زايد رسّخ ثقافة السلم الاجتماعي وربط الأمن بالتنمية

زايد رسّخ ثقافة السلم الاجتماعي وربط الأمن بالتنمية

أدار الندوة: د. خليفة الشعالي أعدها للنشر: هاني عوكل تصوير: يوسف الأمير أجمع المشاركون في ندوة «الأمن في فكر زايد»، التي عقدها مركز الخليج للدراسات، بالتعاون مع مركز بحوث شرطة الشارقة، على استثنائية دور القائد المؤسس المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في ترسيخ الأمن بمفهومه الشامل، وربط نجاحه وتطوره بتحقيق…

emaratyah

أدار الندوة: د. خليفة الشعالي
أعدها للنشر: هاني عوكل
تصوير: يوسف الأمير
أجمع المشاركون في ندوة «الأمن في فكر زايد»، التي عقدها مركز الخليج للدراسات، بالتعاون مع مركز بحوث شرطة الشارقة، على استثنائية دور القائد المؤسس المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في ترسيخ الأمن بمفهومه الشامل، وربط نجاحه وتطوره بتحقيق التنمية المنشودة، فضلاً عن استثماره، رحمه الله، في رأس المال البشري، والسعي إلى تأهيله وتطوير قدراته وتعزيز ثقافة السلم المجتمعي.
ويُشهد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أنه صاحب الفضل في تأسيس وبناء اتحاد الإمارات وتمكين الدولة إلى ما وصلت إليه اليوم، بفضل سياساته الحكيمة ودبلوماسيته المتوازنة، حيث امتلك الشيخ زايد، رحمه الله، مشروعاً نهضوياً تنموياً وطنياً وضع في سلّم أولوياته، الاستثمار في رأس المال البشري وتحقيق الرفاهية والسعادة في مجتمع الإمارات، وحرص على توفير التعليم ودعمه في كل أرجاء الدولة، وعمل جاهداً على تحقيق الحصانة العلمية والثقافية لأنها الأساس في الريادة والإدارة السليمة وبناء الأوطان ونمائها.
وأحدث الشيخ زايد، رحمه الله، توازناً في القطاعات الحيوية بالدولة، ففي حين أكّد على أهمية التعليم والصحة وبناء اقتصاد وطني تنموي متين وقوي، كان حريصاً في الوقت نفسه على تأسيس قوة أمنية وشرطية تترجم رؤيته في ترسيخ الاتحاد، وتعزيز قيم العدالة والمساواة.
وشكّلت أهداف الاستقرار الأسري والترابط الاجتماعي، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمواظبة على فعل الخير، وترسيخ ثقافـــة التسامح وتوسيعها بين أفراد المجتمع، جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الشيخ زايد للمضي بدولة الإمارات إلى مصافّ الدول المستقرة والآمنة، التي تنظر إلى مجتمعها على أنه عنوان تقدّمهــــا ومُحرّكها الأساسي في النهضة والتنمية.
ومفهوم الأمن عند الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان واسعاً ويتصل بكل مفاصل الدولة، ذلك أنه ربط تحقيق الأمن والنهوض به على المستويات كافة، بنجاح الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بمعنى أنه آمن بأن إيجاد سياسة أمنية تقوم على العدل والمساواة، وتأسيس قوة شرطية تحفظ الأمن للبلاد وتضمن استقرارها وأمانها، يؤدي إلى تحقيق الاستقرار في مختلف القطاعات الحيوية في البلاد، ويجعلها قادرة على التطور والنمو ومواكبة مختلف المستجدات ومواجهة التحديات.
اليوم تعتبر المؤسسة الأمنية – وفي القلب منها وزارة الداخلية – من أهم المؤسسات التي تحظى باحترام وتقدير كبيرين من قبل الأوساط المحلية والإقليمية والدولية، وهذا يأتي بفضل الشيخ زايد «طيب الله ثراه» ورؤيته المستنيرة في أولوية التركيز على العنصر الأمني باعتباره القاعدة الأساسية للنهوض بالمجتمع وتحصينه بكافة الأشكال.
ونجد اليوم في ربوع الوطن، منظومة أمنية كاملة متكاملة ومتطورة تسير على خطى الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، وبتوجيه ورعاية من قبل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأصحاب السمو حكام الإمارات، وهذه المنظومة التي ابتكرها الشيخ زايد وتطورت مع الزمن، تعكس التطور الذي وصلت إليه دولة الإمارات على الصعد كافة.
ولم يقتصر البعد الأمني على حماية الدولة وتحقيق الأمن الداخلي فحسب، بل تجاوز هذا المفهوم إلى مفهومٍ آخرَ أوسعَ قائمٍ على مبادرات داخلية وخارجية تستهدف نصرة المظلومين والمستضعفين، وتقديم يد العون للمعوزين والتركيز على التلاحم الأسري، وترجمة نهج زايد في مسألة دعم الأمن الإنساني والدولي وإغاثة الدول المنكوبة والفقيرة القريبة والبعيدة، فضلاً عن تعاون الأجهزة الأمنية الإماراتية مع نظيراتها في الكثير من الدول من أجل التصدي للجرائم العابرة للحدود.
مفهوم الهوية الوطنية كان حاضراً في رؤية وأجندة الشيخ زايد الذي لم تغب عنه أبداً مسألة بناء الأمن الاجتماعي لتعزيز قيم الولاء الوطني، وقد قامت المؤسسات الأمنية بكل أجهزتها وفروعها بدور مسؤولٍ وبنّاءٍ من أجل الارتقاء بالوطن والمواطن.
تتناول هذه الورقة الاسترشادية التي تُركّز على «الأمن في فكر زايد» في عام زايد 2018، بتوجيهات من صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، مفهوم الأمن في فكر المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وأثره في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن تجربته في تأسيس قوى أمنية تتصدى لأي تحديات وتراكم في منجزها، استناداً إلى الأبعاد الوظيفية والمهنية والإنسانية. ويأتي ذلك عبر مناقشة المحاور الآتية:
المحور الأول:
مفهوم الأمن واستراتيجية زايد في ترسيخ الأمن والأمان بدولة الإمارات العربية المتحدة.
المحور الثاني:
أبعاد مفهوم الأمن عند الشيخ زايد (الاقتصادي- الاجتماعي- الثقافي).
المحور الثالث:
زايد وبناء المؤسسات الأمنية الإماراتية، ودعمه للأمن الإنساني الدولي.
الأب والقائد
قال د. خليفة راشد الشعالي: مدير الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية: نتحدث عن المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد الاستثنائي والأب والقائد الاستراتيجي والمخطط والمنفذ وزايد التشريع والقضاء، وتكمن أهمية هذه الندوة في كونها تنقل للأجيال المقبلة تلك المآثر التي جعلت من دولة الإمارات ما هي عليه الآن على كافة المستويات وفي القلب منها الأمني، وفضل زايد وفضل القيادة يحتاج إلى الدراسة والبحث، وقد لا تكون هذه الندوة كافية لإبراز مميزات شخصية زايد التي ألهمت الجميع. الشيخ زايد استفاد من الخبرات في المؤسسات الأمنية ببعض الدول العربية مثل مصر والأردن، وطبّق وصفة خاصة بالإمارات، بمعنى أنه كان حريصاً وكذلك الحال القيادات في الدولة على أن تكون لدينا وصفة خاصة بالموضوع الأمني.
وأضاف الشعالي: يعلم الجميع أن المجتمعات تقوم على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكن القيادات الكبيرة في العالم وتاريخياً مارست هذه السلطات في مراحل مختلفة، والشيخ زايد كان على رأس التشريع وكثير من القرارات والتشريعات والتوجيهات أصدرها الشيخ زايد شخصياً، وفي التنفيذ كان منفذاً ولم يجاريه أحد، وعلى سبيل المثال منع تصوير «الرادار» من الأمام، وبالتالي بحكمته وسعة آفاقه كان مُشرّعاً ومنفذاً وقاضياً. والحمد لله نحن في الإمارات نسبق الكثير من الدول في مسألة الوقاية من الجريمة، والإحصائية العالمية تقول إن ما تضبطه الشرطة من جريمة 3%، بينما تعاون أفراد المجتمع مع الشرطة والمؤسسات في الإمارات، كذلك دور الوقاية من الجريمة، هو الذي يجعل من الشرطة مؤسسة مدنية فاعلة قادرة على الوقاية من الجريمة وضبطها.
شعور بطمأنينة
أكد العميد د. خالد حمد الحمادي: مدير مركز البحوث في القيادة العامة لشرطة الشارقة أن الأمن هو شعور معنوي مزدوج يتكون من شقين، الأول الشعور بالطمأنينة والاستقرار وعدم الخوف من الجريمة، والشق الثاني الثقة بالأجهزة القائمة على تحقيق الأمن، وإذا توفر هذان الشقان فحينها نقول إن المجتمع آمن، والحمد لله بفضل الشيخ زايد طيّب الله ثراه، مجتمع دولة الإمارات من أكثر المجتمعات أمناً. أما فيما يتعلق بالشخصية الإنسانية فهي ببساطة مجموعة من الصفات والسمات التي تميّز الفرد عن الآخر. ويستند هذا المفهوم إلى ثلاثة افتراضات رئيسية، الأول أن الميزة للفرد لها خاصية الاستمرارية فترة طويلة من الزمن، والافتراض الثاني أن الخصائص المميزة للفرد هي المحدد الرئيسي، والافتراض الثالث أن الخصائص المميزة للفرد تؤثر في سلوكه عندما يتعامل مع المواقف المختلفة، كما أن هناك ثلاثة قوى تؤثر في الشخصية الإنسانية، الهو والأنا والأنا الأعلى، والهو يرمز إليها إلى قوى الشر، والأنا قوى الخير والأنا الأعلى تمثل ضميرا يعمل في التوازن ما بين القوتين، وكل إنسان لديه هذه القوى الثلاثة، والحمد لله 86 عاماً من حياة الشيخ زايد كانت السمة الغالبة على شخصيته هي القوة في فعل الخير، وهذا ما أوصل الإمارات إلى المستوى الذي وصلت إليه الآن.
توثيق الأفكار
قال اللواء د.عبدالقدوس العبيدلي: مساعد القائد العام لشؤون التميز والريادة في شرطة دبي: حينما شاركت في هذه الندوة، عدت إلى الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، فهو الأقرب إلى الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، فيما يتعلق بالموضوع الأمني، لأن هناك شخصين كان يمكن العودة إليهما في هذا الموضوع لكنهما رحلا عنا منذ فترة، رحمة الله عليهما الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان وحمودة بن علي، وهذه الندوة تقودنا إلى التأكيد على أهمية توثيق أفكار الناس التي ما زالت موجودة على قيد الحياة، وبالتالي مسألة التوثيق مهمة في موضوعات كثيرة.
أضاف العبيدلي: في صحيفة الاتحاد، وجدتُ في العدد الأول، الذي صدر في العشرين من شهر أكتوبر 1966، حديثاً للشيخ زايد، رحمه الله، بصفته آنذاك حاكم أبوظبي، حيث قال إن قيام الاتحاد بين الإمارات هو توفير للأمن والاطمئنان في الخليج، ومن هذه العبارة يستشف المرء أن الشيخ زايد كان له نهج داخلي وخارجي كبير، حيث ركّز على توفير الحماية بمفهومها الشامل وليس المفهوم الأمني البحت، وكذلك كان هدفه الأمان الذي ينبع من دولة الإمارات ويغطي الخليج والمنطقة العربية، والشيخ زايد كان داعماً بقوة لعملية الأمن في حيثياتها اللوجستية، حيث أول ما أنشئت المؤسسات الأمنية وبالذات وزارة الداخلية عام 1971، كان هدف الشيخ زايد استقاء المعرفة من أفضل الخبرات في العالم، حيث تبنى المقارنات المرجعية وأفضل الخبرات منذ عام 1971، وفي ذلك الوقت ابتعث مجموعة من الضباط إلى الأردن والسودان، وجلب أصحاب الخبرات إلى الإمارات، وحرص على متابعة تخريج معظم الدفعات من مستجدين وضباط صف وأفراد، وبالتالي كان داعماً قوياً للمؤسسة الأمنية، ولم يتوان عن دعم الإمارات الأخرى.
اهتمام بالأمن
أكد فريق م. حميد الهديدي القائد العام السابق لشرطة الشارقة أن الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، كان يُولي اهتماماً كبيراً للأمن، ويشرف على تخريج الدورات أو تكليف المسؤولين بإنشاء وتصميم برامج وبناء مؤسسات، وحين كنا نعجز عن تنفيذ مهام معينة كان يتدخل الشيخ زايد، ويدعم وزارة الداخلية وأجهزة الأمن بتنفيذ الواجبات المطلوبة منها، وأيضاً كان الشيخ زايد ينسق أمنياً مع الشيخ راشد، طيب الله ثراهما، فيما يخص اتحاد الإمارات عام 1966، وشكّل هذا اللقاء نواة الاتحاد.
وقال الهديدي: ولد الشيخ زايد، رحمه الله، في مرحلة تأثر بها العالم بما نتج عن الحربين العالمية الأولى والثانية، وهذه الفترة شهدت نزاعات في مناطق كثيرة وهجرات ونزوحاً وخللاً أمنياً في كثير من بقاع العالم، وفي ذلك الوقت تولى الشيخ زايد مسؤولية إمارة العين، وكان الراعي الأول لها بما في ذلك الأمن، ثم ساعد الحاكم آنذاك في بعض أمور الحكم بإمارة أبوظبي، وصقلت مهاراته وتوسعت رؤيته، وسافر وتلقى الكثير من الخبرات، وحين تولى مهام إمارة أبوظبي عام 1966، أولى اهتماماً لإنشاء مؤسسات تعنى بالإنسان والأمن ثم تولى رئاسة الدولة، وفي تلك الفترة ركّز على أربع قضايا مهمة، الأولى الاهتمام بالإنسان والتنمية البشرية عبر إنشاء مؤسسات راقية تُوفّر الاحتياجات الأساسية له، وهي مؤسسات متنوعة «اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، أمنية»، وثانياً بنى أجهزة أمنية يتمحور دورها في عاملين، الإقرار الأمني كواجبات تقوم بها، ودعم ومساعدة وضمان أن تقوم مؤسسات التنمية البشرية للقيام بواجباتها، وثالثاً إنشاء درع واقية تتمثل في القوات المسلحة، ورابعاً بناء علاقات دولية متوازنة وقائمة على العدل والمساواة تنعكس على الأمن في الإمارات بشكل إيجابي، حيث تعتبر الدولة من أفضل الدول من حيث الأمن والأمان والاستقرار على مستوى العالم.
تحد داخلي وخارجي
قالت د. مريم لوتاه: أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات: الأمن بمفهومه التقليدي أو العسكري هو قدرة الدولة على صد أي هجوم أو تحد داخلي أو خارجي، والخروج منتصرة أو على الأقل دون إراقة ماء الوجه، والشيخ زايد، طيّب الله ثراه، لم يكتف بهذا المفهوم العسكري أو الكلاسيكي للأمن، وإنما انتقل منه لمفاهيم أكثر تطوراً، إذ بالمفهوم العسكري عندما أسس الشيخ زايد دولة الإمارات، حرص على أن تكون هذه الدولة آمنة عبر إدارته لخلافات الحدود مع دول الجوار، وحوّل هذه الخلافات معها إلى عمق استراتيجي وأمني وعلاقات وطيدة تعاونية، وأدار الخلافات الحدودية آنذاك بطريقة حكيمة.
أضافت: الشيخ زايد أدار الخلاف مع إيران، رغم احتلالها للجزر الإماراتية، بطريقة حكيمة وعقلانية، جنبت المنطقة الدخول في صراع جديد، وفي كل قضايا تتعلق بخلافات الحدود أو أي خلافات سياسية كان يديرها بحكمة من أجل تعزيز الأمن والاستقرار بمفهومه التقليدي.
وقالت إن الكثير من الكُتاب ركزوا على المفهوم الكلاسيكي، لكن روبرت ماكنمارا أشار في كتابه «جوهر الأمن» إلى أن الأمن في مفهومه الكلاسيكي لا يكفي لحماية الدول والمجتمعات وإنما تكون هذه الأخيرة آمنة عندما يتحرر الإنسان من كل أشكال الخوف والقلق، وهذا المفهوم تبناه الشيخ زايد كما لم يتبناه أي شخص أو مسؤول آخر، والشيخ زايد كان بمثابة الأب المسؤول ومطبقاً لمقولة «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فكان يتلمس احتياجات الإنسان ويطلب من المسؤولين أن يتلمسوا هذه الاحتياجات قبل أن تكون مطلباً، ولذلك بادر بتحقيق الكثير من الإنجازات التنموية التي هي شرط أساسي من شروط تحقيق الأمن، فالإنسان إذا أمن اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً فإن المنظومة الأمنية المتكاملة الأبعاد تتحقق، ثم تأتي المؤسسة العسكرية سواء الجيش أو الأمن الداخلي لتحمي ذلك كله، لكن لا يمكن للمؤسسة العسكرية مهما بلغت من تطوير أن تحل محل الأمن بمفهومه المجتمعي.
رؤاه حكيمة
وقال العقيد م. جمعة بن رحمة الدرمكي إن الشرطة في أبوظبي تأسست بأمر من الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، عام 1957، وأسندها إلى سلطان بن شخبوط وسالمين النعيمي اللذين شاركا في تأسيسها، حيث طلب الشيخ زايد من النعيمي استدعاء ضباط في الجيش لتدريب الشرطة التي كان عدد العاملين فيها قليلاً آنذاك، والشيخ زايد أمر بتأسيس مركز المقطع وأمر بتأسيس مركز في مربعة زايد بالعين، ومركز الطريف، وفي عام 1958 أمر بإرسال المندوبين إلى الكويت للمشاركة في دورة ضباط، وكان من بينهم المرحوم وزير الداخلية السابق حمودة بن علي والمرحوم سهيل بن محمد المهيري وأنا، وتخرجنا في هذه الدورة عام 1960. وفي عام 1961 أوعز الشيخ زايد للشيخ مبارك بتأسيس الجيش، والبعثة الأردنية التي جاءت إلى الإمارات أسهمت في تأسيس الشرطة والمرور.
وأضاف: لذلك أقول إن الشيخ زايد أسّس الشرطة وطورها إلى ما وصلت اليه الآن. الشيخ زايد قبل توليه مقاليد الحكم في الإمارات، جلس في يوم من الأيام يخطط وكان حينها المرحوم غانم بن حمدان الفلاحي حاضراً، فسأل الشيخ زايد حول ماذا يفكر، فرد عليه بأنه يخطط للمستقبل، وبالتالي كانت رؤاه حكيمة وواسعة قائمة على حب المجتمع والوطن ومن الصعب حصر مناقبه في هذه الندوة، لأننا لن نوفيه حقه.
منظومة أمن
قالت ناعمة عبدالله الشرهان: عضو المجلس الوطني الاتحادي إن منظومة الأمن في فكر زايد استثنائية ومازلنا نترجمها حتى الآن، وتدرجت من مجموعة إلى قبيلة ثم إلى إمارة فدولة، والشيخ زايد كان يمارس دوره كقاض وإنسان أمني وحاكم، وهذه الأبعاد استثنائية، ونتحدث اليوم عن السعادة في الإمارات، لكن الذي وضع بذرة السعادة هو الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، والشيخ زايد أسس نموذجاً يعتبر الأمثل في الاتحاد القائم إلى الآن، وإذا تحدثنا عن بناء الدولة الحديثة، فيمكن القول إنه لا يمكن لأي قائد أن يبني دولة حديثة وألا تكون أولوياته الأمن، والشيخ زايد كان من أهم أولوياته أمن الإمارات، فهذه الشخصية استطاعت أن تُوحّد القبائل والدولة، ولذلك هو أسطورة زمانه ومكانه وهو الغائب الحاضر في قلوب الجميع. حين نتحدث عن المنظومة الأمنية المتكاملة، فقد وضع الشيخ زايد رؤية واضحة تستهدف أمن المواطنين والمقيمين، حيث إنه رسّخ قيم التسامح عند مختلف أفراد المجتمع والأمن المجتمعي كان من أهم أولوياته، والجميع يتساءلون كيف أن الإمارات دولة حلم ودولة أمن، وهذا يعود إلى الشيخ زايد الذي بنى الإنسان والدولة ووفر كل الإمكانيات للمؤسسات الأمنية، وما وصلت إليه الإمارات هو ترجمة لما بدأه الوالد المؤسس الشيخ زايد الذي نصر إخوانه العرب ومكّن المرأة وحفظ لها كرامتها، يشمل ذلك اهتمامه بالمرأة المُطلّقة والأرملة.. إلخ.
التركيز على الثروة البشرية

قال ملازم. سعود جاسم بوصيم: ضابط في إدارة الإعلام والعلاقات العامة بشرطة الشارقة: كشباب نتلمس الفكر الذي رسمه الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، لتأسيس هذه الدولة، عبر التركيز على الثروة البشرية الوطنية وتعليمها وصولاً لأفضل المستويات من أجل خدمة الوطن، ونلاحظ اليوم أن الإمارات تركّز على الشباب بشكل كبير عبر إنشاء مراكز ومجالس تعنى بهم، وتطّلع على أفكارهم وتجاربهم، وفي ذات الوقت تحفيزهم على إبراز طاقاتهم، والحمد لله أن يكون لدينا دولة تُمكّن الشباب فهذا يعتبر فكر الشيخ زايد طيّب الله ثراه الذي اهتم بالكبير والصغير واستثمر في تطوير العنصر البشري ودعم أفراد المجتمع بتمكينه وشغل الوظائف لتحقيق التنمية المستدامة.
العدل كان شغله الشاغل
قال المستشار حميد الدرمكــــي: الشيخ زايـــد، طيّب الله ثراه، ركّز على السلطــــــة القضائيـــة ومفهــــوم العدل، الذي شــــــــغل حيزاً كبيراً فـــي أولوياتـــه، حيث كــــــان للقائد المؤســـــس الفضل في تمكين السلطة القضائية، وأوعز للمجـــــلس الأعـــلى للاتحاد والمجلس الوطــــني الاتحادي، بتعديل الدســـــتور المؤقت للإمارات عام 1996 إلى دستور دائم، وهنا نلحظ أن الشيخ زايد ركّز على مسألة الفصل بين السلطات.
ونتيجةً للفكر المستنير للشيخ زايد، رحمه الله، نجح القضاء في الإمارات، بتشكيلاته المختلفة، في تعزيز أمن المجتمع واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.

أمن المساكن والمؤسسات

قال المقدم عبدالله المليح: رئيس قسم البحث العلمي في مركز بحوث شرطة الشارقة: الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، اهتم أولاً بالإنسان، حيث ابتكر موضوعاً رائداً على مستوى العالم هو صندوق الزواج، وأسّس أسرة إماراتية ومنها انطلق إلى موضوعات أخرى، وأمّن المسكن وتعهد بحماية المجتمع وركّز على الجانب الاقتصادي وبنى المؤسسات الاقتصادية ودعم التجار لتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي، كما أنه طوّر المنظومة التعليمية وهناك اليوم ثلاث كليات للشرطة وهي متخصصة بجوانب معينة من القانون إلى العلوم الشرطية والاجتماعية. أختم حديثي بلقاء متلفز لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تحدث خلاله عن القائد الملهم في مسألة تعزيز أمن الإمارات، وفكر الشيخ زايد العروبي القومي في تأمين العرب. وحقيقةً كان للشيخ زايد حضور قوي سواء على مستوى دول مجلس التعاون وتشكيله، أو في دعمه للكويت لتحريرها ضد الغزو عام 1990، وهذا دليل على قوته في فكره الأمني، حتى إنه منع البترول في حرب أكتوبر عن الدول العظمى، وترجم وطنيته وعروبته في رأب الصدع بين الدول العربية ومصر عقب اتفاق كامب ديفيد، وفكره انتقل من المحلية إلى الدولية حيث دعم دولاً كثيرة. والمتتبع لحياة المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد يرى أن الشرطة كانت حاضرة في فكره، باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار أمن البلاد وتعزيز مكانتها في مصاف الدول المتقدمة صاحبة الإنجازات اليوم تنبئنا بحكمة الشيخ زايد.
استقطب الخبرات وأسس الشرطة
قال د. محمد مراد عبدالله: مستشار نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي لاستشراف المستقبل إن الأمن العام هو وظيفة الحكومات التي تضمن من خلالها حماية المواطنين والمنظمات والمؤسسات ضد التهديدات، التي تواجه سلامتهم ورفاهية مجتمعاتهم.
أضاف: الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، عمل على وضع أسس العمل المؤسسي لمنظومة الأمن في أبوظبي ودولة الإمارات، حيث حرص على استقطاب أفضل الخبرات العربية لتأسيس شرطة عصرية، كما وضع اللبنات الأولى للشرطة في أبوظبي عام 1961، وفي عام 1968 تم تأسيس مراكز الشرطة، وحينها أسس وزارة الداخلية في أبوظبي وأسندها للمغفور له الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، وبعد تأسيس الاتحاد 1971، عملت وزارة الداخلية وأجهزة الشرطة المحلية في جميع الإمارات وفق منظومة أمنية متكاملة، وكان حريصاً على الاهتمام بالكوادر البشرية وتطويرها والعمل على دعمها وفق خطط وبرامج، واستمرت كليات شرطية تمنح الشهادات الجامعية والدراسات العليا في التخصصات الشرطية والقانونية، حيث تأسست كلية الشرطة في أبوظبي عام 1985، وفي عام 1987 تأسست كلية الشرطة بدبي. وأصبحت الشرطة اليوم في الإمارات تضاهي أفضل الأجهزة الأمنية في العالم، وحققت مراكز متقدمة في المؤشرات الدولية والمحلية، حيث إن معدلات الجريمة منخفضة ومعدلات الشعور بالأمن والأمان عالية وتصل إلى 97%.

علينا المحافظة على نهج زايد

أكد د. محمد محمود الكمالي: مدير عام معهد التدريب والدراسات القضائية أن فكر الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، انعكس على كافة المستويات بما فيها الأمن، وثمة مقولات له منذ بدايات الاتحاد تعكس موقفه من الأمن، حيث قال في إحدى المناسبات «هناك قناعة بأن الاتحاد هو الضمان الوحيد للاستقرار الأمني والرفاهية في هذا الجزء من الوطن العربي، وهذا يضع مصالح الاتحاد فوق جميع المصالح الأخرى». والشيخ زايد وضع قواعد لموضوع الخلوة على سبيل المثال، حيث اهتدت المحاكم بهذه القواعد. وفي موضوع الضمانات حدث أن كانت تمنح البنوك قروضاً بدون ضمانات، غير أن قراراً صدر من الشيخ زايد ألا يجوز قبول الدعوة والنظر فيها إلا إذا أُخذت الضمانات الكافية، وصدرت أحكام كثيرة من قبل المحكمة الاتحادية العليا برفض الدعوة في حالة عدم أخذ الضمانات الكافية للحصول على قروض.
وقال: هناك ضمان الاستقرار الاجتماعي، الذي جاء بعد أن حصلت مشكلات في أبوظبي حيث كان يمنح المواطنون منازل ويلجأ بعضهم إلى بيعها، وبالتالي تصبح الأسرة في الخارج، وفي أول تعميم صدر عن الشيخ زايد أن يسجل المنزل باسم الرجل وزوجته، ولا يجوز منح الأرض أو المنزل إلا بعد موافقة المجلس التنفيذي على أساس أنه ضمان للأسرة من حيث الاستقرار الاجتماعي.

بنى مشروعاً اتحادياً نهضوياً
قال العقيد د. ناصر محمد البكر: مدير معهد تدريب شرطة رأس الخيمة: لا شك أن مفهوم الأمن الشامل كان حاضراً لدى الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، حيث كان يهتم بالكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تبني الدولة، وهو الذي أسس ووضع الحجر الأساس للكثير من الوزارات في الدولة، وأسس جامعة الإمارات عام 1977، والكثير من المدارس، واهتم بالتعليم. كذلك اهتم بالتاريخ واستقدم البعثات الأجنبية للتنقيب عن الآثار في الدولة، وأسس متحف العين. والشيخ زايد سبق مفهوم القوة الناعمة الذي صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفرد عام 1990، حيث كان القدوة والحكيم وأياديه البيضاء وصلت إلى كل مكان، وبالتالي جعل الناس والمؤسسات والدول ينجذبون إليه بقوته الناعمة. والتاريخ يشهد لزايد بناء مشروع اتحادي ثقافي نهضوي مستمر، وهو الذي أسس الشرطة ودعم شرطة أبوظبي والاتحاد حتى أصبحت قويةً ومتينةً، كما أنه أسّس البنية التحتية وسعى إلى الجودة والاستدامة والثروة الاقتصادية، وقبل كل ذلك بنى الإنسان واعتبره الثروة الحقيقية للإمارات، وبنى المجتمع واهتم بالمرأة وأصحاب الهمم، والحقيقة أنه اهتم بالجميع.
أهل الأفراد قبل تأهيل البنيان
قال د. عارف الشيخ، كاتب وشاعر، إن الأمن في فكر زايد له علاقة بالجانب المعنوي غير المحسوس أكثر من الجانب المادي المحسوس، إذ إن الشيخ زايد «رحمه الله» فكر كما فكر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، عندما كتب إليه والي حمص يشكوه خراب مدينته ويسأله مالاً لترميمها، فكتب إليه عمر يقول: وصلني كتابك، فإذا وصلك كتابي، فحصّن مدينتك بالعدل، ونقّ طرقاتها من الظلم، فذلك ترميمها والسلام.
أضاف: لذلك فإنه باعتقادي الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، مر بثلاث مراحل: أولاً مرحلة التشخيص حيث إنه عاش 20 عاماً ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية، وفي هذه الفترة عاش زايد بن سلطان في أجواء سادها الفقر والاستعمار والأمية وانعدام كينونة مستقلة، وعدم وجود أطباء وعدم وجود ماء صالح للشرب وإهمال المرأة، وعدم وجود دستور.
ثانياً: مرحلة العلاج ورسم الأمن الحقيقي، وفي هذه المرحلة وبعد أن تولى مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، بدأت تظهر بوادر البترول، وبدأ في التخطيط والإعمار وعلى رأس أولوياته توحيد الإمارات المشتتة وإنشاء دولة ذات سيادة، والسعي إلى رسم هوية جغرافية ووطنية للدولة، وإثبات حضور في المنظومة الإقليمية والدولية، والعمل على حسن الجوار والتحرر من تبعية الآخرين، وإيجاد دستور ينظم العلاقات ومعالجة الفقر والبطالة، ونشر التعليم ودور العبادة وإنشاء المراكز الثقافية، وتأهيل المرأة وتمكينها في العمل وتوطين البادية واستثمار طاقة الشباب، وإيجاد فرص العمل واستغلال الثروات الطبيعية فيما يعود على المجتمع بالنفع وحماية التراث من الانقراض.
وثالثاً: مرحلة ترجمة الأمن إلى الأمن التقليدي، وتمثلت في تأسيس قوة شرطية منظمة لمراقبة الأمن في الداخل، وتأسيس القوات المسلحة المتطورة لحراسة الحدود وصد العدوان الخارجي، والمشاركة في المنظمات الأمنية والإنسانية المسؤولة عن الأمن الإقليمي والدولي.

المشاركون في الندوة
* فريق م. حميد الهديدي القائد العام السابق لشرطة الشارقة
* لواء د. عبدالقدوس العبيدلي: مساعد القائد العام لشؤون التميز والريادة في شرطة دبي
* عميد د. خالد حمد الحمادي: مدير مركز البحوث في القيادة العامة لشرطة الشارقة
*عقيد م. جمعة بن رحمة الدرمكي
* عقيد د. ناصر محمد البكر: مدير معهد تدريب شرطة رأس الخيمة
* مستشار حميد جمعة الدرمكي: دائرة القضاء في أبوظبي
* د. خليفة راشد الشعالي: مدير الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية
* ملازم. سعود جاسم بوصيم: ضابط في إدارة الإعلام والعلاقات العامة بشرطة الشارقة
* د.عارف الشيخ: كاتب وشاعر
* مقدم عبدالله المليح: رئيس قسم البحث العلمي في مركز بحوث شرطة الشارقة
* د. محمد محمود الكمالي: مدير عام معهد التدريب والدراسات القضائية
* د. محمد مراد عبدالله: مستشار نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي لاستشراف المستقبل
* د. مريم لوتاه: أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات
* ناعمة عبدالله الشرهان: عضو المجلس الوطني الاتحادي

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً