«اتحاد الشغل» يفرض نفسه لاعباً رئيساً بمعادلة السياسة في تونس

«اتحاد الشغل» يفرض نفسه لاعباً رئيساً بمعادلة السياسة في تونس

أتى إعلان قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، بأنها معنية بالانتخابات المنتظر تنظيمها أواخر العام الجاري، ليثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية التونسية، بين مؤيد ومتخوف من الخطوة التي ستخرج بأكبر منظمة نقابية من الاكتفاء بدورها الاجتماعي المدافع عن حقوق العمال، إلى دور سياسي سيكون له تأثير بالغ في مستقبل الحكم.

أتى إعلان قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، بأنها معنية بالانتخابات المنتظر تنظيمها أواخر العام الجاري، ليثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية التونسية، بين مؤيد ومتخوف من الخطوة التي ستخرج بأكبر منظمة نقابية من الاكتفاء بدورها الاجتماعي المدافع عن حقوق العمال، إلى دور سياسي سيكون له تأثير بالغ في مستقبل الحكم.

ومثّل الاتحاد العام التونسي منذ تأسيسه في العام 1946، قوة حقيقية سواء في معركة التحرير من الاستعمار الفرنسي، أو في بناء الدولة الحديثة، وكذلك في الصراع الاجتماعي مع نظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، فيما كان له الدور الحاسم في الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي. وقاد اتحاد الشغل الحوار الوطني في العام 2013 الذي انتهى بالإطاحة بحكم الترويكا بقيادة حركة النهضة، ما أهله مع كل من منظمة أرباب العمل وعمادة المحامين ومنظمة حقوق الإنسان، للفوز بجائزة نوبل للسلام.

ويمتلك الاتحاد العام التونسي للشغل شرعية تاريخية تعمّدت بدماء زعيمه التاريخي فرحات حشاد، الذي كان معروفاً إلى جانب دوره النقابي بأنه من أبرز القادة الوطنيين خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار، ما جعل المخابرات الفرنسية تغتاله في الخامس من ديسمبر 1952، فضلاً عن امتلاكه شرعية النضال من أجل محاربة الفساد منذ سبعينيات القرن الماضي، والشرعية الاجتماعية كونه المنظمة النقابية الأعرق والأكبر عربياً وأفريقياً، كما ترى فيه النخب اليسارية والمدنية رمانة القبّان التي تحمي التوازن في البلاد، الأمر الذي دفع قوى التطرّف السياسي لمحاولة استهدافه بعد العام 2011، سواء من خلال محاولة تشكيل منظمة بديلة سرعان ما حاصرها الفشل، أو بالاعتداء على مقارّه وضرب وحدته، وتشويه دوره الاجتماعي.

قطع طريق

وتعود مواقف المتطرّفين من الاتحاد إلى نظرتهم إليه بوصفه منظمة محسوبة على القوى اليسارية بمختلف تفرعاتها، وقوة لا يمكن تجاوزها في أية محاولة للسيطرة على البلاد، وهو ما تأكد في العام 2013 بعد اغتيال القياديين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وانتشار الإرهاب والتطرف، وتراجع مؤسسات الدولة.

وعندما يعلن الاتحاد العام التونسي للشغل أنه مَعنيّ بالانتخابات المقبلة ولو انزعج المنزعجون، كما قال أمينه العام نور الدين الطبوبي، فإنّ هذا يعني أنّه سيقطع الطريق أمام أغلب الأحزاب السياسية الطامحة للسلطة وعلى رأسها حركة النهضة، أولاً لأنه يمتلك قدرات تنظيمية بانضباط كبير في مختلف أرجاء البلاد، فضلاً عن امتلاكه ماكينة انتخابية فاعلة لا يمكن مقارنتها إلا بماكينة الحزب الحاكم سابقاً «التجمع الدستوري الديمقراطي» التي تتسابق مختلف الأحزاب على الاستفادة منها، فالمنظمة النقابية لديها حضور في مختلف مناطق البلاد عبر اتحادات محلية وجهوية، ونقابات عمّالية وأساسية وجامعات نقابية، وحضور في مختلف المؤسسات والشركات العامة والخاصة، إلى جانب تغلغلها داخل الأحزاب والمنظمات الحكومية، وفي وسائل الإعلام.

قوة اتحاد

وفي كل المحطات التاريخية، استطاع الاتحاد العام التونسي للشغل تأكيد قوته، لا سيّما من خلال الإضرابات العامة أو القطاعية، حتى أنّ الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الحاكم في عهدي بورقيبة وبن علي، فشلت في اختراقه أو شلّ قدراته على الاستقطاب والاستيعاب واستمالة أنصاره، ما يعني أنه الأقدر على نيل تعاطف التونسيين اجتماعياً، الأمر الذي يجعل معارضي خوضه غمار الانتخابات يخشون أن يتحول لتعاطف سياسي يساعده على الوصول إلى الحكم مباشرة أو من خلال القوائم التي سيدعمها في الانتخابات البرلمانية.

تحوّل

ومع إعلان الاتحاد التونسي للمرأة أنّه معني هو الآخر بالانتخابات، وأن هناك مشاورات مع عدد آخر من المنظمات الاجتماعية، بما في ذلك اتحاد الشغل، يمكن القول إنّ الاستحقاق الانتخابي المقبل بشقيه البرلماني والرئاسي، سيشهد تحولاً كبيراً في توجهات السياسة التونسية، أساسه العمل على تحييد دور الأحزاب التي وصل عددها إلى 218 حزباً، وفشل أغلبها في القيام بدور إيجابي، بينما تبدو حركة النهضة الإخوانية وحدها في صدارة المشهد بعد تصدّع حزب حركة نداء تونس، ومحاولة فريق رئيس الحكومة يوسف الشاهد تأسيس حزب جديد متحالف مع النهضة، وعجز بقية القوى الحزبية عن إحداث التوازن مع حركة النهضة.

ولا يجانب النقابيون الواقع عندما يقولون إنّ الاتحاد أكبر قوة في البلاد، إذ إنّ مجرد إعلانه أنه معني بالانتخابات المقبلة فإنّ هذا يشعر أغلب التونسيين بالأمل الحقيقي في إحداث التوازن السياسي، وتحصين الدولة المدنية الحديثة، وهو ما سيؤدي حتماً لحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لأن طبيعة الأزمة في تونس أزمة سياسية، وحلّها سيؤدي إلى حل بقية الأزمات.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً