محمد بن راشد يكتب الشعر بمداد الفلسفة

محمد بن راشد يكتب الشعر بمداد الفلسفة

في نظم جديد مختلف، يأخذنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في رحلة يجمع فيها بين الفروسية والتأمل وأطلق سموه على القصيدة اسم «فَراسِة وفروسيّة»، ولعل أول ما يلفت النظر إلى القصيدة ذلك العنوان، الذي يشكل بالفعل عتبة نصية دالة على محتوى النص، ويشير إلى…

emaratyah

في نظم جديد مختلف، يأخذنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في رحلة يجمع فيها بين الفروسية والتأمل وأطلق سموه على القصيدة اسم «فَراسِة وفروسيّة»، ولعل أول ما يلفت النظر إلى القصيدة ذلك العنوان، الذي يشكل بالفعل عتبة نصية دالة على محتوى النص، ويشير إلى مقاربة بديعة بين الفروسية وإعمال الفكر والتأمل، فالفراسة كما هي معلوم، من العلوم التي تُعرف بها أخلاق وطبائع الناس الباطنة، وهي مسألة تأتي عن طريق التأمل والخبرة فيه، فلا تتوفر لأي شخص، فالرجل ذو الفراسة عند العرب، هو صاحب النظرة الثاقبة، والمقدرة على معرفة أخلاق الناس من مجرد النظر إليهم، وهذا ما يمارسه فعلياً سموه.
هذه القصيدة تظهر لنا، صورة فارس يمتطي صهوة جواده، يشكو الوجد وتباريح الهوى، ثم يقوده التفكير إلى أسئلة فلسفية، وهي عوالم يعبر فلواتها سموه بقوة النظم، ويعبر عنها ببديع المفردات، وينفذ إلى جوهرها بسلطان اللغة وسحر البيان، ويطلق العنان للخيال، لينتج لوحات مشهدية ماثلة، وأخرى تختبئ في متن النص الشعري ليلتقطها من أوتي الخبرة الشعرية وحسن التدبر، فالقصيدة حافلة بالمعاني ومنتجة لها، وتحرض على التأمل والتفكير في خلق الله سبحانه وتعالى وقدرته التي لا تحدها حدود، ولا تحيطها العقول.
تقول القصيدة في استهلالها:
إسجعي يا القصايدْ بالجديدْ الغريبْ
منْ شريفْ المعاني واصلهْ للكمالْ
منْ عجيبٍ مصفَّىَ ما لمثلهْ ضريبْ
فوقْ حدِّ الظنونْ وفوقْ حَدْ الخيالْ
لولوٍ في مغاصَهْ مظلماتْ الغبيبْ
جوهَرَهْ مايثمَّنْ بالوزونْ الثِّقالْ
وإكتبي منْ حروفٍ ماوعاها خطيبْ

لوْ (لِ قِسْ الإيادي) لي بهْ ضَرْبْ المثالْ.
في الأبيات السابقات يحرض سموه شاعريته ويشجعها على قول القصيد العصي، الحافل بكل جديد وغريب، التماساً للمعاني التي تبتغي وتنشد الكمال في نظمها الشعري، لا يرضى بأقل من عجيب لم يضرب من قبل لا في الأمثال ولا في الشعر، ويطالبها بأن تسرح بحثا عن المعاني وبديع المفردات إلى ما فوق حدود الخيال والظن، مشبها ذلك باللولو في محارته «المغاصه» شديدة السواد «الغبيب»، فهذا الشعر في قوة معانيه هو بمثابة جوهرة لا تقدر أثمانها، فهو يحرض شاعريته على نظم متفرد، لم يأت به لا شاعر ولا خطيب، حتى وإن كان ذلك الخطيب هو قس بن ساعدة الإيادي، وهو من حكماء العرب في مرحلة ما قبل الإسلام و تحول لما يشبه الرمز والدليل على بلاغة العرب القدامى، ولم تكن الإشارة إليه من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مجرد صدفة اقتضتها الضرورة الشعرية، بل لأن الرجل قد عرف بخطبه الفلسفية المفكرة والمتأملة في شؤون الكون والخلق.
يقول سموه بعد ذلك:

نَبضْ يَسر
ي بدَمِّي ويحتويني مِريبْ
منْ صبايِهْ معايهْ ما لظلِّهْ زوالْ
وإنْ
تفَكَّرتْ في حالهْ تَرَكني عطيبْ
يبتدي بي بحالْ وينتهي بي بحالْ
وإنْ
قبضتهْ شعاعهْ وصرتْ أحسِّهْ قريبْ
فَرْ بينْ الأصابعْ وإختفىَ في الظِّلالْ
منْ
عرفتهْ وعرفني قالْ لي لاتخيبْ
وقلتْ لهْ ما بخَيِّبْ لكْ مدىَ العمرْ فالْ.

ثم كعادة العرب الأقدمين في تمرحل نظم القصيد، يبدأ الشاعر بالتأمل في ذاته وما يعانيه من لواعج وشوق ووجد يسري بين الضلوع فتصيب صاحبها بما لا يزول، يبذل في حاله التفكير دون جدوى، فيظل المصاب على حاله، بل ويقلبه بين أحوال مختلفة من المشاعر والأحاسيس، من فرط لواعج الهوى والحب، لا سبيل للإمساك بما يتخيله المرء بشعاع أو طيف أو قبس منه، فهو يفر بعيدا ويختفي حيث اللا شيء، لكن كل تلك المشاعر رغم قوته وأهوالها، فإنها لا تفت من عضد الشاعر الفارس الذي يثق في نفسه وقدرته على تجاوز كل ذلك بالأمل والفأل الحسن وحسن الظن، وفي الأبيات تتكشف المقدرة الكبيرة في التجريد، وتحويل الحالات الإنسانية الشعورية إلى صور حافلة بقوة الوصف والدفق الشعوري، فتصل القصيدة إلى قلب المتلقي بيسر، كونها نابعة من شعور صادق، عبرت عنه مفردات جزلة ونظم محكم.
ثم ينتقل سموه من وصف الذات وأحوالها، إلى تلمس الموضوع، ثم التعمق فيه بقوة التأمل والتفكر والتدبر، فالرحلات التي يقطعها الفارس في مساره الزماني من الصبح إلى المغيب، هي مساحة يقطعها في ذات الوقت في التأمل والتفكير، فهو هنا فارس يمارس الفروسية، والفراسة في آن واحد، وفي الأرض التي يقطعها بفضاءاتها الممتدة، تمنحه قوة وتحريضاً على التفكير، هو فارس أحب الخيل والصيد وقطع الفلوات، ونظم الشعر ووصف الجمال، يسير في ظلمات الليل، ولئن كان التعب قد نال من خيله التي يركبها، فقد أضنى أيضا خيل تفكيره وانشغاله بسؤال يقوده لعوالم التأمل، والذي من قوته يدخله في عوالم أثقل في الفكر ومعضلاته، والأسئلة الحيرى، إنه الوعي الذي لا يجد صاحبه معه مناصا من تتبع السؤال تلو السؤال في سبيل البحث عن إجابة يحل بها المعضلات الكبرى المتعلقة بالكون والوجود، ونلمح هنا قوى الوصف والتصوير في تصور حالة فارس على خيل، يلج إلى متاهة الأسئلة فيتابعها إلى النهاية، فهو ليس مولعا بقنص الصيد والطريدة فقط، بل حتى الشوارد من الأفكار، بعقل لماح منفتح على الفكر، والأبيات تمهد لما بعدها في انتقال وتمرحل بديع:
كيفْ
ها الكونْ يجري في نظامٍ عَجيبْ
وكيفْ تسري اللِّيالي ماضياتٍ عجالْ
ووين
ْ مبداهْ ها الكونْ الفسيحْ الرِّحيبْ؟
ووينْ منهْ النِّهأيهْ في إتِّساعْ المجالْ؟
عنْ و
جودٍ بذاتهْ محتفي ما يغيبْ
وعنْ وجودٍ لذاتهْ مختفي ما يطالْ
شَفْ
حتَّى تظنِّهْ في يمينكْ نصيبْ
وخَفْ حتَّى تظنِّهْ ذايبٍ في زلالْ.
أرجوْ
العذرْ لأنِّي كادْ راسي يشيبْ
منْ طويلْ إفتكاري في أمورْ المحالْ.
ثم يطرح الشاعر الأسئلة التي تضنيه، وتشغل تفكيره، حول الكون ونظامه المحكم العجيب، وتقلب الليل والنهار الذي يطرح سؤال الزمن، ثم يسأل عن بدايات الكون وعلته الأولى التي شكلته كيف ابتدأ في الزمان، وإلى أين يمضي في كل ذلك المدى والمجال المتسع أو ما يسميه الفيلسوف الكبير هيجل اللا متناهي، وعلى طريقة الفلاسفة الكبار يطرح سموه سؤال الوجود لذاته وبذاته، وهي التي أعيت هيجل نفسه وكانط، واختلفا في تأويله، فهو سؤال وجودي كبير، لكنه ظل بعيدا لا يدرون له تأويلا ولا علما، ثم يرسم سموه لوحة تشكيلية بديعة للكون والوجود وجماله.
وتسير بنا القصيدة نحو خواتيم بديعة، حافلة بالتأمل البديع، فالشاعر قد أضناه التفكير المستمر حتى تسارعت دقات قلبه، ثم يصل إلى خلاصة بديعة في وجوب ألا يتكئ المرء في فلسفته لوجوده بالجدل فقط، ودون أدوات محددة حتى لا يصبح الأمر محض جدال، بدلا عن بذل الفكر العلمي، ثم ينتقل إلى صراع الوجود الأساسي بين الخير والشر، ذلك الأزلي، وكيف اختارت الإنسانية طريق الخير وانتصرت له، حيث صار هو المبدأ الذي وجب الكفاح والنضال من أجله، وذلك لخير الإنسانية كلها، وللبشر جميعهم من دون أدنى اعتبار لفروقات المذاهب والأعراق والثقافات، ثم يؤكد الشاعر على أن كل ما لا يلوح لنا ويختبئ هو من علم الغيب، لكن الإنسان ينفذ إليه بإعمال الفكر والخيال والتأمل، ثم إن الدلالة بالشي تقتضي الإحاطة بآخر، فالدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول، وذلك من أكثر الأمور المتعلقة بالمنطق تعقيدا، فالقصيدة تعتبر نصا فلسفيا بامتياز، تحرض على التفكير والتأمل بحذر لا يقود إلى الاختلال والزلل.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً