة دولية الهدف منها إيقاف النهج التدميري الإيراني؛ على أساس أن العالم قد تشبع من الإرهاب الذي تمارسه طهران»، وفق الباحث في الشؤون الإيرانية محمد علاء الدين.

كما أن التصريحات الإيرانية الأخيرة التي خرجت تهدد وتتوعّد المشاركين في المؤتمر بما فيهم البلد المستضيف تؤكد أن المؤتمر ليس مجرد مناورة تقودها الولايات المتحدة وإنما خطوات جادة لتوحيد الجهود الدولية من أجل فرض مزيد من الضغوط على النظام الإيراني وممارساته التوسعية.

ويقول عز الدين لـ«البيان» إن الإيرانيين يدركون أنهم أمام مرحلة جديدة من الضغوط السياسية قد تشمل تهديدات بتحرك عسكري إذا اتجهت الأمور إلى التصعيد بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية المتمثلة في العقوبات.

ينذر ذلك كله بعامٍ حاسم في مواجهة إيران، في ضوء التطورات التي شهدها عام 2018 سواء الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وكذا العقوبات الأمريكية على إيران، أو على مستوى موقف ووضعية طهران في المناطق المتداخلة فيها مثل سوريا والعراق واليمن، وفي ظل محاصرة وخنق أذرع إيران في تلك المناطق، وبالتالي فإن نظام الملالي يقف على المحك أمام مرحلة فاصلة في تاريخه، بخاصة في ضوء السياسات الأمريكية الحالية والترتيبات الخاصة بحشد المجتمع الدولي وتجييشه ضد السياسات الإيرانية في المنطقة وأذرع إيران المختلفة.

مؤتمر غوادلوب 1979

في الخامس من يناير 1979 انعقد مؤتمر «غوادلوب» بدعوة من الرئيس الفرنسي في حينه، وحضرته قيادات أربع دول كبرى (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا وألمانيا الغربية). وناقش الاجتماع ضمن محاوره الرئيسية «مصير إيران» ونظام الشاه.

وبحسب ما تكشفه وثائق رفعت السرية عنها وكالة المخابرات الأمريكية الـ CIA في يونيو 2016، فإن كارتر دفع بضرورة مغادرة الشاه. وهو المؤتمر الذي سبقه اجتماع «غير معلن» لمجلس الأمن تحدث فيه كارتر عن «نهاية نظام الشاه» وحتمية مغادرته إيران، وقد أخبر الأوروبيين بذلك وقتها، طبقاً للوثائق.

وبحسب الوثائق ذاتها، فإنه قبيل سفره إلى غوادلوب، فإن كارتر عقد اجتماعاً مع مستشاريه في 3 يناير 1979، اتخذ خلاله قراره بضرورة مغادرة الشاه، وذلك عقب تلقيه رسالة تحليل موقف من السفير الأمريكي في طهران يرصد فيها الوضع الراهن في إيران والسيناريوهات المطروحة، وجاء فيها أن «الشاه على مفترق طرق» وأن خيارين أمامه (تسليم السلطة لرئيس الوزراء شهبور بختيار، أو إصدار أوامره بقمع أنصار الخميني)، وتحدث عن انقلاب يحضره قادة بالجيش الإيراني ضد الشاه.

وفي ذلك الاجتماع، طبقاً للوثائق، أقنع رئيس المخابرات الأمريكية ووزير الخارجية الرئيس الأمريكي بمسألة رحيل الشاه، وهو الموقف الذي عبر عنه كارتر في غوادلوب.

alt

العلاقات الأمريكية الإيرانية تعبر محطات فاصلة

يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية مختلفة كلية عن سلفه باراك أوباما في تعامله مع قضايا الشرق الأوسط، ذلك أنه انطلق من ركيزتين أساسيتين حددتا أولويات واشنطن في المنطقة، هما دحر الإرهاب الممثل في تنظيم داعش الإرهابي بصورة خاصة، ومواجهة إيران، ومن ثمّ يأتي الحشد الأمريكي إلى مؤتمر دولي يدور محوره الرئيسي حول السياسات الإيرانية العدوانية في المنطقة وسبل مواجهتها ودفع إيران للتصرف كدولة طبيعية – على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أخيراً – تأكيداً أمريكياً على الالتزام بدور واشنطن في المنطقة، في ضوء الاستراتيجية الجديدة لواشنطن تجاه إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية تأزماً واضحاً مع تولي الرئيس الأمريكي ترامب، فبعد أن وقعت طهران مع الدول الكبرى اتفاقاً حول برنامجها النووي (في 14 يوليو 2015) بعد 21 شهراً من المفاوضات الصعبة، أقرّ ترامب – الذي تعهد منذ حملته الانتخابية بسياسات صارمة ضد إيران – إلغاء الاتفاق.

وواصلت الإدارة الأمريكية التصعيد ضد إيران بشكل عملي، وطبقت عقوبات (الحزمة الأولى) في السابع من أغسطس 2018، على القطاعات المالية والتجارية والصناعية، وشملت حظر تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية، إضافة لحظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة، بخاصة الذهب، وفرض عقوبات على المؤسسات والحكومات، التي تتعامل بالريال الإيراني، أو سندات حكومية إيرانية، وغير ذلك.

وفي الثالث من نوفمبر 2018 بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات على إيران، وضمت تلك الحزمة عقوبات على أكثر من 600 شخص وشركة في إيران، إضافة إلى عقوبات أشد، تشمل صادرات النفط الإيراني.

وفي الشهر الأول من العام الجديد 2019، بدأت الولايات المتحدة الحشد لمؤتمر دولي ينعقد في العاصمة البولندية وارسو، من أجل مناقشة السياسات الإيرانية العدوانية في المنطقة بصورة رئيسية، ضمن عدد من الملفات المُهمة المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة، والتي يناقشها المؤتمر، في تصعيدٍ أمريكي ضد إيران وصفته الأخيرة بأنه «عمل عدائي» يُمارس تجاهها.

وفيما تأزمت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران ووصلت إلى «طريق مسدود» في عهد ترامب، فإن واشنطن من جانبها كانت قد حددت 12 شرطاً مقابل «تطبيع العلاقات» مع طهران، حددهم بومبيو في تصريحات سابقة له، في 21 مايو 2018.

تضمنت قائمة الشروط الأمريكية من أجل «اتفاق جديد» مع إيران: (الإفصاح عن كامل الأبعاد العسكرية لنظامها النووي والسماح لوكالة الطاقة الذرية بتفتيشه بشكل مستمر، والتوقف عن تخصيب اليورانيوم، والتخلي عن محاولات معالجة البلوتونيوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقيل، وأن تسمح إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الكامل إلى كل المحطات النووية العسكرية وغير العسكرية، وأن تضع إيران حداً لانتشار الصواريخ الباليستية وإطلاق الصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية، وإطلاق سراح المواطنين الأمريكيين وكل مواطني الدول الحليفة، إيقاف دعم إيران لمجموعات إرهابية في الشرق الأوسط مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين).

تهديد الجيران

وتضمنت قائمة الشروط أيضاً: (احترام الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الميليشيات، وإيقاف دعم الميليشيات الحوثية في اليمن وأن تعمل على التوصل لحل سياسي في اليمن، وسحب كل القوات التي تخضع لأوامر إيران من سوريا، وإيقاف دعم طالبان وجميع العناصر الإرهابية وإيواء عناصر القاعدة، وإيقاف دعم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني شركاءه من الإرهابيين، كما يجب على إيران أن توقف سلوكها الذي يهدد جيرانها، وكثير منهم حلفاء للولايات المتحدة).

اختيار بولندا لانعقاد المؤتمر جاء – بحسب صحيفة ذي ناشيونال – انطلاقاً من اعتبارها حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن العلاقات الأفضل في الوقت الجاري مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما جعلها خياراً لعقد المؤتمر بدلاً من أي من القوى الأوروبية الرئيسية التي ينتقد ترامب عدداً من زعمائها.

alt

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً