إنجازات زايد في الحكم والإدارة في عين مستعربة صينية

إنجازات زايد في الحكم والإدارة في عين مستعربة صينية

المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وبَانِي نهضتها، لا يتردد ذكره على أفواه أبناء الخليج العربي فقط، بل ينتشر ذكره مدوّياً في ربوع العالم العربي من مشرقه إلى مغربه أيضاً، وذلك بفضل ما تركه في سجلّه من الإنجازات الفريدة والإسهامات المميزة، فهو القائد الذي حوّل فكرة إنشاء دولة…

المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وبَانِي نهضتها، لا يتردد ذكره على أفواه أبناء الخليج العربي فقط، بل ينتشر ذكره مدوّياً في ربوع العالم العربي من مشرقه إلى مغربه أيضاً، وذلك بفضل ما تركه في سجلّه من الإنجازات الفريدة والإسهامات المميزة، فهو القائد الذي حوّل فكرة إنشاء دولة موحّدة من الحلم إلى حقيقة واقعة ينعم كل من يعيش في هذه الدولة بوجودها والانتماء إليها؛ فهو المؤسس لأول فيدرالية عربية حديثة، وهو الذي استضاف أول اجتماع قمة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، وذلك إلى جانب أنه تمكّن في عهده من خلق ولاء مواطنيه للدولة الاتحادية وترسيخ مفهوم الحقوق والواجبات لديهم.

ولحسن حظي أنه أتيحت لي فرصة ترجمة كتاب «بقوة الاتحاد.. صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.. القائد والدولة»، الذي أشرف على إعداده ونشره مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إلى اللغة الصينية، وما يسعدني غاية السعادة أن الترجمة الصينية في طريقها إلى الإصدار والنشر في الصين، ومن المتوقع أن تكون في متناول أيدي الصينيين في أوائل العام المقبل.

alt

ومن خلال ترجمتي لهذا الكتاب الذي يطلعنا بشكل مفصل على حياة الشيخ زايد، تعرفت على هذه الشخصية العظيمة، وظهر لي أن أهم إنجازاته تتمثل في النواحي التالية:

1 ــ إثبات كفاءته القيادية من خلال العمل على تنمية منطقة العين:

ففي عام 1946، تم تعيين الشيخ زايد من قبل شقيقه المغفور له بإذن الله الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي ليكون ممثّله في العين التي كانت تعدّ أهم مناطق الإمارة في نشاطي الرعي والزراعة.

وأثناء مباشرة الشيخ زايد مهام منصبه، أثبت للجميع قوة شخصيته وحنكته وكفاءته القيادية الخارقة عن طريق حل بعض المشكلات الملحة، وفي التعامل مع المشكلات المستعصية، التزم الشيخ زايد بمبادئ التحقيق الميداني واستقاء المعلومات من مصادر متعددة، والنزاهة والعدالة والتفاوض الودي مع إصدار الأحكام الصارمة عند الضرورة، وهكذا أصبح أسلوبه في الحكم نهجاً جديداً لم تعرفه إمارة أبوظبي من قبل، وبفضل جهوده وقيادته الحكيمة باتت العين منطقة يسودها الوئام الاجتماعي والتضامن القبائلي والتطور المنتظم، الأمر الذي لا يجعل الشيخ زايد يحظى بالمحبة الطبيعية والولاء الصادق والاحترام المنقطع النظير من رجال قبائل العين فحسب، بل من أبناء إمارة أبوظبي بأكملها، وفي أغسطس عام 1966 تولّى الشيخ زايد الحكم في أبوظبي لتتجه الإمارة تحت قيادته إلى مجد غير مسبوق.

2 ــ الالتزام بالتضامن والإصلاح لبناء إمارة أبوظبي الغنية:

ما إن تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي حتى أعلن عن الإصلاح الشامل واستغلال الدخل العائد من النفط في تنفيذ خطط تنموية لتحقيق التنمية الاقتصادية والوحدة الإقليمية والرفاهية الاجتماعية لشعبه، اعتقاداً منه في أن تنمية إمارة أبوظبي لا تتحقق إلا ببناء واستتباب النظام السياسي الجديد والتطور الاقتصادي وثقة الشعب. وعليه طرح نموذجاً جديداً في الإدارة يحتذى به من خلال خلق وترسيخ بنية سياسية متماسكة في أبوظبي، وذلك من خلال 3 تدابير مترابطة:

التدبير الأول: إصلاح نظام إدارة الموارد البشرية في الحكومة الجديدة، حيث عمل على تشكيل القيادات الشابة التي تمثل أركان النفوذ في أبوظبي وقام بتخويل سلطاته إليها، وفي الوقت نفسه انتقى نخبة من الشباب الأكفاء ليكونوا مستشارين له في كل من مجالات تطوير الصناعة النفطية والشؤون الاقتصادية والمالية والسياسة العامة والعلاقات الخارجية، وهكذا سارت شؤون الدوائر والإدارات الحكومية بكفاءة وفاعلية.

التدبير الثاني: وضع خطة تنموية اقتصادية علمية سليمة، فبعد سنتين من تولّي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي أعلن الخطة الاقتصادية الخمسية الأولى التي تشمل من ناحية بناء مشروعات البنية التحتية مثل تشييد المدن وتمهيد الطرق وبناء الموانئ، وتوفير وسائل النقل والمواصلات والاتصالات، وتنمية الصناعة النفطية والتجارة والموارد المائية والزراعة وتربية الحيوانات، كما تشمل من ناحية أخرى مشروعات لصالح معيشة الشعب مثل إنشاء المدارس والمستشفيات والمباني السكنية.

التدبير الثالث: التقرب إلى أبناء شعبه، فقد كان الشيخ زايد يعطي بسخاء لمساعدة آلاف الطلبة على الالتحاق بأفضل الجامعات في خارج الدولة، كما أنه وفّر لأبناء شعبه الموارد بمختلف أنواعها ليمكّنهم من تحسين مستوى المعيشة والتمتع بحياة أفضل، والأكثر من ذلك أنه كان قادراً على تذكّر أحوال كل أسرة في أبوظبي، وما شهدته من تحسّن، وذلك من خلال استغلال ما وفرته الدولة على نحو إيجابي. وتحت قيادة الشيخ زايد الحكيمة، تطورت إمارة أبوظبي تطوراً سريعاً اقتصادياً واجتماعياً، وأصبحت أقوى إمارة في الخليج العربي بعد أن تراكمت الثروات ونعم الأبناء بالهناء والطمأنينة في حياتهم.

3 ــ تبني استراتيجية الاتحاد لإنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة

في يناير عام 1968، أعلنت بريطانيا أنها ستسحب قواتها كاملة من الخليج العربي بحلول نهاية عام 1971، ودعا الشيخ زايد إلى إقامة دولة فيدرالية، إيماناً منه بأن ما تحققه إقامة دولة موحّدة يفوق مجموع ما تحققه إمارات متفرقة، فأعلن أن الوحدة مصدر القوة، وهي السبيل الوحيد الذي يقود أبناء شعب المنطقة إلى التعايش المتناغم والكرامة المشتركة والمنافع الحقيقية. وبفضل رؤياه الحكيمة وجهوده الكبيرة توصل إلى اتفاقية ثنائية لإقامة اتحاد بينه وبين حاكم دبي المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بتاريخ 18 فبراير عام 1968. ووفقاً لهذه الاتفاقية تتشكل دولة فيدرالية ذات سياسة خارجية ودفاعية وأمنية مشتركة، وحقوق مواطَنة مشتركة، وخدمات طبية وتربوية مشتركة. والأكثر من ذلك أن الإمارتين أبرمتا في اليوم نفسه اتفاقية خاصة بترسيم الحدود البحرية بينهما، وبعد ذلك نجحت الإمارات الـ 7 الأخرى في تأليف دولة موحدة.

ويعد النجاح في إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة حدثاً تاريخياً عظيماً في العالم العربي، إذ إنها الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تم تأسيسها من دون اللجوء إلى القوة، وأشاد بذلك العلماء الغربيون، واصفين التجربة الوحدوية بأنها أنجح وحدة في العالم العربي.

4 ــ العزم على العمل الجادّ لبناء دولة جديدة وتحسين رفاه الشعب

بعد تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة لم يتوقف الشيخ زايد عن خطواته في المضي قدماً، بل واصل العمل بكل عزم وحزم من أجل تنمية الدولة وتحسين مستوى معيشة الشعب؛ وذلك يتمثل في 6 أصعدة.

الأول: زرع شعور لدى أبناء الشعب بالانتماء الوطني

أدرك الشيخ زايد أن قيام الاتحاد ليس سوى الخطوة الأولى في مسيرة بناء الدولة، ولا بد أن تتبعها خطوات متتالية لاستتباب استقرار الدولة الوليدة من خلال شائعة روح الوحدة السياسية وتعزيزها وتحقيق تجربة اتحادية ناجحة. فعقد الشيخ زايد عزمه على زرع قيم الوحدة متجذّرةً في قلوب كل المواطنين ليعترفوا باقتناع تام بأنهم ينتمون إلى دولة موحدة. وحقق الشيخ زايد هدفه هذا من خلال استخدام الموارد المتوافرة في إمارة أبوظبي على النحو الذي يعود بالخير والنفع على الإمارات جميعها، وكان أسلوب الحكم للشيخ زايد يتميز بالتوازن بين التراث والحداثة.

الثاني: الحرص على ترسيخ قيمة العمل والدعوة إلى مشاركة جميع المواطنين في البناء الوطني

فإلى جانب تعزيز قيم الانتماء والاعتزاز بالمواطنة، كان الشيخ زايد يعتقد أن هناك جانبين آخرين مهمين جداً، أحدهما ترسيخ قيمة العمل لدى كل أبناء الشعب، حيث رأى أن بناء دولة لا يمكن فيه الاعتماد فقط على الثروة النفطية، بل على عمل الشعب في البلاد بأسرها اعتقاداً منه أن العمل هو الذي يخلق الثروة. فيجب ألا تقتصر الدولة الوليدة على توفير الرفاهية لكل مواطنيها، بل أن تعمل على توفير فرص العمل حتى يتسنى لكل مواطن تحقيق الاعتماد على الذات على الصعيد الاقتصادي. والجانب الآخر تفعيل دور المرأة في بناء الأمة. فقد كان يعتقد أن التنمية الاجتماعية تتطلب من الناس إلقاء نظرة جديدة على دور المرأة في بناء المجتمع الجديد، ومن أجل تحسين المستوى التعليمي للمرأة الإماراتية، أنشأ جامعة زايد.

الثالث: تسريع عملية التطور الاقتصادي لبناء دولة غنية

ومن أجل تحقيق النمو الاقتصادي كان الشيخ زايد يضع في حسبانه تعزيز إدارة الدولة لصناعة النفط التي تعدّ دعامة قوية لتنمية الاقتصاد القومي ومورداً رئيسياً لتحسين معيشة الشعب، فأقام المجلس الأعلى للبترول بعد تأسيس الدولة، للإشراف على عمليات التنقيب والاستخراج والتصنيع والتسويق للنفط الذي أغدق ثروة على الشعب، حتى بلغ دخل الفرد السنوي 26 ألف دولار أميركي، ليحتل المرتبة الأولى في العالم حينذاك.

وحرص الشيخ زايد على اتخاذ استراتيجية حكيمة للنفط، ومنها اكتشاف حقول جديدة، وتخزين احتياطيات نفطية كافية للأجيال القادمة، واستخدام الثروة النفطية لتعزيز تنمية القطاعات الأخرى، وتقليل الاعتماد المفرط على عائداته، والحد من كمية الإنتاج لحماية الموارد النفطية، والتعاون الوثيق مع منظمة أوبك لتجنب هدر الموارد النفطية، كما حرص الشيخ زايد على تنويع القاعدة الاقتصادية وزيادة مصادر الإيراد العام وتكوين نظام صناعي متكامل. فإلى جانب صناعة النفط، تم إنشاء قطاعات الطاقة الكهرومائية والكيميائية، والنقل، والاتصالات، والتمويل، والطيران، والتجارة، والغذاء، والسياحة والمعارض وغيرها. وما يجدر ذكره أن مدينتي أبوظبي ودبي قد أصبحتا مركزين ذوي شهرة عالمية في مجال الأعمال التجارية والمالية والسياحة وإقامة المعارض.

الرابع: تشكيل القوات المسلحة للدفاع عن الأمن القومي

حرص الشيخ زايد على تنمية القوة الدفاعية والعسكرية للتصدي للتحديات، حيث كان يرى أن الأمن القومي يتجذر في الوحدة الوطنية؛ كما حرص على تعزيز المكانة الدولية للبلاد من خلال تعزيز المصداقية الدولية.

الخامس: تنفيذ سياسة دبلوماسية منفتحة لخلق بيئة سلمية دولية

في الذكرى الأولى لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 1972، أعلن الشيخ زايد السياسة الخارجية للدولة، والتي تمثلت في 4 جوانب الأول: حل الخلافات بين الإمارات والدول بطريقة ودية وسلمية؛ والثاني: توسيع الأساس الاتحادي وفتح الباب للترحيب بانضمام الدول الأخرى إلى الدولة الاتحادية؛ والثالث: دعم القضية العربية، وتعزيز التعاون مع الدول العربية الشقيقة في كل من المجالات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها؛ والرابع: الانفتاح على العالم، ومشاركة الدول الأخرى في الشؤون الدولية مع الالتزام بميثاق الأمم المتحدة. وتظل الإمارات تتمسك بهذه المبادئ في الشؤون الدبلوماسية منذ 4 عقود ونيف. فأقامت العلاقات الدبلوماسية مع أكثر من 140 دولة في العالم.

السادس: تعزيز الخدمات الاجتماعية لرفع مستوى معيشة أبناء الإمارات

أدرك الشيخ زايد بالفطرة أن هناك حاجة إلى إيجاد منهج شامل لتوفير الخدمات الاجتماعية والرفاه، فبعد تأسيس الدولة الاتحادية عمل الشيخ زايد على بناء مؤسسات تعليمية وتطبيق سياسة مجانية التعليم على كل المستويات مستهدفاً إعداد الكوادر الوطنية وتنمية الموارد البشرية.

كما قام الشيخ زايد بإنشاء مستشفيات حديثة واستيراد المستلزمات الطبية المتقدمة، وتنفيذ الرعاية الطبية المجانية لجميع المواطنين، ليرتفع متوسط العمر المتوقع في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى 78.3 سنة في عام 2012 بينما كان 53 سنة فقط في عام 1960.

وتقدم دولة الإمارات كذلك إعانات حكومية للإسكان والنقل واستهلاك المياه والكهرباء للمواطنين، كما تطبق سياسة تسعى إلى معدلات توظيف عالية، وأجور مرتفعة، ومعدلات ضريبية منخفضة لمواطنيها.

وحققت الدولة، تحت قيادة الشيخ زايد، إنجازات لافتة لأنظار العالم خلال 30 عاماً حتى أصبحت واحدة من أغنى دول العالم، وبعد وفاته عام 2004، أنشأت حكومة الإمارات جائزة زايد الدولية للبيئة وجائزة زايد للكتاب وجائزة زايد لطاقة المستقبل إحياء لذكراه.

وأخيراً أريد أن أقول إن الإنسان يرحل ولكن عمله وإنجازاته وروحه تبقى خالدة لا تفنى بل تستمر.

* أستاذة في مركز الشيخ زايد للغة العربية والدراسات الإسلامية ببكين

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً