ترامب.. تخلٍّ عن العالم وتوارٍ خلف جُدر الشعبوية

ترامب.. تخلٍّ عن العالم وتوارٍ خلف جُدر الشعبوية

«الانسحاب الأميركي من سوريا».. عنوانٌ اندرجت تحته الكثير من التحليلات والسيناريوهات المفتوحة المرتبطة بالمشهد السوري، لا سيّما أنّ ذلك القرار الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية 19 ديسمبر، فرض واقعاً وسيناريوهات مختلفة لمسار الأزمة، خاصة على الصعيد الميداني والعسكري.

alt

«الانسحاب الأميركي من سوريا».. عنوانٌ اندرجت تحته الكثير من التحليلات والسيناريوهات المفتوحة المرتبطة بالمشهد السوري، لا سيّما أنّ ذلك القرار الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية 19 ديسمبر، فرض واقعاً وسيناريوهات مختلفة لمسار الأزمة، خاصة على الصعيد الميداني والعسكري.

وجاء قرار الانسحاب ليختم جُملة من القرارات التي اتخذها ترامب في العام 2018 وأثارت معظمها لغطاً واسعاً، سواء تلك القرارات الخارجية المرتبطة بالسياسات الأميركية وحضور واشنطن في المنطقة والعالم، أو القرارات المرتبطة بالسياسات الداخلية التي يتبناها ترامب.

ولعل ترامب والذي اشتهر بتصريحاته المثيرة للجدل وأثارت سياساته علامات استفهام حول توجهات الإدارة الأميركية، كانت له الكثير من القرارات التي غلفها الجدل منذ توليه الرئاسة، ليس أولها ما يتعلق بسياساته الداخلية مثل موقفه من قانون التأمين الصحي «أوباما كير» ولا سياساته في ملف الهجرة ولا السياسات الضريبية أو قرارات الإقالة والتغيرات التي أعلن عنها في الإدارة الأميركية على مدار العام.

ولم تكن آخرها سياساته الخارجية التي اعتمد فيها على شعار «أميركا أولاً» الذي يرفعه ترامب كلما كان الأمر مرتبطاً بتعامله على الصعيد الدولي، سواء بالانسحابات الأميركية من اتفاقيات ومنظمات دولية أو أسلوب تعاطي واشنطن مع عدد من الملفات الخارجية، وهو ما عبّرت عنه المستشارة السياسية السورية الأميركية مرح البقاعي بقولها لـ«البيان»، إن ترامب أطلق خطاباً في 20 ديسمبر عنوانه «أميركا أولاً» ولم يعد يهتم لدى تعامله مع الشأن الدولي إلا بما يمكن أن يعود بالفائدة على الولايات المتحدة الأميركية لتكون أولاً.

انطلق ترامب من شعار «أميركا أولاً» الذي ترجمته قراراته بصورة واضحة، ففي الثامن من مايو الماضي وقع رسمياً على قرار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في خطوة بررها ترامب بقوله: «لو سمحت لهذا الاتفاق أن يستمر سيصبح هناك سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط».

وأعقب ذلك تنفيذ العقوبات الأميركية على إيران، والتي قد بدأت مرحلتها الأولى في أغسطس، وارتكزت على القطاعات المالية والتجارية والصناعية، فيما بدأت المرحلة الثانية في نوفمبر، وضمت أكثر من 600 شخص وشركة، فضلاً عن عقوبات كبيرة تشمل صادرات النفط الإيراني.

قرارات

ارتكزت سياسة ترامب فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط على عاملين رئيسيين، الأول مواجهة إيران والآخر دحر داعش. ومن هذا المنطلق جاءت القرارات ضد طهران بداية من الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وحتى العقوبات التي تفرضها واشنطن على نظام الملالي، وفق ما يقول مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي توم حرب.

وبعد خنق الإرهاب في آخر جيب له في سوريا، جاء أحد أبرز قرارات ترامب في العام 2018، وهو قرار الانسحاب من سوريا، ليترك الساحة لتركيا من أجل مواجهة داعش، وهو ما تكشفه تغريدته التي قال فيها إن تركيا ستتولى مهمة القضاء على ما تبقى من داعش.

انتقادات

لقد أثار قرار الانسحاب الأميركي من سوريا انتقادات واسعة للإدارة الأميركية، على وقع تخوفات من استفادة داعش وإيران من الفراغ الذي تتركه أميركا، بينما تراهن الإدارة الأميركية على تركيا في استكمال مواجهة التنظيم الإرهابي. وقدّم وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، استقالته اعتراضاً على القرار، ضمن جملة التداعيات وردود الأفعال التي خلفها القرار.

ويرى محلّلون أنّ قرار الانسحاب انطلق من نفس المبدأ البراغماتي الذي يرفعه ترامب «أميركا أولاً» الذي يحدد قراراته على الصعيد الدولي، في إطار ما يسمه البعض صفقة مع تركيا تقضي بشراء أنقرة منظومة باتريوت الصاروخية الأميركية وقيمتها أكثر من ثلاثة مليارات دولار، مقابل تراجع تركيا عن شراء الصواريخ الروسية إس 400.

وفي خطوة أخرى شهدها العام 2018 شاهدة على واحد من قرارات ترامب المثيرة للجدل، افتتحت واشنطن رسمياً سفارتها في القدس، بما يمثل اعترافاً أميركياً رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بعد أن أقر بذلك ترامب في السادس من ديسمبر 2017.

جملة انسحابات

وعلى ذات المنوال وتحت نفس الشعار الشعبوي «أميركا أولاً» جاء انسحاب واشنطن من اتفاقات ومنظمات دولية، إذ انسحبت الولايات المتحدة في 20 يونيو الماضي من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وانسحبت كذلك في 30 أكتوبر الماضي من اتفاقيتين دوليتين بعد شكاوى في محكمة العدل الدولية من سياسات أميركية، وذلك ضمن انسحابات الولايات المتحدة من اتفاقيات متعددة الأطراف.

وأعلن ترامب في 21 أكتوبر عن أن أميركا ستنسحب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا، فضلاً عن قرار وقف دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».

شعبية وشعبوية

ويشير المفكر السياسي السوري د.برهان غليون، إلى أنّ ترامب يسعى من هذه السياسات لكسب المزيد من الشعبية لمواجهة الحملة الانتخابية القادمة، لافتاً إلى أنّ الانسحاب من الالتزامات الدولية أصبح الآن مطلباً شعبياً تعزف عليه اليوم العديد من الحكومات اليمينية أو الشعبوية التي تريد أن تظهر اهتماماً وحرصاً أكبر على مصالحها القومية، والحد من النفقات التي يرتبها الحفاظ على الأمن أو السلم الدوليين والمنظومة الدولية نفسها.. ولم يخف ترامب منذ توليه الحكم رغبته في الانسحاب من المنظمات والانطواء على الولايات المتحدة، لتعظيم مصالحها وأرباحها حتى لو كان ذلك على حساب بقاء النظام الدولي نفسه.

خلفت قرارات ترامب المفاجئة أحياناً وغير المتوقعة في أحايين أخرى، مساحات واسعة من الجدل حول سياسات الإدارة الأميركية داخلياً وخارجياً، ومدى انعكاس ذلك على وضع الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، وسط تساؤلات أخرى تدور في الداخل الأميركي حول تداعيات تلك السياسات على مستقبل ترامب.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً