تحديات وبؤر توتر تضبطها المصالح

تحديات وبؤر توتر تضبطها المصالح

يرث العام الجديد عن سالفه عدة ملفات حيوية، ستظل تمارس تأثيرها على المنطقة برمتها؛ وبعض هذه الملفات شهد تطورات نوعية، وتحولات جوهرية. وهي، بالتالي، ستمارس مفاعيل مختلفة عما كانت تمارسه قبل اليوم. وبعضها الآخر لا يزال، رغم التحولات والتطورات، في مربعه الأول.

يرث العام الجديد عن سالفه عدة ملفات حيوية، ستظل تمارس تأثيرها على المنطقة برمتها؛ وبعض هذه الملفات شهد تطورات نوعية، وتحولات جوهرية. وهي، بالتالي، ستمارس مفاعيل مختلفة عما كانت تمارسه قبل اليوم. وبعضها الآخر لا يزال، رغم التحولات والتطورات، في مربعه الأول.

إن تحديد هذه الملفات يتطلب تأمل خارطة الأحداث في المنطقة خلال العام الحالي، الذي يعد أيامه الأخيرة؛ كما يستدعي النظر في أجزاء أخرى من الخارطة العالمية، لا سيما تلك الأجزاء التي تملك خطوط اتصال وتواصل، وتأثّر وتأثير، مع منطقتنا.

ويمكننا أن نخرج من ذلك بتحديد ستة «تضاريس» أساسية في الجغرافيا السياسية العربية، تؤثر على «الطقس» العام، هي: المصالح الدولية، والعصب الاقتصادي، والتحديات الداخلية، والتحديات الإقليمية، وبؤر التوتر المحلية، والأمن العالمي.

ورغم تداخل هذه التضاريس، وحضورها المتباين في العديد من البلدان العربية، إلا أن تأمل توزع هذه التضاريس ينقلنا إلى تقسيم العالم العربي إلى ثلاثة أقاليم كبرى، هي: شرق المتوسط، والخليج العربي، وشمال أفريقيا.

في شرق المتوسط تتركز «طبوغرافيا» مكونة من التحديات الداخلية، والأمن العالمي، وبؤر التوتر، وجزئياً مصالح دولية تتعلق على وجه التحديد بالحفاظ على أمن ووجود إسرائيل.

وفي منطقة الخليج تتركز «طبوغرافيا» مكونة من المصالح الدولية ممثلة بأمن الممرات المائية والموقع الاستراتيجي، إلى جانب «تضاريس» التحديات الإقليمية والعصب الاقتصادي.

أما في شمال أفريقيا فتتكاثف فيه «تضاريس» الأمن العالمي، وعنوان القلق فيها هي الهجرة غير الشرعية، وبؤر التوتر، والتحديات الداخلية. وتتركز الحرارة العالية بهذا الإقليم في ليبيا، التي تشكل أكثر من مصدر قلق، على نحو جدي.

وفي تمييز للخصوصية التي يتمتع بها كل واحد من هذه الأقاليم الثلاثة، علينا أن نلاحظ أن هذه الأقاليم تتسم، كل على حدة، بما يلي:

شرق المتوسط: يعتبر أقدم نقاط التجاذب الدولي في المنطقة العربية؛ ولطالما كان وجود إسرائيل ومحاذير نشوء قوة إقليمية عربية في هذه المنطقة (العراق وسوريا) إحدى النقاط التي تستديم الاهتمام الدولي، الغربي على وجه الخصوص، بهذا الإقليم. ويمكن القول على نحو ما، إن نقاط ضعف هذا الإقليم هي ذاتها نقاط أهميته.

الخليج العربي: آلت قيادة العالم العربي إلى منطقة الخليج العربي. وتلعب المملكة العربية السعودية دوراً قيادياً بارزاً في المنظومة العربية. وبفضل هذا الموقع القيادي للمملكة فإن التقديرات السعودية تفرض نفسها على الواقع السياسي منذ أعوام. كما يضيف هذا الدور القيادي أهمية إضافية لهذا الإقليم، زيادة على كونه عصباً اقتصادياً، يمتلك موقعاً استراتيجياً.

شمال أفريقيا: إنها بطبيعتها منطقة مفتوحة على الساحل، وبحكم أن علاقات الجوار العربي هناك (شرق غرب) مليئة بالتعقيدات البينية، فإن هذا يدفع باتجاه العلاقات مع الضفة الأخرى لساحل المتوسط (جنوب شمال)، وتغليبها على علاقات الجوار.

وربما لضعف علاقات الجوار فإن الاتصال بالمشرق العربي، والانخراط على نحو فاعل بقضايا شرق المتوسط، يبقى هاجساً شعبياً أكثر منه واقعاً رسمياً في هذا الإقليم. وبهذا يمكننا أن نلاحظ أننا كلما اتجهنا غرباً، قل الانخراط الرسمي بقضايا شرق المتوسط.

التحديات الداخلية

تعيش بعض البلدان العربية حالة من الهشاشة السياسية والاقتصادية؛ ويمكن هنا إيراد قائمة طويلة من البلدان العربية التي تعيش هذه الحالة، مثل العراق والأردن ولبنان وتونس، مع تباين في مستويات نوع هذه الحالة؛ فإن كنا نرى صلابة على المستوى السياسي في الأردن، إلا أننا نلحظ في المقابل هشاشة اقتصادية تصل إلى مستويات اللون الأحمر، بكل ما يشير إليه ذلك من خطورة.

أما في لبنان مثلاً، فهناك الهشاشة الاقتصادية المزمنة، إلا أن ما يقلق فعلاً، وما يملك مفاعيل مؤثرة هو حالة الهشاشة السياسية والأمنية التي يعيشها هذا البلد، وضعفه أمام تغلغل النفوذ الخارجي.

بالمقابل، هناك في العراق تداخل معقد بين أشكال الهشاشة؛ فهي ماثلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث النزعة المذهبية تشكل عاملاً فاعلاً وصريحاً. وتتناوب هذه المستويات على التأثير بالأحداث في هذا البلد؛ فقد شهدنا على مدار العامين الماضيين هزات سياسية، كما شهدنا في فترات أخرى هزات أمنية، وثالثة اجتماعية مدفوعة بالمفاعيل الاقتصادية.

وبخلاف الأردن ولبنان، يبقى العراق دولة تمتلك مقومات وموارد قادرة على تحويلها إلى قوة إقليمية، أو شبه إقليمية. لذا، سيبقى متوقعاً دائماً أن يدفع ضغط حالة الهشاشة بمستوياتها السياسية والاقتصادية إلى خلق تيار «شعبوي»، «يعرقن» الاهتمامات الداخلية ويفرض مركزية الدولة، وينطلق إلى خلق عراق قد يمثل تحدياً لمحيطه الإقليمي.

ومن هنا، فإن تصاعد العامل الداخلي في العراق، مجسداً باحتجاجات العام المنصرم، وازدياد حضوره، يقبل القراءة على أكثر من وجه، إذ إن تبني هذا العامل الداخلي المستجد لخطاب مناهض للنفوذ الإيراني في البلاد، قد لا يكون المنتهى الأخير الذي سيستقر فيه؛ فالاحتمالات المفتوحة تتأثر بالحاجات العراقية الداخلية، وبتفشي «الشعبوية» في أقطار العالم، التي قد تجد ترجمة عراقية لها.

لا يملك الأردن مثل هذه الخيارات، ولكنه بالحتم سيجد نفسه في موقع الإفادة من أي عودة للدولة العراقية. وتتركز المحاذير الأردنية هنا بالصلات التي يمكن أن تكون لمثل هذا العراق بإيران، أو أن تقود تحولات «شعبوية» في العراق إلى فرض معادلات غير معتادة في العلاقات الأردنية العراقية، أو حتى غير مقبولة في العلاقة مع العالم العربي.

بالنسبة للحالة اللبنانية، التي تشبه على المستوى السياسي مفاعلاً نووياً بحاجة إلى التبريد باستمرار، فإن الخيارات التي أمامه هي: إما التبريد الإقليمي والدولي، أو الانفجار. ويبدو لبنان، الذي ليس لديه ما يخسره، أكثر قدرة على تحمل أي انفجار محتمل من المحيط والإقليم والمجتمع الدولي. لذا، فتبريد «المفاعل» اللبناني، أو تسخينه، يأتي بالعادة من الخارج.

التحديات الإقليمية

من أثقل التحديات التي يعيشها العالم العربي التحديات الإقليمية، فهي نابعة من ثوابت جيوسياسية، لا يمكن تغييرها، وتستوجب التعامل الدائم، إذ هي تتعلق بالعلاقة والاحتكاك مع جوار بأجندات ثقيلة لا تحتملها المنطقة، ولا تنسجم مع مقتضيات الأمن القومي العربي.

وهذه التحديات حقيقية، وتصبح أخطاراً محدقة مع اختلال آليات العمل العربي الجماعي، وغياب الفهم المشترك. وهو ما يضع البلدان العربية في مواجهات فردية غير متكافئة مع دول الجوار الجامحة.

ومن أبرز مظاهر الخلل في التعامل العربي مع هذه المعضلة هو بروز توجه في العقل العربي يفاضل بين هذه التحديات الإقليمية، ويصنفها إلى مستويات متباينة من الخطورة. ولا يقتصر الخلل هنا على الاختلاف في تحديد أي من هذه التحديات يمثل الخطر الأكثر إلحاحاً، بل في الاعتقاد بأن خطورة هذه التحديات تتباين في أولويتها وشدة خطورتها.

في الواقع، لا تختلف هذه التحديات من حيث أهمية مواجهتها، ولا في شدة خطرها. والقول بعكس ذلك هو مجرد رغائبية تغمض عينها عن حقائق الواقع وطبائع الأمور، التي تفرض مواجهة التحديات لا تجاهلها، لا سيما أن كل واحد منها يمثل قوة من نوع ما، هي:

القوة الاحتلالية: متمثلة في إسرائيل، التي لا تشكل التحدي الإقليمي الوحيد، فهي واحدة من ثلاث قوى إقليمية تمثل كل منها تحدياً قائماً بذاته، له أدواته، وأجندته الخاصة. وإن كانت إسرائيل تبرز بسياستها ومعتنقاتها الأيديولوجية، التي تمثل تحدياً إقليمياً حقيقياً، لا تقبل التعايش، ولا ترضى بغير الهيمنة، التي لا تعترف بحدود جغرافية أو سياسية أو أخلاقية.

والمعضلة الأساسية التي يمثلها هذا التحدي أن إسرائيل تتحرك مدفوعة بمخزون من الخوف الوجودي، الذي يجعلها غير قادرة على الشعور بالطمأنينة إلى أي «اتفاق»، ولا ترتاح إلى تفاهم، وتنزع بقوة نحو السيطرة المطلقة، متعددة المستويات، التي لا تقبل شراكة، ولا أدوار موازية، ولا مراكز قرار جامعة.

القوة المذهبية: متمثلة في التحدي الإيراني، الذي يبرز بقوة، وتتأكد خطورته يوماً بعد آخر. وتشهد العلاقة معه تعقيدات مركبة، وتتراكم فيها الاحتكاكات المقلقة، لا سيما لجهة المحاولات المستمرة لاستغلال التنوع المذهبي في العالم العربي للعبث وإيجاد الوكلاء المحليين، الذين يمكنهم تبني الأجندات الإيرانية الخاصة.

وتستحكم بهذه الأجندات نزعات غير منضبطة تنطلق، أولاً، من البعد المذهبي الذي يغذي مطامع تتعلق بقيادة العالم الإسلامي. وثانياً، من البعد الاقتصادي الذي يدفع باتجاه انتزاع السيطرة على القرار النفطي في المنطقة وتحويله إلى سلاح استراتيجي. وثالثاً، من البعد الإقليمي ومحاولة فرض نفوذ مركزي.

القوة الاستراتيجية: يتمثل هذا التحدي بالحالة التركية، المثيرة للاهتمام، فقد تحول هذا التحدي من التأثير السياسي والتمدد الأيديولوجي، إلى محاولة فرض الوجود العسكري، كما في الحالة القطرية ومن خلال استغلال الأزمة السورية.

وفيما تبدو أجندات هذا التحدي غامضة، إلا أنها تغدو واضحة إذا ما نظرنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التي تتوافر عليها الحالة التركية، فإلى جانب أن تركيا تمتلك المقومات الجغرافية والسكانية والاقتصادية، فإنها كذلك تمثل قوة من المستوى الثاني.

أي أكبر من قوة إقليمية وأقل من قوة عظمى. إضافة إلى إرثها العثماني كقوة دولية عظمى، تستيقظ ذكراها مع التوجهات القومية التي يتم إحياؤها اليوم تحت ستار «إسلاموي».

تختلف إسرائيل عن تركيا وإيران لجهة أن البلدين الأخيرين يمثلان جواراً ثقافياً تاريخياً للعالم العربي؛ وللعالم العربي معهما محطات طويلة من الاحتكاك السياسي والتداخل التاريخي، من حروب ومعارك وأنماط حكم هيمنت على المنطقة العربية. غير أن المشكلة معهما تكمن في جانبين أساسيين:

الأول، منع تمددهما في الداخل العربي على نحو مباشر أو بالوكالة، عبر الأحزاب والتنظيمات المحلية، لا سيما تلك الميليشيوية منها. والثاني، الحيلولة دون أن يشكل أحدهما خطراً على المنطقة العربية من داخل أراضيه. والبرنامج النووي الإيراني مثال واضح على ذلك.

بينما إسرائيل تبقى كياناً سرطانياً توسعياً حديثاً، ولاعباً جديداً استجد في ظروف النصف الأول من القرن الماضي. ويقوم دوره وخطره على منع تشكل إرادة عربية واحدة، ومحاولة لعب دور الوكيل الدولي، الذي تناط به مهمة إدارة المنطقة العربية والوصاية عليها.

بؤر التوتر

قليلة هي البلدان العربية التي لا تمثل بؤر توتر، بمستوى من المستويات. ويمكننا أن نستثني من هذه القائمة بعض دول الخليج المستقرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وموريتانيا والجزائر.

وبرغم ذلك، علينا أن نفرق بين أنواع بؤر التوتر؛ فهناك بؤر التوتر الساخنة، التي فيها مصير الدولة والنظام السياسي على المحك، مثل سوريا. وهذه مسرح للاعبين كثر يتنوعون بين جماعات إرهابية مسلحة وميليشيات دخيلة وقوى محلية متمردة إلى جانب قوات النظام وأخرى أجنبية، تتضارب تحالفاتها في الميدان.

وهناك بؤر متوترة دافئة، ويقصد بها تلك البلدان التي تعيش انقساماً اجتماعياً داخل البلد الواحد. كما هو الحال في البلدان التي شهدت محاولات لإشعال الفتنة المذهبية. كما أن هناك بؤر توتر ساكنة، حيث البلدان التي تشهد أنواعاً محدودة من الاضطرابات المتفرقة والمتباعدة.

ومن بين هذه الأنواع المتباينة، فإن مناطق التوتر من النوع الساخن هي المهيأة لصنع أحداث العام الجديد؛ والحديث بهذا يجري عن سوريا واليمن ولبنان وفلسطين وليبيا والعراق.

الأمن العالمي

يهتم العالم بأمن المنطقة حينما تصبح مصدراً لتهديد أمنه. وقد أعطت الأزمة السورية مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة، إذ لم يكن العالم (الغربي) مهتماً بالاستقرار في هذا البلد، بقدر ما كان مهتماً بتحقيق أهدافه السياسية المحلية.

ولكن حينما فاضت الأزمة السورية باللاجئين المتوجهين نحو الأقطار الأوروبية، وبدأ إرهابيو الميدان السوري يضربون في عواصم تلك البلدان، جنحت الدول الأوروبية نحو تحقيق الاستقرار في هذا البلد، ولم تعد معنية كثيراً بالأهداف السياسية والاستراتيجية التي كانت تهدف لتحقيقها هناك.

لقد كان «الغزو» عبر هجرة اللاجئين واحداً من المفاعيل التي خلخلت الواقع الأوروبي، وضربت في أسس الاتحاد الأوروبي. وبهذا، فإن درجات الاهتمام الغربي تتحدد بالتأثيرات المحتملة التي يمكن أن تمارسها أزمات المنطقة على الواقع في بلدان أوروبا.

ويمكن هنا، البحث عن أسباب يمكن لها أن تخلخل التركيبة السكانية في أقطار أوروبا، أو تلقي على دول القارة أعباء اقتصادية طارئة، أو تهدد هويتها الثقافية بالمحو، أو تعرضها لأخطار الأنشطة الإرهابية، فهذه الأخطار والإجراءات الأوروبية لمواجهتها والتعامل معها ترشدنا إلى نوعية الأحداث التي يمكن أن نشهدها في العام الجديد.

هنا، يمكن ملاحظة أنه بعد نفاد المخزون السوري والعراقي من التهديدات المحتملة، يمكن أن تتجه الأعين إلى بلدان شمال أفريقيا، التي قد تصبح حتى في ظل استقرارها معبراً لهذه الأخطار نحو أوروبا.

العصب الاقتصادي

أحداث العام الجديد ستتأثر دون شك بالعصب الاقتصادي، الذي يمثله النفط والوضع في الدول العربية المنتجة لهذه الثروة الحيوية. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بسلامة منابع النفط واستثماراته، التي لا تزال تشكل أولوية بالنسبة للاقتصاد العالمي، ولكن كذلك بالمسارات التي ستتخذها السياسات العربية في التعامل مع الملفات المحلية والإقليمية والدولية.

ومن أبرز الملفات المحلية التي تثير الاهتمام الدولي هو المسار الذي ستتخذه الإصلاحات السعودية، والتفاعل الداخلي معها. أما على الصعيد الإقليمي فهناك الملف الإيراني. وعلى الصعيد الدولي، هناك السياسة النفطية والطاقة.

ومن المؤكد أن العالم سيتفاعل مع كل ما من شأنه أن يحدث نوعاً من التغيير، وسيهتم بقياس أهمية كل حدث من هذا النوع من منظور درجة تأثيره على استقرار المنطقة، سلباً أو إيجاباً.

وإذا كان المستهلكون الكبار يتفاعلون اليوم، فعلاً، مع بعض قضايا المنطقة من هذا المنظور، فإننا بلا شك سنشهد تطور هذا التفاعل في العام الجديد.

المصالح الدولية

من العوامل المؤثرة القادرة على صنع الأحداث والتطورات في العام المقبل هي المصالح الدولية؛ ولا يمكن تجاهل هذه المصالح، ليس فقط لأنها في الغالب مشروعة، ولكن لكونها مصالح مشتركة لا تجمع العالم بالمنطقة فقط، ولكن تجمع كثيراً من أجزاء العالم بعضه إلى بعض. لذا، فإن وعي هذه المصالح يضمن سيراً آمناً في الزمان والمكان السياسيين.

وبالطبع، ليس من المطلوب أن القبول بمعادلات غير منصفة في هذا السياق، ولكن يتوجب تعديل هذه المعادلات بوعي وانتباه، فهذه المصالح تكون أحياناً مدببة الرأس مثل الأشواك، لا يجوز المرور بينها دون يقظة وانتباه.

غير أنه ليست كل القوى الفاعلة في المنطقة العربية لديها الروّية والجلد على السير بتأنٍ. ويمكننا العثور على الكثير من الأمثلة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، وفي الاندفاعة القطرية نحو الأقطاب الإقليميين في المنطقة.

من أولى المصالح التي تشكل معضلة في العالم العربي هي الاهتمام الغربي بأمن ووجود إسرائيل. رغم أن الأدبيات الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة والقوانين الدولية والإنسانية لا تلزم العالم العربي بالتنازل والقبول بوصاية إسرائيلية على المنطقة، وتتيح له التمسك بمعايير الشرعية والمجتمع الدوليين.

هناك، أمن الممرات المائية، التي هي بالنسبة للعالم مهمة ليس فقط لتأمين تدفق النفط، ولكن كذلك لأن حرية الوصول والانتقال بحد ذاتها مهمة للحفاظ على مصالح ومعادلات جيوسياسية أخرى كبيرة؛ غير أن العالم العربي، في الواقع، يتشارك السيطرة على اثنين من هذه الممرات المائية مع دول وقوى أخرى.

ففي حالة مضيق هرمز هناك التهديدات الإيرانية للملاحة الدولية. فيما يشكل الحوثيون خطراً قابلاً لتفجير أحداث على الممر المائي الثاني، الذي هو «باب المندب».

أحداث

22 مارس

نشب النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة، الذي بدأ بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وجود نية لفرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار على السلع الصينية رداً على ما أسماه بـ«الممارسات التجارية غير العادلة» وسرقات الملكية الفكرية.

وكرد انتقامي فرضت الصين رسوماً جمركية على أكثر من 128 منتجاً أميركياً أشهرها فول الصويا. وأصبحت الرسوم الأميركية على ما قيمته 34 مليار دولار من البضائع الصينية فعالة في السادس من يوليو الماضي، وقامت الصين بفعل المثل على نفس القيمة. وهذه الرسوم تمثل ما قيمته 0.1% من إجمالي الناتج المحلي الأميركي.

8 مايو

إعلان الرئيس الأميركي عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة فرض عقوبات بعيدة الأثر على إيران. الأمر الذي وضع الشركات في جميع أنحاء العالم بين سندان مواصلة العلاقات مع طهران وبين مطرقة مواجهة رد فعل عقابي من واشنطن.

وقد جاءت هذه الخطوة لتنقض الاتفاق الذي أبرم في عهد الرئيس باراك أوباما. ومن جهتها، تعهدت الدول الأوروبية الكبرى بالالتزام بالاتفاق النووي مع إيران رغم انسحاب الولايات المتحدة منه. فيما قالت إيران رداً على القرار الأميركي إنها ستبدأ تخصيب اليورانيوم، إن لم تتمكن الأطراف من الحفاظ على الاتفاق.

14 مايو

تم تنفيذ قرار الرئيس ترامب، المثير للجدل، بنقل سفارة بلاده إلى القدس في تاريخ يتوافق مع الذكرى السبعين لقيام الكيان الإسرائيلي «النكبة». القرار قوبل بانتقادات دولية واعتبر انتهاكاً للقانون الدولي ورفضته أغلب عواصم العالم على أساس أن مصير القدس يجب أن يحدد ضمن مفاوضات الوضع النهائي طبقاً لاتفاق أوسلو.

ومن جهتها، اعتبرت منظمة التعاون الإسلامي نقل الإدارة الأميركية سفارتها إلى القدس «انتهاكاً سافراً للقانون والشرعية الدوليين»، و«ازدراء» بموقف المجتمع الدولي إزاء القدس.

12 يونيو

عقد في سنغافورة أول قمة من نوعها بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والزعيم الكوري كيم جونغ أون. في أول قمة تجمع بين زعيم كوري شمالي ورئيس أميركي في السلطة. وجاءت القمة بعد أشهر من تبادل الإهانات بين الرجلين. والتقطت عدسات التلفزة المصافحة التاريخية بين الرئيسين، التي تابعها ملايين المشاهدين عبر قنوات التلفزة حول العالم.

16 يوليو

عقدت قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في هلسنكي عاصمة فنلندا. نافش الرئيسان قضية تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين التي تضررت بعدما اتهمت الاستخبارات الأميركية الدولة الروسية بمحاولة التدخل والتأثير في نتائج الانتخابات الأميركية وتضرر العلاقات بين البلدين بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.

19 يوليو

أقر الكنيست الإسرائيلي قانون يهودية الدولة. وهذا القانون هو جزء من التشريعات الأساسية التي أقرتها إسرائيل، وهو يعطي اليهود الحق الحصري في تقرير مصير البلاد، وهو ما أثار موقفاً دولياً ودفع منظمة العفو الدولية إلى القول بأن «إسرائيل بهذا القانون ترسّخ وتعزّز 70 عاماً من التمييز واللامساواة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة».

19 سبتمبر

أسقطت طائرة عسكرية روسية من طراز إليوشن-20 قبالة السواحل السورية، في الوقت الذي كان الطيران الإسرائيلي ينفذ هجوماً على أهداف في اللاذقية. وقد أعلنت موسكو أن الجيش السوري أسقط الطائرة عن طريق الخطأ، وألقت باللوم على إسرائيل بالكامل واتهمت طيرانها بتعمد خلق وضع «خطير» أدى إلى الحادثة، التي راح ضحيتها خمسة عشر جندياً روسياً.

محطات

01

من المتوقع أن تسجل السعودية خطوات هامة باتجاه «رؤية 2030». هذه الخطوات قد يكون من أهم آثارها إحباط محاولات بعض الأطراف الإقليمية والدولة ممارسة الضغط على المملكة. ولن تكون هذه الخطوات منفصلة عن مسار الإصلاحات السعودية، التي بدأها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ومن المنطقي انتظار أن تأخذ هذه الخطوات بعين الاعتبار تجربة الفترة الماضية، وما أثارته الإصلاحات من ردود فعل. في الداخل ستميل إلى إجراءات يكون لها أثر إيجابي ملموس على الواقع المعيشي، وخارجياً ستتوخى البحث عن شركاء موثوقين.

02

في واشنطن، تتراكم الملفات على طاولة الإدارة الأميركية، من الحرب التجارية مع الصين، والخلافات مع أوروبا، والتعامل مع الهجرة، والجدار الحدودي، والتحقيقات والاستجوابات التي يتعرض لها الرئيس دونالد ترامب، إلى المعارك الداخلية بين الإدارة والكونغرس، التي تتعد موضوعاتها وتتنوع.

ولا موجب للاعتقاد أن هذا كله يمكن أن يختفي فجأة. بل على العكس، يدفع هذا على توقع انشغال البيت الأبيض على نحو متزايد بشؤونه الداخلية، مع ترجيح مزيد من الانسحابات المتفرقة و«الصغيرة» هنا وهناك. وهذا سيكون على حساب دور الولايات المتحدة الدولي.

03

من الواضح أن العلاقات السعودية الروسية تتوطد بثبات. وتشجع المواقف الروسية المختلفة إزاء عدة قضايا لها علاقة بالمملكة على تسريع تعزيز هذه العلاقات وتنويعها، لا سيما أن الرغبة متوافرة لدى الطرفين، اللذين تجمعهما مصالح مشتركة، من أبرزها التعاون في سوق الطاقة، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، مثل الوضع السوري.

في حين تعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرتقبة إلى الرياض، فرصة كبيرة لتحقيق دفع جديد لهذه العلاقات. وهذا قد يكون مدخلاً لتطوير مقاربات عربية جديدة بشأن مختلف الملفات الإقليمية المطروحة.

04

من الواضح أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني لم يأخذ لغاية هذه اللحظة حجمه المناسب من الأحداث والتداعيات؛ غير أن جدية هذه الخطوة، وأثرها الكبير، لا يمكن أن يبقيها دون تداعيات تشغل العالم والرأي العام لوقت طويل. لذا، من المتوقع أن يعود هذا الملف إلى التداول العام، مستقطباً حراكاً سياسياً نشطاً، خلال الشهور المقبلة.

فيما تشير التوقعات إلى أن دول الاتحاد الأوروبي لن تتمكن لوقت طويل من رعاية عملية إبقاء الاتفاق على قيد الحياة. لذا، فقد تكون جهود التفاوض والوساطات الشريان السري الذي يغذي خطوات سياسية أخرى.

05

أثارت الظاهرة الشعبوية في أوروبا الاهتمام على نحو مضاعف منذ الاستفتاء على «بريكسيت» (2016)، لا سيما أن هذه الظاهرة لم تفتأ تخض بعنف المشهد السياسي التقليدي في أوروبا المعاصرة، في زمن يشهد فيه الاتحاد الأوروبي أزمات غير مسبوقة. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في العديد من البلدان الأوروبية تزداد المخاوف من تمدد إضافي للتيار الشعبوي، لا سيما أن أحزاب اليمين المتطرف تتمتع بسمة رئيسية.

وهي القدرة السريعة على حشد التأييد الجماهيري على خلفية قضايا مثل أزمة الهجرة، ولعل أفضل مثالين على ذلك ما حصل إثر الانتخابات التشريعية في النمسا في 2017 وإيطاليا في 2018. وإلى ذلك الحين، سيكون على العالم الانتظار ليعرف وجه أوروبا التي يتعامل معها، وتشاركه الحياة على هذا الكوكب.

في ملف البيان المخصص تبرز الكثير من العناوين لعل أبرزها مايلي :

طيف الثقافة السياسية المعيارية العربية على المحك

وحرصا على تعميم الفائدة ننشر لكم صفحات البيان المخصصة بنظام ” بي دي إف ” ولمشاهدتها يكفي الضغط هنا

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً