شباب غزة يبحثون عن إبرة العيش في كومة القش

شباب غزة يبحثون عن إبرة العيش في كومة القش

ربما هو وقع الأحلام على آذان تصغى لها كلما مر طيف، أو جال بخاطر أحدهم عن طموحات تبلورت بين ثنايا السنين، باحثة لها عن ملاذ ينجيها من مغبة الفشل والحرمان، عن بارقة أمل تضيء عتمات أفئدة لا تكن بحثاً عن النور بطريقة يمكن تشبيهها بمن يحفر في الصخر، بشجاعة تعتريها عقبات الوضع السياسي القائم، والذي…

alt

ربما هو وقع الأحلام على آذان تصغى لها كلما مر طيف، أو جال بخاطر أحدهم عن طموحات تبلورت بين ثنايا السنين، باحثة لها عن ملاذ ينجيها من مغبة الفشل والحرمان، عن بارقة أمل تضيء عتمات أفئدة لا تكن بحثاً عن النور بطريقة يمكن تشبيهها بمن يحفر في الصخر، بشجاعة تعتريها عقبات الوضع السياسي القائم، والذي بات لا يعبأ بأحلام الصغار وآمال الكبار.

في ظل انحسار الخيارات، وانعدام فرص العمل لعشرات الآلاف من الشباب في قطاع غزة، والحصار الإسرائيلي مفروض منذ أكثر من أحد عشر عاماً، عدا عن الانقسام الفلسطيني أضاف بصمة سيئة على حقبة السنين التي مضت محوّلاً كل الآمال إلى محض خيالات بات تحقيقها أشبه بالمستحيل.

شباب أرهقهم ضنك العيش فتفاعلوا مع مدلولات الواقع بطرق عدة، كان لكل واحدة منها تأثير شخصي وعام، ألقى بظلاله على منظومة قطاع الشباب في غزة، ما أوجد بعضاً من الظواهر اختلفت تداعياتها ما بين الكارثية والإيجابية، فشاب حاصل على الامتياز من كلية التجارة لم يتمكن من الحصول على فرصة عمل، فاضطر لبيع الشاي والقهوة في الشوارع.

ومثله عشرات الشباب من خريجي غزة ممن أصبحوا باعة متجولين. ولأن ليس بمقدور كل خريجي القطاع الحصول على ثمن عربة متنقلة لبيع المشروبات الساخنة، اتجه جزء كبير منهم للجلوس داخل غرفهم متلصّصين على ما يشاع في الخارج من أخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، عن انفراجة خاصة بالشباب والخريجين فيستبشرون خيراً سرعان ما يخبو.

ولأن الآمال إن تعالت على مستحقيها ثمة ضيق قد يعتري أصحابها، فشباب لم يأبه بهم أحد إلا من تعبيرات خجلة يلقيها البعض هنا أو هناك دعماً للشباب دون واقع ملموس، يزيح عن كاهل هؤلاء الشباب ما عايشوه من صعوبات جمة تحملوا فيها وزر ظروف سياسية قائمة أصابت كل مناحي حياتهم، ليس فقط ما يتعلق بحصولهم على فرص عمل، بل حياة كريمة يبحثون عنها كما الباحث عن إبرة في كومة قش، فمنهم من غادر هذه البقعة ومنهم من ينتظر علّ حلاً يلوح في الأفق.

خريج بمنجرة

الشاب حمد منصور (29 عاماً) خريج كلية التربية منذ سبع سنوات ولم يحصل على فرصة عمل توافق تخصصه الجامعي، لكنه ما انتهى من دراسته الجامعية حتى باشر بالعمل في منجرة، تلك المهنة التي تعلّمها من أحد أصدقائه. وما بين حرصه على توفير قوت أسرته، ورغبته الشديدة في الحصول على فرصة عمل تناسب تخصصه الجامعي، يعد حمد الشاي لزملائه.

يقول: أنا لا أنظر إلى تداعيات هذا الواقع فقط على فئة الشباب، الظروف انعكست على جميع الفئات في غزة، من مهنيين وعمال وموظفين، فالشخص الذي يفوق الخمسين عاماً ولا يعمل ويعيل أسرته، وضعه لا يقل سوءاً عن أوضاع الشباب.

هذا الغبار الذي يأمل حمد في جلائه يوماً كان أول صورة تلمحها أعيننا على لباس الشاب مفيد رزق (27 عاماً)، غبار بدل لون ملامحه إلى ما يشبه ضبابية الحالة التي يحياها القطاع، عدا عن بقع خرساء تركت بصمتها على ثيابه، وومضات من نور ظهرت في محيا مفيد حين سألناه عن وضع الشباب في غزة لا ندري أهي ابتسامة سخرية أم ابتسامة حقيقية تعكس صفاء نفوس هؤلاء الشباب؟!.

مفيد خريج يعمل في أعمال البناء والتي غالباً ما يتطلب العمل فيها إلى جهد مضاعف، وقد يتوقف لمدة أشهر إلى حين مباشرته من جديد، وعن أوضاع الشباب يعبر عن الوضع بالقول: في البداية نحن نحتاج لمن يرعى مشاكلنا ويلبي احتياجاتنا ويساعدنا على تحقيق أحلامنا، فسنين الفرقة والانقسام أوجدت أسوأ ما يمكن إيجاده سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، نعمل أسبوعاً ونجلس شهراً في البيت بلا عمل ولا دخل، هذا أثر على مناحي حياتنا، فنحن لا نستطيع الزواج والاستقرار، وتكوين عائلة، لا نستطيع إيجاد فرص عمل ثابتة، لا نستطيع معرفة ما يخبئه المستقبل لنا، بــعض الشباب قد دمر مستقبله، والبعض الآخر اتجه للهجرة.

نحن لو وفّرت لنا الإمكانيات المتاحة فبالتأكيد سنكون قادرين على تطوير هذا البلد، وإيجاد دور فاعل ومؤثر بشكل تنموي وإيجابي في المجتمع، لكن السؤال كيف يمكنني تحقيق ذلك وأنا لم أحصل على فرصة عمل، كيف يمكنني تحقيق ذلك وأنا لم أستفد من شهادتي الجامعية حتى الآن ولم أعمل بها، بسبب ظروف البلد نحن نتساءل وبأعلى صوت من المسؤول عن أحلامنا؟، نريد أن يصبح لنا كيان من الناحية المجتمعية، النزاعات السياسية أرجعتنا عشرات السنين للوراء، وأرجعت قضيتنا الفلسطينية للوراء أيضاً.

تطوير القدرات

ويشير أستاذ علم النفس والاجتماع أحمد وادي في حديث لـ «البيان»، إلى الدور الفاعل للشباب في المجتمع، موضحاً ذلك بقوله: في الحقيقة لا يمكن أن يكون للشباب دور فاعل فيما لم تتوفر هناك معطيات فاعلة، يتم بموجبها العمل على تطوير قدرات الشباب في مناحٍ عدة تخدم المجتمع، لكن بالنسبة للحالة في غزة فيمكن دراسة الموضوع من أبعاد مختلفة، فثمة مسببات يعايشها الشباب جعلت من مرحلتهم العمرية محفوفة بالمصاعب.

فحصار الاحتلال من جهة، ومن جهة أخرى انقسام فلسطيني داخلي أثر على فئة الشباب في القطاع، فلم يعد بمقدورهم الحصول على فرص عمل يبنون من خلالها مستقبلهم، ولم يعد بمقدورهم تكوين صورة حقيقية وجادة عما ستؤول إليه الأمور في مستقبلهم، ففي ظل انحسار أفق المصالحة الفلسطينية، وتزايد الشرخ بين أبناء الوطن الواحد، يعيش الشباب في غزة ما بين الترقب والخوف واليأس والانتظار.

وما يشهده القطاع من ظروف صعبة أفرز عدداً كبيراً من الشباب العاطل عن العمل الذي اتجه بعضهم للمشاريع الصغيرة كبيع القهوة والشاي.

تذكرة سفر

أحمد عوني (31 عاماً) لا يملك ثمن تذكرة سفر للهجرة، ولم يحصل كما معظم الشباب على فرصة عمل في تخصّصه الجامعي (إدارة الأعمال).

يقول أحمد وفي مخيلته أحداث مضت كانت سبباً رئيسياً في تشكّل هذا الواقع الأسود في قطاع غزة معبراً عن ذلك بقوله: لا أحد يخفى عليه الواقع الظاهري من حصار وفقر وضيق ودمار، لكن أشياء غير ظاهرة ربما للعيان تعصف بواقع الشباب وبقدراتهم، فتدهور الحالة المعنوية للشباب أمر لا يحمد عقباه، فالمأزق السياسي قد ينجم عنه تداعيات سلبية عدة على المستويات كافة، بعد تخرجي مباشرة عملت في مصنع للنسيج لكن ووفق تردي الوضع الاقتصادي أغلق المصنع، وأغلقت معه آمال الكثيرين، ومن حينها لم أتمكن من الحصول على فرصة عمل.

الباحث في الشأن السياسي سعيد المدهون يقول لـ «البيان»: في ظل الأوضاع الراهنة يمكننا القول إن المجتمع في غزة برمته يعاني من مشاكل، لكن ولأن فئة الشباب هي عصب هذا المجتمع، وقوامه، فإن تأثير هذه المشاكل وتداعياتها يبدو ظاهراً عليها أكثر من غيرها، فاليوم ومع تشديد الاحتلال لسياسته القمعية، فإن ما شهدته مسيرات العودة مؤخراً من استهداف للشبان الفلسطينيين يؤكد على مدى ما يعانيه الشباب، تضاف إليه تداعيات فشل المصالحة.

محمد هاشم (62 عاماً) والد لأربعة شباب كلهم عاطلون عن العمل يتحدث عن صعوبة الأوضاع الحالية محاولاً المقارنة بين الماضي والحاضر موضحاً ذلك بقوله: قبل حوالي عشرين عاماً، كانت ظروف الشباب أفضل بكثير من الوقت الحالي، فبمجرد تخرّج الشاب كان يحصل على فرصة عمل حكومية، أما اليوم فقد ينتظر عشر سنوات من دون أن يحصل على فرصة عمل.

ويمضي قائلاً: لدي من الأبناء الشباب أربعة لا أحد منهم يعمل، أصرف عليهم جميعاً وفي داخلي غصّة على مستقبل هؤلاء الشباب، منهم من درس واجتهد لكنه فوجئ بواقع مغاير لأحلامه.

رابط المصدر للخبر

اترك تعليقاً