سائق الحكايات.. عبدالله راشد ٧٣ سنة سائق أجرة

سائق الحكايات.. عبدالله راشد ٧٣ سنة سائق أجرة

«لو كان العمر تسجله الكاميرات لكانت اللقطة على هذا النحو: أنا وراء المقود. هو ثابت لا يتغير. انطباعاتي كما هي، لكن ملامحي تتبدل. ترتسم خطوط على جبهتي. تختفي بعض معالم النضارة. تصبح نظرة عيني ربما أكثر استدارة. ينوس الوهج. يتسرب الشيب الأبيض إلى مفرقي الجبين. يتساقط شعر. المقود ثابت.

«لو كان العمر تسجله الكاميرات لكانت اللقطة على هذا النحو: أنا وراء المقود. هو ثابت لا يتغير. انطباعاتي كما هي، لكن ملامحي تتبدل. ترتسم خطوط على جبهتي. تختفي بعض معالم النضارة. تصبح نظرة عيني ربما أكثر استدارة. ينوس الوهج. يتسرب الشيب الأبيض إلى مفرقي الجبين. يتساقط شعر. المقود ثابت.

مرت عشر سنوات. عشرون. ثلاثون. أربعون. الطرقات تتبدل. أنا بذات الصبر والجلد. أحرك عجلات مركبتي لكي تجتاز المسافات كما تجتاز السنين مضمار العمر. أنا صبور على أوجاع أسفل الظهر ومفاصل الرجلين واليدين. أنا.. سائق!

لماذا أصبحت سائقاً؟ لا أعرف. ربما لأنني كنت أحب الرحلات والتحرك. أو لأنني كنت أحب «الأندروفر» (يقصد سيارة طراز لاندروفر). أو لأن أحداً من أصحابي قال لي إنه كل ما أريد أن أفعله في الحياة هو التوجه إلى مدرسة «المستر بريكس» في «نايف» ودفع خمسة دراهم والخضوع لفحص القيادة ثم الحصول على البطاقة الحمراء.

كم كانت لحظة جميلة حين حملتها «رخصة قيادة في دبي». شعرت بأن الدنيا لا تسع فرحتي ونسيت التوتر الذي ألم بي أثناء الفحص. لقد جعلوني أقود السيارة بين سوقيْ نايف ومرشد. وقد تجاوزت بسهولة، رغم التوتر، هذا الـ«تراي» (أي تجربة القيادة). لكنني بدل أن أتوجه إلى قيادة السيارة، عملت على مركب «عبرة» أنقل الركاب بين ضفتي الخور.

كان عمري أقل من عشرين سنة حين بدأت العمل فعلياً كسائق أجرة بين الشارقة وأم القيوين. كان ذلك في بدايات الستينيات وكنت أبيع السمك. أشتريه من الصيادين في أم القيوين وأبيعه في أسواق الشارقة، ومرات، مباشرة إلى بيوت الزبائن. لكنني لم أستسغ طويلاً «زنخة» السمك وقلت إن نقل الركاب أنظف!

تحولت للعمل على سيارة أجرة وكانت ملابسي مع ختام اليوم تظل نظيفة. كان الراكب يدفع لي درهماً من موقف السيارات في ميدان «جمال عبدالناصر» حتى الشارقة. الدرهم آنذاك كان يجعلك تدخل إلى السينما وتشتري «شاياً» أيضاً.

بعد الاتحاد اختلفت الأمور نحو الأفضل وتحسنت أوضاعنا كثيراً، كذلك أصبح سقف طموحات كل واحد منا أعلى. بث زايد في روح الشباب جميعاً حافز العمل والتطور، وكنت أحد أولئك الشباب وأردت أن أحقق حلمي بأن أعمل على سيارة أكبر، ولمسافات أطول كي تكون «الرزقة» أوفر.

وهكذا كان: سيارة طراز «بيجو ستيشن» تتسع لسبعة ركاب. كانت متألقة وقوية تنتظر الزبائن في محطة الحافلات في «الشندغة» لنقلهم إلى أبوظبي.

مرتين أو ثلاث في الأسبوع نحمل سبعة ركاب مقابل ثلاثين درهماً للشخص الواحد، أي أننا نحصل من الرحلة إلى أبوظبي مئتين وعشرة دراهم. وفي العودة، من محطة الحافلات في أبوظبي، كان مسموحاً لنا أن نعود براكبين فقط.

كان راتبي الشهري في نهاية كل هذه الجولات لا يتعدى ألفاً وخمسمئة درهم. لكنني كنت سعيداً، رغم التعب؛ لأن الرحلات الطويلة بالنسبة إلى سائق سيارة الأجرة فرصة لكي يتعلم الكثير من الركاب. كل واحد له حكاياته وتعليقاته وأمنياته. والجميع يريدون أن يتحدثوا إلى السائق.

علمتني الحياة

زجاج السيارة كما شاشة السينما

أنت تفرض احترامك على الناس

كل حلم يحتاج إلى إرادة

المسافات حكايات مشوقة

لا يجب أن تحفظ الوجوه احفظ بريقها

يأتي في حلمي

أقود سيارتي بينما أبنية ترتفع فجأة

أعبر بسيارتي إلى سوق نايف تحت الماء

أفتش في حقائب الركاب وأجد ورداً

عاصفة رملية تجعلني أتوقف فيغني الركاب

غزال أبيض يهمس لي من خلف الزجاج

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً