الباب الدوار.. لماذا تنسحب القوات الأمريكية من سوريا إلى العراق ؟

الباب الدوار.. لماذا تنسحب القوات الأمريكية من سوريا إلى العراق ؟

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره سحب القوات الأمريكية من سوريا، تحدّثت تقارير عن مخططات لنقل القوات المنسحبة إلى العراق الذي أعلن ترامب أنه لا يعتزم الانسحاب منه إلى إشعار آخر. وفي حال جرى نقل القوات من سوريا إلى العراق، يكون هذا البلد بمثابة باب دوار، حيث تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة معه مرة بخفض…

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره سحب القوات الأمريكية من سوريا، تحدّثت تقارير عن مخططات لنقل القوات المنسحبة إلى العراق الذي أعلن ترامب أنه لا يعتزم الانسحاب منه إلى إشعار آخر. وفي حال جرى نقل القوات من سوريا إلى العراق، يكون هذا البلد بمثابة باب دوار، حيث تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة معه مرة بخفض عديد القوات ومرّات بزيادته.

لا أحد يعرف بشكل دقيق عدد القواعد الأمريكية في العراق، وعديد المستشارين والمقاتلين الأمريكان، لكنهم موجودون منذ عام 2003، حتى الآن، على الرغم من تفسير بعض السياسيين بأن «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، هي اتفاق لـ«الانسحاب الأمريكي»، الذي لم يتم بشكل كامل، إضافة إلى كون الاتفاقية في مضمونها تعني إيكال مهام قتالية لقوات عراقية بدل الانتشار الأمريكي الواسع، وربط ذلك بالتزام الولايات المتحدة بصيانة أمن واستقرار العراق، وحماية نظامه السياسي، الذي كان بالأساس صنيع الإدارة الأمريكية.

وليس خافياً على أحد دور القوات الأمريكية والدولية في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي الذي احتل أكثر من ثلث الأراضي العراقية، في فترة تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلّحة، ما دفعه إلى طلب التدخل الأمريكي المباشر، الذي جاء مشروطاً باستبعاد المالكي، لتفضيله الاتكاء على النظام الإيراني، فكانت الخسارة الكبرى، بانتشار «داعش».

إعادة الانتشار الأمريكي

في الحرب ضد «داعش»، لم تكتم القوات العراقية عدم استطاعتها إحراز تقدّم، خاصة في معارك صلاح الدين والأنبار والموصل، من دون الدعم الأمريكي – الدولي، جواً وبراً، ودخوله المباشر في المعارك الحاسمة، ما يعني أن الولايات المتحدة موجودة، وأنها لن تفرّط بما تحقق في الحرب ضد «داعش» في العراق.

وبعد إعلان الولايات المتحدة نيّتها سحب قواتها من سوريا، ومع انتشار «داعش» على الحدود مع العراق وداخلها، أصبح لزاماً اتفاقياً عليها، إعادة الانتشار في العراق، استناداً إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي، إضافة إلى استدعائها إلى العراق بتاريخ 24 يونيو 2014 من جانب حكومة نوري المالكي، إثر اجتياح «داعش» وإسقاطه عدداً من المحافظات العراقية، كما هو مثبت في وثائق الأمم المتحدة والوثائق المتبادلة بين الدولتين.

ويرى مراقبون سياسيون أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تتضمن تغيراً كبيراً في النظر إلى ما هو أبعد، وليس الاكتفاء بطرد الخصم، ليحل محله «خصم آخر» أو وكلاء عنه، لا سيما في المناطق التي تم تحريرها من «داعش»، لتتمدد فيها الميليشيات الموالية لإيران.

انسحابات الحشد

مصدر أمني في محافظة صلاح الدين (160 كم إلى الشمال من العاصمة بغداد)، ذكر أن مئات الجنود الأمريكيين وصلوا إلى قاعدتي سبايكر والبكر «بلد»، الواقعتين في المحافظة، وهما أكبر قاعدتين جويتين شمال بغداد.

وأضاف أن «أكثر من 400 جندي أمريكي تم نقلهم من قاعدة عين الأسد غرب محافظة الأنبار إلى قاعدة بلد الجوية، الواقعة جنوب مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، في حين تم نقل أكثر من 100 جندي آخرين إلى قاعدة سبايكر الجوية، شمال غرب تكريت»، مؤكداً أن الجانب الأمريكي دعا الحكومة العراقية إلى إخلاء القواعد العسكرية كافة في محافظة صلاح الدين من عناصر ميليشيا الحشد، الأمر الذي ولّد مخاوف كبيرة لدى قادة الميليشيا، وأن «عشرات العجلات العسكرية، أمريكية الصنع، التي استولت عليها ميليشيا الحشد، تم سحبها من هذه القواعد قبل أيام قليلة من جانب عناصر الميليشيا، وتوجهت إلى العاصمة بغداد؛ خشية إقدام الجانب الأمريكي على مصادرتها».

وبحسب المصدر نفسه فإن قوات أمريكية زارت، الاثنين الماضي، مقراتها السابقة في مدينة سامراء، بعد فرض حظر للتجوال داخل المدينة، كما اجتمعت مع بعض قادة الصحوات وضباط الجيش السابق في سامراء.

جسر بري وجوي

الخبير العسكري خالد عبد الكريم، قال إن «نزول قوات أمريكية في محافظة صلاح الدين، وما سبقها من نزول لقوات في شمال الموصل، وفي محافظة الأنبار ما هو إلا مقدمات لدخول المزيد من القوات الأمريكية إلى العراق لمحاربة داعش».

وأضاف أن «محافظة صلاح الدين تعد من المناطق المهمة والاستراتيجية في العراق، خاصة المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، لكونها تربط محافظة الأنبار غرب العراق بمحافظة نينوى شمالاً»، مشيراً إلى أن «نشر قوات أمريكية في محافظة صلاح الدين، خاصة بالقواعد الجوية، تعني إنشاء جسر جوي وبري باتجاه هذه المناطق».

وذكر موفد إعلامي في الموصل أن القوات الأمريكية المنسحبة من سوريا، قامت بنشر وحدات لها في نطاق مدينة الموصل وضواحيها، وانتشرت بمعدات عسكرية قتالية، ولوجستية ثقيلة في معسكر الكندي الذي كان مقراً سابقاً للفرقة الثانية للجيش العراقي قبل أن تنسحب أمام «داعش».

كما انتشرت وحدات أمريكية في سد الموصل وفي منطقة وانة، فيما لا تزال أعداد كبيرة من القوات الأمريكية تصل تباعاً للتمركز في محيط الموصل ودهوك وإربيل، وشاهد أهالي الموصل دخول رتل عسكري أمريكي ضخم إلى مقر اللواء الثامن للجيش العراقي، «مستبشرين خيراً بأن الميليشيات باتت أيامها معدودة في الموصل»، فيما عبر عضو في ميليشيا الحشد، ناظم الأسدي، عن تخوفه من قيام الجانب الأمريكي بتنفيذ «غايات وأهداف تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة».

وقال الأسدي إن «الولايات المتحدة لديها خطط جديدة في المنطقة لغايات عديدة»، مشيراً إلى أن «الوجود الأمريكي سيزداد في العراق في غضون الأيام المقبلة.

ويؤكد المراقبون السياسيون أن التحرك الأمريكي في العراق يهدف بالدرجة الأساس ما تسميه إدارة ترامب «تصحيح الأخطاء السابقة»، ومنع إيران من اتخاذ العراق جسراً إلى سوريا ولبنان في إطار مخططها المذهبي في المنطقة.

alt

القواعد الأمريكية من ثوابت الخريطة العراقية

شهدت عودة أمريكا العسكرية إلى العراق تنامياً ملحوظاً عقب اجتياح تنظيم داعش مدناً واسعة من البلاد منذ منتصف عام 2014، فقد وقّعت اتفاقية عسكرية مع حكومة كردستان العراق على بناء خمس قواعد لها بمناطق تحت سيطرة الإقليم، حيث باتت القواعد العسكرية الأمريكية من ثوابت الخريطة العراقية.

والقواعد الخمس، التي ضُمّنت في الاتفاقية، تتوزع على الشكل الآتي: «قاعدة قرب سنجار، وأخرى في منطقتي أتروش والحرير، إضافة إلى قاعدتين في حلبجة بمحافظة السليمانية والتون كوبري في كركوك». وقالت مواقع محلية في حينها إن «الاتفاقية قضت أيضاً بدفع الأمريكان رواتب قوات البيشمركة لمدة لا تقل عن 10 سنوات، مع تدريب تلك القوات، فضلاً عن تجهيزها وتسليحها بأحدث الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة».

وكشفت مصادر خاصة مطلعة أن «القاعدة العسكرية في مدينة حلبجة، قد تقلق إيران، لكونها في السليمانية، التي ستعتبر بمنزلة اليد الأمريكية التي تمتد في العمق الإيراني»، أما قاعدة آلتون كوبري بمحافظة كركوك، فتتميز بموقعها الاستراتيجي وسط الطريق بين مدينتي كركوك وأربيل، وكحلقة وصل بين وسط العراق وشماله.

زيادة القواعد

وعلى صعيد محافظات الغرب والشمال، فإن القوات الأمريكية اتّخذت قاعدتي «عين الأسد» في قضاء البغدادي و«الحبانية» في الأنبار كقاعدتين عسكريتين، عقب سيطرة «داعش» على أغلب مدن المحافظة في 2014، كما قاربت القوات الأمريكية من إنهاء تأسيس قاعدة لقواتها في مطار القيارة العسكري جنوبي مدينة الموصل، بعد تأهيل المدرج وبناء كانتونات سكنية لعوائل العسكريين، ولم تكتفِ القوات الأمريكية بقاعدة واحدة في الموصل، إذ شرعت في تشييد قاعدة أخرى عند سد الموصل، لكنها ليست بحجم قاعدة القيارة الجوية، حسبما كشف عضو مجلس محافظة الموصل خلف الحديدي.

وفي محافظة صلاح الدين، تتخذ واشنطن قاعدة بلد الجوية مقراً لها للتحكم بطلعات طائرات «إف 16» التي منحتها للعراق أخيراً، أما في معسكر التاجي شمالي بغداد، فتوجد قوة أمريكية لأغراض التدريب، وفقاً للمتحدث باسم البنتاغون.

قاعدة جديدة

وتوقع البرلماني العراقي السابق عمر عبد الستار إنشاء قاعدة أمريكية أخرى في منطقة المنصورية بمحافظة ديالى، ربما سيعلن عنها في الأيام المقبلة، مشدداً على أن ذلك يأتي في سياق حماية نموذج عراق ما بعد تنظيم داعش.

من جهته، فسّر الباحث في الشؤون الدولية الدكتور عمر عبد الستار الوجود الكثيف للقواعد الأمريكية في العراق بأنه يأتي في سياق الترتيب للصدام المحتمل مع الوجود الإقليمي الإيراني، الذي يشكّل العراق الوجود الأكبر له بالمنطقة. وأعرب عن اعتقاده بأن وجود القواعد الأمريكية في المحافظات السنّية، الهدف الأول منه هو الاستعداد لإعادة تشكيل البنية الأمنية والسياسية لهذه المناطق التي تحتاج قبل كل شيء إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتمثل بالميليشيات.

alt

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً