يا زايد الخير

يا زايد الخير

«يا زايد الخير»: قبل عشرين عاماً ونيّفٍ، وبهذا النداء الدافئ النابع من قلبٍ مستنيرٍ صادق، خاطب شيخُ الدعاةِ وأستاذُ المفسرين في عصرنا الحديث فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيّب الله ثراه، الذي استقبل في قصره العامر في أبوظبي الشيخَ الإمام، وقلّده تكريماً…

«يا زايد الخير»: قبل عشرين عاماً ونيّفٍ، وبهذا النداء الدافئ النابع من قلبٍ مستنيرٍ صادق، خاطب شيخُ الدعاةِ وأستاذُ المفسرين في عصرنا الحديث فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيّب الله ثراه، الذي استقبل في قصره العامر في أبوظبي الشيخَ الإمام، وقلّده تكريماً له وسامَ (زايد) من الدرجة الأولى،.

تعبيراً عن تقديره الصادق للجهود الطيبة المباركة التي بذلها هذا الداعيةُ الشهير في خدمة الإسلام والمسلمين بأسلوبٍ فريدٍ جمع حوله القلوب، ومنهجٍ سديدٍ جعل منه نموذجاً متفرّداً في العلم والدعوة والإرشاد، فما كان من الشيخ النبيل إلا أن قابل التكريم بالاحترام الصادق وألقى بين يدي المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد قصيدة قال فيها:

يا زايدَ الخير مِمّا حلَّ مصدرهُ

يجري على يدكم يُسْراً وإيثارا

فإنّ خيرك للدنيا بأجمعها

لكلّ ذي حاجةٍ تُجريه مِدرارا

يا زايدَ الخير أعلاكم تواضعكم

لِذا رُفِعتَ بفضل الله مِقدارا

وإنّ ممّا جَرت به سُنّةُ الله تعالى أنه لا خافض لمن رفعه الله، وها هي الأيام خير شاهدٍ على أن منزلة الشيخ زايد، رحمه الله، لا تزدادُ على مرور الأيام إلا رفعةً، ولا تزداد ذكراه الطيبة إلا فَوحاً وعبيراً، تكرمةً له من القلوب الصادقة التي عرفت نُبل مَحْتِدِه، وكرمَ أعراقه وشريفَ أخلاقه، فماذا عساه يقول الشانئون في رجل لم يجد واصفوه له وصفاً أكرم ولا أصدق من قولهم:

«زايد: أمةٌ في رجل»، وكفاه مجداً وشرفاً أن يكون قائل هذه المقولة واحداً من أوفى تلاميذه، وفارساً من أشجع فرسان البيان والسنان، صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ذلكم الشجاع المقدام الذي خلّد ذكر زايدٍ في قصائده الجليلات، وخصّه بأروع القوافي وأبدع الترانيم محبّةً بشيخه وحفاظاً على ذكراه الطيبة، وتخليداً لوشمِ زايد الخاص الذي وَشَمَ به الوطنَ والإنسان:

ذِكَرتْ زايدْ وابتدى الوقت يرجعْ

وشافت عيوني بوجه زايد مناها

وجهه مشرّب بالشرف ما تِقنّعْ

عن حرّ كاشفْ صيدته ما خطاها

إنّ الأجيال القادمة لن تسمع سيرة الشيخ زايد، رحمه الله، من إنسانٍ لا يعرف مقادير الرجال، ولا من إنسانٍ يقطر قلبه عقوقاً ونُكراناً لمآثر هذا الشيخ النبيل الجليل الذي اجتمعت على محبته وتوقيره القلوبُ كما لم تجتمع على إنسان من معاصريه من ملوك الزمان وسلاطينه وسادته وقادته.

فإذا ذُكر حكيم الجزيرة وشيخها الكبير لم تنصرف العقول إلا إليه، ولعَمْر الحقّ إن نفوس العرب الشريفة قد جادت له بهذه المنزلة عن طيبِ خاطر واستحقاق، فهذه سيرته العطرة، وهذه مواقفه الصادقة، وهذه أياديه الفيّاضة بالخير والعطاء هي أكبر شاهد صدق على أخلاقه العالية التي تجاوزت معطيات الأخلاق السياسية إلى أخلاق العروبة ومناقب الإسلام وأُفق الإنسانية.

فكان الشيخ زايد نبراساً يضيء الطريق للأجيال القادمة، وعلى يديه الحكيمتين تتلمذ جيل القيادة الذي ينهض الآن بأعباء الحُكم في وطننا الحبيب، فغرس في أعماقِ قلوبهم قيمةَ حب الشعب، ونُبل الوفاء للوطن وأن تكون الإمارات في سويداء القلب، وأن تظلّ اليدُ ممدودةً بالخير لجميع الأشقاء، ومِعطاءة لجميع المحتاجين، وقابضةً على مِقبض السيف إذا أحدقت بالوطن الخطوب وأراده الأشرارُ بالسوء والتخريب.

إنّ المقام ها هنا لا يسمح بأكثر من الإشارة إلى الكثير من الكتب والأدبيات التي تحدثت عن سيرة الشيخ زايد واحتفت بمناقبه العالية وسياسته الحكيمة وشخصيته المعطاءة، وجهوده الهائلة في الارتقاء بالوطن من أفق الصحراء الجرداء إلى أفق المدينة الخضراء، والدولة المتحضرة التي تحتفي بالعلم وتأهيل الإنسان وتدريبه على تذوّق القِيم الثقافية للعصر مع الانتماء الصادق للجذور الوطنية الراسخة في تربة الوجدان، فنشأ الإنسان الإماراتي نشأةً صحيحة راشدةً واعيةً بذاتها مصنوعةً على عين ذلكم الشيخ الحكيم الذي تمرّس بالحياة ونازَلَها ونازَلَتْه.

وصنع المستحيل في سبيل توحيد الإمارات، وصُنعِ الوطن النموذج، فقد كان يعمل أحياناً أكثر من عشرين ساعة في اليوم، لا يهنأُ له بالٌ ولا يطيبُ له خاطر حتى يرى مُقدّرات الوطن مبذولة في سياقها الصحيح النافع الذي ينهض بالبلاد ويعود خيراً وبركة على العباد.

إنّ من بين أدقّ الدراسات التي تبلورت حول شخصية الشيخ زايد، رحمه الله، دراسة الكاتب غريم ويلسون (زايد: رجلٌ بنى أُمةً) الذي صدر عام 2013 عن المركز الوطني للوثائق والبحوث في 800 صفحة، وتتلخص الفكرة العميقة للكتاب في مسألة الإدارة الأبوية الحازمة للدولة التي كانت هي طبيعة الشيخ زايد رحمه الله، ويتجسد من خلالها وبحسب عبارة ويلسون (دبلوماسية الصحراء) التي تقوم على الوضوح التام والشفافية المطلقة في اتخاذ القرار.

فهذا هو الشيخ زايد رحمه الله، الذي يسكن في أعمق نقطة من قلوب أبناء شعبه الوفيّ الذي إذا ذَكره ذَكره بفخر نادر المثال، وشعر بفرحة عارمة وهو يتذكّر مآثره وأخلاقه، ثم يذرفون عليه دمعة وفاء هي أصدق في لغة القلب والعاطفة من كل الكتب والشهادات.

وليس الأمرُ مخصوصاً بأبناء الإمارات الكرام الطيبين بل إنّ محبة الشيخ زايد، رحمه الله، مغروسة في جميع قلوب الأصلاء من أبناء العروبة والإسلام، فما التقينا عربياً كريم الخُلق، ولا مُسلماً فاضلَ النفس إلا وعبّر عن أصدق مشاعر الحب والاحترام للشيخ زايد رحمه الله، ومعروفٌ أنّ الوجدان العامّ للأمة لا يكذب، فهو مُنزّه عن لوثات السياسة وأحابيلها التي لا تقيم وزناً للخلق الراجح والسيرة الطيبة.

إنّ انزلاقَ البعضِ إلى ذكر الشيخ زايد، رحمه الله، بغير ما هو أهلٌ له من التكريم والذكرى الطيبة هو مناداةٌ على النفس بالجهل والرعونة وقلة الكياسة، وهو على حدّ تعبير العرب في لغتها الشريفة العالية مثل الوعل الذي ينطح الصخرة بقرونه اليابسة، فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوعلُ، وهكذا هو حال النافخين في رماد الفتنة والانتقاص من مقام هذا الزعيم الكبير الذي يصدق فيه قول الشاعر مع تحوير بسيط لغايات المعنى حيث يقول:

مَنْ يختلفْ كلُّ الورى في حُبه

فالشيخُ زايدْ حبُّهُ إجماعُ

وقديماً قالت العرب: ما أساء للجاهل مثلُ نفسه، ولعَمْرُ الحقّ لو كان الشيخ زايد، رحمه الله، حيّاً وسمع هذه القوارصَ التي يطلقها بعضُ من لا يحترم مقادير الكبار لَما زاد على التبسم والإعراض جَرياً على سُنّته في احتمال الأذى والإعراض عن الجاهلين، فقد كان رحمه الله كبير القلب، راجح العقل، صبوراً على الأذى، ولولا هذه المناقب ما كانت له هذه المنزلة الرفيعة الخالدة في قلوب العقلاء والفضلاء من أهل النظر السديد والفكر الرشيد.

إنّ الشيخ زايد رحمه الله أكبر من هذه الفقاعات هنا وهناك، وحين نريد أن نعرفَ من هو الشيخ زايد فهذه آثاره الخالدة خير شاهد على عطائه ونزاهته وإخلاصه لوطنه وأمته، وحين نتذكر الباقيات الصالحات التي تركها زايد لا نجد خيراً من الدعاء له بالرحمة والمغفرة والرضوان فهذا هو الذي ينفعه، وسنبقى نسير على طريقته، إكراماً للشقيق.

وتوقيراً للصديق، وإغاثةً لأهل النكبات والضيق، لن يصدنا عن منهجه كلمةٌ تُقال هنا، وغدرةٌ تأتي من هناك، فما على هذا تربّينا، ولا شيخنا ممن يرضى لنا أن نكون من أهل إثارة القلاقل وتعكير الخواطر، فقد كان الشيخ زايد جبلاً أشمّ، وطوداً راسخاً لا تزعزعه الرياحُ العواصف.

ولو كان ممن يلتفت إلى مثل هذه الترّهات لَما استحقّ لقب حكيم العرب وشيخ الجزيرة عن أخلاقٍ وافرة وشمائلَ باهرة، رحمه الله وشمله بعفوه ورضوانه، فقد كان طيفاً من النور ونسمة من الإنسانية، وسيفاً ماضياً يُخترطُ في المُلمّات، وكان قيدوم البلاد وفارسها الشجاع، وحين نريد أن نترنم بسجاياه نستمع إلى فارسنا وشاعر بلادنا النبيل (بو راشد) الذي علّمنا قيمة الوفاء الكبرى لشيخ البلاد وفارس فرسانها الشجعان:

قيدومها ورأس الرجاجيل الأشجع

وفارس فوارسها وحامي حماها

مواقفهْ لها هلْ الفهم تتبعْ

تبع الدليل إلى السلامهْ هداها

سلامٌ على وجهه حين غادر الدنيا، وسلامٌ على وجهه حين يُبعثُ حيّاً.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً