البلاستيك.. «وجبة مسمومة» على مائدة الوعي الغائب

البلاستيك.. «وجبة مسمومة» على مائدة الوعي الغائب

وجبة واحدة بطقوس تلفّها هالة من الضبابية، يتقاسم ضرر سمومها الإنسان والأرض والبحر على مائدة واحدة، مغلّفة بالتهميش والوعي الغائب والاهتمام المؤقت.. وجبة بطعم البلاستيك، مشبعة تستقر في الدم وطبقات الأرض وفي بطون الأنعام وأحشاء أسماك الخليج اللذيذة، ومؤنِساً وفياً يصافح الصيادين والمستكشفين وهم يمخرون عباب المحيط، وهنا نطرح تساؤلاً، أهو غزو.. أم نمط فرض…

وجبة واحدة بطقوس تلفّها هالة من الضبابية، يتقاسم ضرر سمومها الإنسان والأرض والبحر على مائدة واحدة، مغلّفة بالتهميش والوعي الغائب والاهتمام المؤقت.. وجبة بطعم البلاستيك، مشبعة تستقر في الدم وطبقات الأرض وفي بطون الأنعام وأحشاء أسماك الخليج اللذيذة، ومؤنِساً وفياً يصافح الصيادين والمستكشفين وهم يمخرون عباب المحيط، وهنا نطرح تساؤلاً، أهو غزو.. أم نمط فرض نفسه علينا وسمحنا باستشرائه؟

حينما يحتدم النقاش حول البلاستيك واستخداماته التي تجاوزت حد المعقول، يصبح الأمر حديثاً ذا شجون، بل ورتماً روتينياً مكتظاً على أوراق ومستندات المسؤولين في كل قمة واجتماع لحماية أمّنا الأرض من عقوقنا نحن البشر، وخطبة مسجوعة تصدح بها منابر جمعيات الحفاظ على البيئة منذ سنوات عجاف، ولكن التقارير الأخيرة حول استهلاك البلاستيك في العالم، جعلت بعض الجهود الدولية كالمستجير من الرمضاء بالنار، وحاجتنا على الصعيد المحلي لقاعدة بيانات وطنية تحصي حجم النفايات البلاستيكية حاجة مُلِحة، وأساس جوهري غائب افتقدته «البيان» في رحلة التقصي عن الحقائق، فحين يغيب الجَردُ الذي هو بمثابة تشخيص للوضع البيئي، تصبح رحلة العلاج طويلة ومستعصية، وفي بعض الأحيان قد ييأس منها الطبيب!

تساؤلان يضعانا على مفترق الطرق، أولهما: هل أجسامنا ملوثة بالبلاستيك؟ تساؤل يستجدي التوقف الطويل لتأمل أنماط حياتنا التي لا تخلو من البلاستيك واستهلاكنا المستمر بدءاً من أكياس البلاستيك المستخدمة في نطاق واسع في حياتنا اليومية، مروراً بعبوات الماء وأعواد العصير ومواد تغليف الأطعمة والعبوات البلاستيكية لحفظ مواد التنظيف، وصولاً إلى أواني حفظ الطعام المصنوعة من البلاستيك، وسلسلة لا حصر لها من الاستخدامات، فهل نتحدث اليوم عن خطر جديد على الصحة، أم هي سنوات من تراكم هذه المركبات في أجسامنا بصمت، حتى ينهض مارد الأمراض المستعصية من قمقمه، ليدق ناقوس الخطر!

وثانيهما، ألم يشكل انهيار الجبال الجليدية في القارة القطبية الجنوبية خطراً بعد لنحسم القرار حول ما تقترفه يد الإنسان نحو البيئة، إذ يشكل غاز الميثان الناتج من حرق المخلفات البلاستيكية عنصر شرف فعالاً في عملية اغتيال الجبال الجليدية وذوبانها، ولم لا نتوقف قليلاً أمام ما تتناقله وسائل الإعلام عن ابتلاع الأسماك والحيتان للمخلفات البلاستيكية ونفوقها بسبب الاختناق، وما يشكله هذا من خطر يهدد الثروة السمكية، ألم نتوقف لنفكر قليلاً بآخر تقارير الأمم المتحدة المنشور في العام الجاري فيما يخص البيئة، إذ أشارت في إحدى إحصائياتها أن الكيس البلاستيكي الواحد قد يستغرق 1000 سنة حتى يتحلل!.

البلاستيك في قفص الاتهام

تتجه أصابع الاتهام مجدداً نحو البلاستيك، كونه متهماً ثبتت عليه التهم المؤكدة في قضايا صحية وبيئية كثيرة، وعلى الرغم من التحذيرات العلمية والطبية، نلحظ إهمال الكثير في استهلاك عبوات المياه البلاستيكية «ذات الاستخدام الواحد» لأكثر من مرة، واستخدام الأكياس البلاستيكية، وشرب عبوات الماء المعرضة لحرارة الشمس دون وعي بالخطر المحتمل الذي يشكله البلاستيك، الذي تتحرر جزيئاته والمواد الكيميائية الداخلة في صناعته بفعل الحرارة وأهمها مادة (BPA) حيث تشبه التركيبة الكيميائية لهذه المادة تركيبة هرمون الأستروجين ما يفسر تأثيرها على الثدي والجهاز التناسلي، ويتسبب استهلاكنا المتكرر للمنتجات البلاستيكية في تراكم جزيئات صغيرة من البلاستيك داخل الجسم ووصولها إلى مجرى الدم والجهاز الليمفاوي، وليس مستبعداً أن تصل إلى الكبد على المدى الطويل؛ مما يزيد المخاطر بالتأثير السلبي على عمل الجهاز المناعي، حسب ما توصلت إليه آخر الدراسات العلمية الحديثة.

الديوكسين.. قاتل خفي

فهم خاطئ ينتشر كالهشيم بين أفراد المجتمع، أنه كلما استخدمت عبوة الماء لأكثر من مرة، سوف تسهم في الحفاظ على البيئة، دون إدراك أن هذه العبوة قد تكون صالحة للاستخدام فقط لمرة واحدة، إذ قد تحمي بيئتك من التلوث، ويبقى جسدك مقبرة تأوي إليها تلك المواد الكيميائية المهاجرة من النسيج البلاستيكي، وتستقر سموماً في جسدك.

فظاهرة ترك عبوات المياه البلاستيكية في السيارات واستهلاكها على فترات طويلة، بعد تعرضها لدرجات الحرارة العالية أمر يغفل عنه العديد وهو شائع جداً. وفي هذا الصدد تقول الدكتورة فاطمة المهيري، أخصائية التغذية السريرية، يتساهل الكثير في ترك عبوات المياه البلاستيكية في الخارج تحت أشعة الشمس أو في السيارات، وتعرض هذه العبوات لحرارة الشمس وحرارة السيارة، واستهلاكها فيما بعد، ظاهرة سلبية عند البعض، إذ يحدث تحول كيميائي للعبوة البلاستيكية بفعل الحرارة والرطوبة، وتتسرب هذه المواد للماء وأشهرها مادة الديوكسين، التي أثبتت العديد من الدراسات ارتباطها الوثيق بالإصابة بمرض سرطان الثدي.

وهنا نتساءل: متى سنطالب نحن في الإمارات ونشدد على المطاعم والمقاهي بضرورة التفكير بحلول بيئية خضراء؟، لاسيما في ظل عدم تواجد أي معلومة حول حجم استهلاكنا السنوي للبلاستيك في الإمارات، وخلاصة الأمر أنه عندما نفرض وعينا ومدى اهتمامنا بهذه القضية، سينعكس ذلك على تعافي بيئتنا.

تساؤلات كثيرة قد يطرحها المستهلك حول البديل المناسب والصحي إزاء هذه التحذيرات، واستناداً لنصائح الخبراء وتوصيات الأبحاث العلمية ينصح الباحثون بتفادي القنينات التي تغلقُ بالغطاء واللجوء إلى أخرى بتقنية «الامتصاص» في الأعلى لأن هذا المنفذ الضيق أقل عرضة للبكتيريا، كما ينصحون باستهلاك قنينات مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ والعبوات الزجاجية عوضاً عن قنينات البلاستيك، وعدم تركها القنينة داخل السيارة لعدة أسابيع وتنظيفها بشكل مستمر.

ومن التوصيات أيضاً أن مياه الصنبور قد تعتبر أيضاً خياراً صحياً، لاسيما في دولة الإمارات، شرط التأكد والصيانة المستمرة لخزانات المياه وفق معايير خاصة لتكون ذات جودة عالية، كما أن حفظ الطعام بحافظات زجاج البايركس، نظراً لكونها خياراً صحياً لحفظ الأطعمة، هذا بالإضافة إلى استخدام حاويات الزجاج المغلفة بالسيليكون.

طريق نحو الاستدامة

دولة الإمارات لم تكن بمنأى عن هذا الخطر، حيث تقول رزان خليفة المبارك، أمين عام هيئة البيئة أبوظبي:«على المستوى المحلي، لم نكن بمنأى عن هذه المشكلة ونحن نرى النفايات البلاستيكية تلوث شواطئنا، وبيئتنا البحرية والبرية، وترى هيئة البيئة أبوظبي، كغيرها من المؤسسات أن حملات التنظيف حل مؤقت، ولكن الحل الأمثل لهذه المشكلة هو التوقف عن إدخال البلاستيك إلى بيئتنا في المقام الأول، وهذا ما يعني أن تعيد مجتمعاتنا التفكير في كيفية استخدام المواد البلاستيكية والتخلص منها».

وأضافت المبارك: «يتطلب القيام بهذا التعاون الحثيث والشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص والمنظمات غير الحكومية، وهيئة البيئة – أبوظبي تعمل مع جمعية الإمارات للحياة الفطرية بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة، ونحن بصدد تعزيز شراكتنا من خلال وضع خطة لمعالجة التلوث البلاستيكي، وقد حددنا أهدافنا والتي تتضمن:

وقف دخول البلاستيك إلى بيئتنا بطريقة غير نظامية للحد من تأثيراتها السلبية، ثم الحد من استخدام المواد البلاستيكية التي يمكن تجنبها مثل مواد التعبئة والتغليف متعددة الطبقات، والاستخدام المفرط للأكياس البلاستيكية، وأدوات المائدة البلاستيكية التي لا تستخدم أبداً، والقش – وكلها تمثل موارد مهدرة ولديها القدرة على التسبب في تلوث البيئة. وكذلك فصل وإعادة تدوير أكبر قدر ممكن اقتصادياً من البلاستيك – وإعادة تصنيعها إلى شيء مفيد.

وقالت المبارك:«نحن بحاجة أيضاً إلى فهم أفضل لما يحدث للبلاستيك في بيئتنا، وخاصة البيئة البحرية، وما هو مصدره، وقد أجرت هيئة البيئة – أبوظبي هذا العام أبحاث عالية المستوى، مدعومة بأخذ العينات وإجراء الاختبارات، لإعطائنا فهم أفضل لحجم المواد البلاستيكية وحبيبات البلاستيك متناهية الصغر في الخليج ومصدر هذه المواد الملوثة، وفي مارس 2019، ستقوم حكومة أبوظبي باستضافة القمة العالمية للمحيطات للعام 2019، وهو المؤتمر الرئيسي لفعاليات صحيفة الإيكونوميست، والذي سنسعى من خلاله إلى الحصول على دعم إقليمي للعمل على تقليل المواد البلاستيكية في الخليج العربي ومحيطاتنا.استراتيجية وطنية

إلى ذلك، أكد يوسف الريسي، مدير إدارة الشؤون البلدية في وزارة التغير المناخي والبيئة، أن الوزارة قامت بالتعاون والتنسيق مع الهيئات المحلية المختصة، بإجراء دراسات لتحديد أنواع وكميات المنتجات البلاستيكية التي يتم استهلاكها بهدف معرفة حجم التحديات والفرص وإيجاد حلول فاعلة في الدولة.

وقال الريسي إن الوزارة عملت وكثّفت جهودها في السنوات الأخيرة بالتنسيق مع السلطات المحلية لإبراز أهمية هذه المواد وضرورة الاستفادة منها من خلال تحويلها إلى مادة ثانوية تدخل في صناعات إعادة التدوير كحال المواد الأخرى من كرتون وورق ومعادن، وقد تبنت الوزارة دعم مشاريع معالجة النفايات بالدولة وشكلت حلقة وصل بين السلطات المحلية والمختصين في هذه المجالات.

ومع حلول 2021 ستشهد الدولة تحولاً كبيراً في طريقة إدارة النفايات من خلال إطلاق وتشغيل المرافق الجديدة التي ستعمل على بنائها خلال هذه السنوات، وقد قامت الوزارة أيضاً بتأسيس برنامج لخفض استخدام الأكياس البلاستيكية والمنتجات البلاستيكية الأخرى غير القابلة للتحلل، وفقاً لآلية التنفيذ التي تم اعتمادها وفقاً لقرار المجلس الوزاري للخدمات رقم ( 5/‏‏‏‏‏‏‏‏‏77) لسنة 2009.

وأكد الريسي أن الوزارة في الوقت الحالي تقوم بالتعاون مع شركة بروج، وهي إحدى الشركات الإماراتية الرائدة في مجال توفير حلول مبتكرة في مجال البلاستيك، لإعداد استراتيجية وطنية للإدارة المتكاملة للنفايات البلاستيكية يتم من خلالها وضع حلول مبتكرة لريادة بيئية وتنمية مســتدامة في قطاع البلاستيك في الدولة.

خريطة طريق بيئية

وقد اطلعت «البيان» على التقرير الحديث الذي أصدرته الأمم المتحدة للبيئة العام الجاري تحت عنوان «البلاستيك الذي يستخدم لمرة واحدة: خريطة طريق لتحقيق الاستدامة»، والذي أكد في مقدمته إريك سولهايم المدير التنفيذي للأمم المتحدة للبيئة في مقدمة التقرير أن البلاستيك في حد ذاته ليس مشكلة، لكن تتمثل المشكلة الحقيقية في كيفية استخدامنا له. وأكد التقرير الذي سلط الضوء على تضخم كبير ومتزايد في حجم «الوحش البلاستيكي»، حيث تتم تغذيته بإنتاج 400 مليون طن من المواد البلاستيكية سنوياً، 36% منها مواد تعبئة تستخدم لمرة واحدة، أي أن حوالي 8 ملايين طن من هذه المواد ينتهي بها المطاف إلى المحيطات.

كما أشار التقرير إلى أن التلوث البلاستيكي في البيئة يطرح العديد من المخاطر الكبيرة على الحياة البرية على الأرض وفي المحيطات، ولاسيما بعد قياس نسبة التركيزات العالية من المواد البلاستيكية، وخاصة الأكياس البلاستيكية في المحيطات، حيث إن العديد من الأسماك والسلاحف والدلافين تبتلع العبوات والأكياس البلاستيكية على أنها فريسة؛ لأنها شبيهة بقنديل البحر، الأمر الذي يؤدي إلي الإصابة بالاختناق ومن ثم نفوق هذه الأسماك، وأشار التقرير أن هناك أدلة أكدت وجود مواد كيميائية سامة في البلاستيك، عند تحليل أنسجة الأسماك والثدييات التي ابتلعت تلك الأكياس وتعرضت لخطر الاختناق، فهناك جزء آخر من المشكلة، أقل وضوحاً ولكن بنفس القدر من الأهمية، وهو حبيبات البلاستيك المتناهية الصغر، فبمجرد التخلص منها تتحلل بعض المواد البلاستيكية إلى قطع أصغر وأصغر لتصبح غير مرئية تقريباً للعين المجردة، ولكنها يمكن أن تتخلل في السلسلة الغذائية.

القول الفصل

ولا شك أن أثر العقوبات والغرامات لها وقع كبير ونتائج مرضية، لكن يبقى القول الفصل في ضرورة الحظر الكلي للبلاستيك، والسبب يكمن في متانة البلاستيك، إذ تجعله غير قابل للتحلل، حيث إن بقايا منتجاته التي لا تدفن بشكل صحيح في مكبات النفايات، تولد تلوثاً يتغلغل إلى السلسلة الغذائية، وخلال عملية إنتاج البلاستيك، تمر الجزيئات العضوية بعملية كيميائية تحولها إلى سلاسل طويلة يمكن للمنتج أن يشكلها حسب الرغبة.

وهنا نطرح تساؤلاً جديداً.. ألم يحن الأوان للوقوف دون استشراء هذا الاستعمار في دولة الإمارات، مكثت «البيان» طويلاً في سبيل الحصول على إحصائيات من الجهات المعنية حول التلوث البلاستيكي بالدولة، وتواصلت مع شركات المياه للحصول على أرقام حول كمية استهلاك عبوات المياه البلاستيكية سنوياً في الإمارات، لكن الرد كان موحداً، بأنه لا توجد إحصائيات محدثة، رغم قيام بعض الجهات بعمل دراسات وأبحاث حول التلوث، إلا أنها وبعد كل هذه السنوات، أيعقل أن تلك الدراسات لم تتمخض عن أي نتيجة أو رقم يعكس الحقائق ويشخص الوضع ويضع النقاط على الحروف في استراتيجيات التعامل مع هذه المشكلة البيئية الخطيرة؟نطرح تساؤلاً هنا، هل سننحشر يوماً في بطن وحش بلاستيكي عملاق، لنكتب أسطورة في نهاية المطاف، أننا لم نحافظ على بيئتنا، واستسلمنا رغم أن أفق الحلول المتاحة ليس ضبابياً، فبداية العلاج تشخيص، والتلوث البلاستيكي في الإمارات واضح أمام العيان، والتشخيص يكمن في تعاون الجهات وتضافر المؤسسات في تشكيل قاعدة بيانات وطنية حول كمية استهلاكنا للبلاستيك، ليتسنى لنا التفكير في خطط مُثلى للعلاج لدعم المساعي الحثيثة لدولة الإمارات في مجال الاستدامة البيئية، واجتثاث هذا الوباء، قبل أن يستشري أكثر، ونحتاج لسنوات حتى نعالج «وعينا الغائب».

تحلل

العيب الرئيسي في استخدام المنتجات البلاستيكية القابلة للتحلل بيولوجياً هو أنه ينبغي التحكم بعملية التحلل، فإذا ما وصل هذا البلاستيك إلى مكب النفايات العادية، ودفن تحت أكوام القمامة، بحيث تصبح بيئته لا هوائية، أي عديمة الأكسجين، ففي مثل هذه الظروف، ستتحلل المواد العضوية بواسطة البكتيريا، لينبعث نتيجة ذلك غاز الميثان الذي يعتبر من الغازات الدفيئة السامة والقابلة للاشتعال، ويتسبب بأضرار أكبر بكثير من ثاني أكسيد الكربون، وبما أن البلاستيك العادي لا يتحلل بتاتاً، فقد يقول البعض بأن ضرره على البيئة أقل من البلاستيك البيولوجي. ومن هنا يتبين أن الطريقة الوحيدة لإبادة هذا الوباء البلاستيكي يكمن في الاستفادة من مزايا البلاستيك القابل للتحلل، من خلال فصله عن النفايات غير العضوية والتعامل معه في منشأة خاصة، هذا الشرط يقيد بشكل جدي استخدام هذا النوع من البلاستيك، لأن مثل هذه المنشآت غير متوفرة حالياً للجميع، وهي تستلزم فصلاً صارماً جداً لأنواع النفايات.

85 %

ساهم فرض رسوم في إنجلترا بما يعادل 25 فلساً، بخفض نسبة استخدام الأكياس البلاستيكية التي يستخدمها العملاء إلى 85٪، وأدى إجراء مماثل اتخذته إيرلندا إلى خفض النسبة إلى 90٪، كما حظرت إيطاليا والمغرب وكينيا استخدام الأكياس البلاستيكية، في حين فرضت بعض الدول عقوبة السجن لأولئك الذين يخالفون القانون، وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أبعد من ذلك من خلال اقتراح قيود جديدة، والتي شملت فرض حظر تام على المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، مثل أعواد قطن الأذن، والسكاكين، والأطباق، وعيدان الطعام وأعواد شرب السوائل، وعصي البالونات، وأدخلت متطلباً آخر للدول الأعضاء لزيادة جمع الزجاجات البلاستيكية لتصل إلى 90٪ بحلول عام 2025.

خطر

اطلعت «البيان» على دراسة حديثة صادرة عن مجلة «علم الغدد الصماء الإكلينيكي والأيض» تؤكد خطورة التعرض للمواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك التي قد تسبب خللاً في البنكرياس مؤثرة بذلك على عملية إنتاج الأنسولين ومخففة من فعاليته، كما أشارت الدراسة أنه قد يزيد أيضاً من ارتفاع ضغط الدم، وأثبتت دراسة حديثة أخرى إسبانية – كورية أن المواد الكيميائية المهاجرة في الماء أو المواد الغذائية تقوم بزيادة عدد الخلايا الدهنية وحجمها مما يؤدي إلى البدانة واختلال في الغدد الصماء، الأمر الذي ينعكس سلباً على الهرمونات مما يؤدي إلى تحفيز الشهية وتخزين الدهون.

64 %

تشير الإحصائيات إلى أن نسبة المياه الجوفية في أبوظبي تمثل ما يقارب 64% من الموارد المائية بالإمارة، وإن اهتمام دولة الإمارات بالمياه الجوفية بشكل دؤوب، سيتطلب المحافظة على سلامتها من اختلاطها ببقايا البلاستيك وتلوثها، لاسيما أنها تعتبر مورداً مائياً يستخدم في القطاع الزراعي، كما أن طمر البلاستيك في التربة قد يمنع أيضاً إطلاقه للبيئة، لكن لهذه الطريقة محدوديتها، ولا سيما احتمال حدوث تسرب للمواد السامة إلى المياه الجوفية.

خطوات إيجابية للحد من الأثر السلبي للبلاستيك

تحدث لـ«البيان» الدكتور عماد سعد، خبير في التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، حول النظرة الاستشرافية لمستقبل الإمارات في ضوء الغزو البلاستيكي، وقال: «دولة الإمارات خطت خطوات إيجابية في الحد من الأثر السلبي لاستخدام الأكياس البلاستيكية التي تنتج داخل الدولة، حيث صدر في العام 2009 قرار عن المجلس الوزاري للخدمات بحظر إنتاج واستخدام الأكياس البلاستيكية والمنتجات البلاستيكية الأخرى غير القابلة للتحلل وغير المطابقة للمواصفات ابتداءً من 1 /‏‏ 1 /‏‏ 2013 وفي عام 2010 أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة حملة وطنية كبرى لأربع سنوات متتالية (2010 – 2013) وجعلت شعار يوم البيئة الوطني «الإمارات خالية من الأكياس البلاستيكية». وهذا يؤكد على الاهتمام الحكومي الجاد والمتنامي ويضفي أبعاداً جديدة في المعالجة.

كما صدر مرسوم أميري في حكومة عجمان يمنع تصنيع الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل اعتباراً من يوليو 2010 وغرامات تصل إلى 50 ألف درهم. وحظر الطباعة على الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل. وذلك عبر إضافة مادة (d2w) إلى البلاستيك تكسبه قابلية للتحلل الحيوي. وهكذا تم تطبيق القرار على مستوى الدولة، حيث نجد أن كمية الأكياس البلاستيكية القابلة للتحلل المنتجة بالإمارات في زيادة مستمرة، حيث نجد أن إنتاج الدولة كان في عام 2006 = 378 طناً مترياً قد وصل في العام 2010 إلى 3500 طن متري من البلاستيك العضوي قابل للتحلل.

أخيراً مطلوب خلق ثقافة بيئية جديدة بمدى خطورة استخدام الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل على صحة الإنسان والبيئة من حوله عير تطوير التشريعات والقوانين وزيادة الوعي الجماهيري وإطلاق مبادرات لتحفيز الفئات المستهدفة لأن الأكياس البلاستيكية.. تُفني البيئة ولا تَفنى».

وقال الدكتور عماد إنه على الرغم من الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن استخدام المواد البلاستيكية، إلا أننا لا نستطيع أن نستغني كلياً (100%) عن المواد البلاستيكية، حيث إن لها مزايا عديدة نذكر منها أنها رخيصة الثمن ومتينة وسهلة وخفيفة، وعازلة للحرارة والكهرباء، غير نافذة للغازات والماء.

أما عن مخاطر المواد والأكياس البلاستيكية على الصحة العامة والبيئة يمكن القول بأن الأكياس البلاستيكية تسبب نفوق عدد كبير من الحيوانات الرعوية البرية بالإمارات (الجمال والأبقار) والبحرية (السلاحف والشعاب المرجانية) 50٪ من الجِمال النافقة بسبب أكياس البلاستيك، فالبلاستيك يحتوي على مادة «الفاثيليت»، وهي مادة مسرطنة لكنها تضفي على المنتج البلاستيكي مرونة ونعومة وتدخل في صناعة الألعاب، كما يحتوي على مادة «بايسفينول»، وهي تستعمل في بعض أوعية الطعام ومراضع الأطفال، ولها آثار سلبية على بعض هرمونات الجسم.

تكرار استخدام العبوات عدم وعي صحي

أكدت الدكتورة مريم النعيمي، أخصائية جهاز هضمي ومناظير أن استخدام العبوات البلاستيكية لأكثر من مرة يعكس عدم وعي أفراد المجتمع بالمشاكل الصحية المحتملة.

وتقول الدكتورة النعيمي إن هناك العديد من الأبحاث والدراسات التي توصي باستخدام عبوات المياه البلاستيكية المصنعة من مادة «البولي إيثلين» لمرة واحدة فقط، وإعادة استخدامها لمرات عدة يترتب عليه خطر نمو بكتيري محتمل ووجود متبقيات من مادة البلاستيك في دم الإنسان التي يؤدي تراكمها إلى الإصابة بالأمراض الخطيرة مستقبلاً، وأشارت إلى أن العبوات البلاستيكية مصنوعة من لدائن صناعية مركبة كيميائياً، بالإضافة إلى مادة البولي اثلين وأن استخدامها في حفظ الماء لفترة طويلة يؤدي إلى تلوث الماء بداخلها، وتؤكد النعيمي أن استخدام مياه الصنبور وفق الاشتراطات خيار صحي؛ لأنه يحتوي على كافة المعادن والأملاح التي يحتاجها الجسم.

حقائق مفزعة تحت أغطية عبوات المياه المستعملة

أشارت دراسة حديثة أجراها موقع «ترد ميل رفيوز» المختص بتقديم إرشادات رياضية وصحية، أن الشرب من قنينة جرى استخدامها مرات عدة يعرض الإنسان لنسب عالية من البكتيريا، وأكدت الدراسة أن الشرب من هذه القنينة قد يكون أسوأ من قيام الإنسان بلعق أداة يلعب بها الكلب، وبالتالي فإن السلوك الذي يعتمده أغلب الناس في بيوتهم ليس آمناً على الإطلاق.

واعتمدت الدراسة على أنواع عدة من العبوات استخدمها رياضيون طيلة أسبوع، وكشفت النتائج أموراً وصفت بـ«الصادمة»، فقد وجد الباحثون أن عدد البكتيريا في كل قنينة يصل في المتوسط إلى 313.499 CFU وهذا الأخير (سي إف يو) مقياس لتحديد عدد الخلايا الحية في الأشياء والأجسام، وتكمن المفاجأة في أن الأداة المسلية التي تلهو بها الكلاب في العادة كما تقوم بلعقها في كثير من الأحيان لا تتجاوز 2,937 «سي إف يو»، وفق ما نقل موقع «نيويورك بوست».

والجدير بالذكر أن بعض العبوات التي يعاد استخدامها تضم أعداداً أكبر بكثير من البكتيريا الحية، ونبه الباحثون إلى أن قرابة 60 في المئة من البكتيريا، التي تم رصدها في القنينات تشكل خطراً محدقاً بصحة الإنسان، كما تعرضه بشدة للمرض.

إلزام شركات المياه بالمواصفات الإماراتية

بيّن جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية أن المواصفات الإماراتية تلزم شركات تعبئة المياه وفقاً لما نص عليه النظام الإماراتي للرقابة على المواد الملامسة للأغذية والصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 20 لسنة 2015، التأكد من مطابقة هذه العبوات واستيفائه لمتطلبات النظام والحصول على شهادة مطابقة وفقاً للإجراءات الموضحة في النظام، كما يشترط في البيانات الإيضاحية الخاصة بالمواد والأدوات الملامسة للأغذية أن تتضمن عبارة (مناسبة لملامسة الغذاء)، أو أن يوضع عليها الشارة المعتمدة من هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس، أو أي شارة أخرى تعتمدها الهيئة لهذه الغاية، وأن تتضمن إرشادات الاستعمال والتحذيرات، وأن تكون بخط واضح وتصعب إزالته.

وحول تأثير العلب البلاستيكية على جودة المياه أكد الجهاز أن عملية صناعة المواد البلاستيكية الخاصة بتعبئة المياه يتخللها مواد كيميائية مختلفة، ومنها مواد خاصة وآمنة للاستخدامات الغذائية ومنها ما يستخدم لأغراض أخرى غير الغذاء، موضحاً أن جميع أنواع المواد الملامسة للغذاء سواء الزجاجية أو المعدنية أو الورقية أو البلاستيكية تحتوي على بعض المكونات القابلة للهجرة (ولو بكميات ضئيلة جداً) إلى الأغذية الملامسة لها، حيث يعتمد مستوى الهجرة المحتملة على عدة عوامل أهمها جودة تصنيع تلك المواد والمكونات الداخلة بتركيبها وظروف استخدامها مثل درجات الحرارة وطبيعة المواد الغذائية والمشروبات وغيرها.

وتضع التشريعات الدولية حدوداً عليا للمواد المتوقع هجرتها من المواد الملامسة للغذاء إلى الأغذية والمشروبات، حيث ينبغي عدم تجاوز تلك الحدود، وتقوم الجهات الرقابية بكل دولة بالتحقق من المواد الملامسة للغذاء بحيث تكون نسبة الهجرة ضمن الحدود المسموح بها.

ويوصي الجهاز بضرورة عدم ترك عبوات المياه داخل السيارة أو تعريضها المباشر لأشعة الشمس أو مصادر الحرارة المختلفة، لخطورة ذلك على سلامة المياه المعبأة بداخلها، حيث يسهم ذلك في زيادة مستوى هجرة المكونات الكيميائية من العبوات إلى المياه وبالتالي التأثير على جودة وسلامة المياه.

بدء معركة التخلص من «الكابوس البلاستيكي»

تبادلنا أطراف الحديث مع عامل يعمل في مقهى للمعجنات الطازجة، وسألناه وهو يقدم الفطائر الساخنة مع ملحقاتها من شوكة وسكين بلاستيكيتين عن عدم استخدام بدائل للبلاستيك، وقتها قال:«لا نملك إلا البلاستيك إذ لا يثق الناس بنظافة الملاعق والشوك المصنوعة من «الستيل»، فيفضلون البلاستيك، لذلك اعتمدناه»!، وفي مطعم آخر للعصائر الطازجة و«السموذي» قالت العاملة: «أعتذر عن تقديمه هذا الوقت، لعدم توفر الماصة المناسبة، فنحن في صدد تبديلها بأخرى ورقية»، وقصص أخرى كثيرة بين مع وضد تحت هاجس «التكاليف»، وفي الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية صحوة بيئية، دخلت الشركة العالمية «ستار بوكس» معركة التخلص من «الكابوس البلاستيكي»، إذ تحافظ طبقة البلاستيك في أكواب «ستار بوكس» على جعل المشروبات ساخنة أطول فترة ممكنة، كما تحمي الطبقة الكرتونية الأساسية من البلل، لكن البيئة في المقابل لا بد أن تدفع ثمن تلذذنا الصباحي بكوب القهوة الساخنة، إذ يستغرق تحلل كوب واحد من هذا النوع إلى 20 سنة، ولذلك أعلنت الشركة أنها ستقوم بالتخلص تدريجياً من مصاصات الشرب البلاستيكية في جميع متاجرها بحلول عام 2020، وبدلاً من ذلك، ستقدم كوب قهوة بغطاء مرتفع يمكنك الشرب منه مباشرة، أو استخدام المصاصات الورقية الصديقة للبيئة، وبعد التقصي عن الموضوع تبين أن ولاية «سياتل» شهدت مطالبات من الأهالي بالتخلي عن الماصات البلاستيكية بسبب تكاثر النفايات البلاستيكية بما فيها الماصات على الشواطئ، الأمر الذي يهدد التنوع البيولوجي البحري، وبالتالي قامت مدينة سياتل الأميركية بخطوة مميزة لمنع استخدام البلاستيك بشكل مطلق، أدت إلى إحداث أثر بيئي ممتاز لهذه الشركة ذات السمعة العالمية، والبدء بتطبيق منتجات صديقة للبيئة هذا العام.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً